تُعدُّ الفنانة العُمانية ومصممة الجرافيك صفية البهلانية واحدةً من أبرز المبدعات في المشهد التشكيلي المعاصر، إضافةً إلى كونها ناشطة بارزة في حقوق ذوي الإعاقة. وعبر مسيرة حافلة، أقامت صفية العديد من المعارض الشخصية والمشتركة، إضافةً إلى مشروعها الأكبر وهو تأسيس (جاليري صفية للفنون) في العاصمة مسقط، ليكون حاضنةً إبداعية ومساحةً تجمع بين أصالة الهُوية والشغف وروح الاستثمار الثقافي.
في هذا الحوار التقينا بالفنانة صفية البهلانية للتعرف على آرائها حول المشهد التشكيلي وهواجسه، وتحديات الموازنة بين الشغف وريادة الأعمال.
في البداية بشكل عام، لنتحدث عن فكرة إنشاء "جاليري صفية للفنون".
في بداية مشواري الفني عندما عدت من الدراسة في الخارج، لم تكن هناك أماكن عرض كثيرة للفنانين في عُمان، والأمر نفسه كان ينطبق على الفنانين الجدد الذين لم يكونوا يجدون مكاناً يحتضن أعمالهم. وعلاوة على ذلك، وبسبب إعاقتي، لم أكن أُؤخذ على محمل الجد، بل إن هناك من اتهمني بسرقة أعمال الآخرين، فشعرت بأنني في حاجة دائمة لإثبات وجودي. ومن هنا ولدت فكرة تأسيس مساحة العرض الخاصة بي.
افتتحتُ (جاليري صفية للفنون)عام 2018، ولم تكن لدي خلفية عن كيفية إدارة المعارض الفنية أصلاً، حيث توجب عليّ تحويل فكر الفنان إلى فكر رائد الأعمال. وعندما حدثت جائحة كورونا، تبين لي أن الظروف منعت الكثير من الفنانين من الترويج لأعمالهم واقعياً، فرغم سهولة الترويج عبر الإنترنت، إلا أنه لا يلبي الحاجة لعرض الأعمال على أرض الواقع. لذا، وبدلاً من عرض أعمالي فقط، بدأتُ أتواصل مع فنانين ومبدعين ليأتوا ويروجوا لأعمالهم هنا.
في البداية قبلتُ مجموعة متنوعة من الأعمال، ولكن بعد توافد السياح والمهتمين وبحثهم عما يمثل الهُوية العُمانية، فكرتُ أن أجعل الجاليري أكثر تخصصاً، وأن يقتصر المكان على عرض منتجات عُمانية بطريقة حديثة، لاسيما وأن أعمالي بالفعل تحمل الطابع ذاته.
رغم أنني أبقيتُ على اسم الجاليري، فإن المعروضات في المكان تتغير حاليًا بشكل شهري، ويضم المعرض أعمالاً تتراوح ما بين 12 و20 مبدعاً. هدفنا هنا هو تقديم شيء مختلف دائماً، ونحاول باستمرار الاستماع لآراء الزوار والمهتمين لمعرفة ما يبحثون عنه ويستهويهم.
هل تعتقدين أن من واجب الفنان التعبير عن الهُوية الوطنية لبلده في أعماله؟ أم أن مهمته الأساسية تتجلى في التعبير عن نفسه وعالمه الخاص وقضاياه الذاتية؟
لا أعتقد أن هناك قاعدة معينة، فكل فنان يعبر عما يشعر بأنه يناسبه. فإذا نظرنا إلى الأعمال التي تعود للقرن السابع عشر مثلاً، كان كثير من الفنانين يعبرون عن الوضع الاجتماعي آنذاك. أما الآن، فنجد أن هذا التعبير موجود ولكن ليس كما كان عليه سابقاً، خاصة مع تنوع أدوات التعبير ووسائله.
بالنسبة لي، أرى أن الأمر يمثل صراعاً شخصياً لكل فنان، لأنك كفنان تريد التعبير عن نفسك، ولكن مَن أنت؟ هل الهُوية هي التي تتحدث عنك أم مشاعرك أنت كشخص؟ علاوة على ذلك، فالفنان يفعل ما يحبه وأحياناً ما يمثل مصدر رزقه.
لذا دائماً ما أطرح هذا السؤال على المتدربين لدينا من طلبة الكليات الفنية: "إذا كنتم قد دخلتم هذا المجال لمجرد أنكم تشعرون بقدرتكم على الوصول والتميز وما إلى ذلك، فإن هذا الأمر يتطلب جهداً كبيراً ويتطلب منكم القيام بأكثر من شيء، فهل أنتم مستعدون؟". لأنني أشعر أنه كلما قدم الفنان شيئاً ليراه الآخرون، فإنه يضع جزءاً من روحه ونفسه فيه، فهل هو مستعد حقا لإظهاره للعالم؟.
هل تعتقدين أن الفن ساهم في إيصال رسالتكِ فيما يتعلق بحقوق ذوي الإعاقة؟ أم أنكِ كفنانة لم تتبن هذه القضية، بغض النظر عن كونكِ ناشطة في مجال حقوق ذوي الإعاقة؟
كانت قضية حقوق ذوي الإعاقة أحد الأسباب التي جعلتني أدخل مجال الفن، وربما مَن ينظر إلى أعمالي يجد أنها تحمل طابعاً عُمانياً، لكنها في الوقت ذاته تتحدث عن تحدياتي وصراعاتي. فالإجابة هي نعم، أسعى قدر الإمكان لإيصال قضيتي عبر الفن.
كيف ترين حضور المرأة العُمانية في خارطة الفن التشكيلي اليوم؟ وهل هناك تحديات خاصة بالمرأة في مشهد الفن التشكيلي العُماني؟
لا يمكنني تخصيص المجتمع العُماني بهذا التحدي الذي تواجهه المرأة عالميا على العموم، بل على العكس ألمس دعماً كبيراً للفنانات العُمانيات. لكن التفضيل يتضح في بعض بيئات العمل التي تفضل الذكور على الإناث، ولعل ذلك يعود لطبيعة المجتمع كون الرجل مطالباً بتوفير الدخل لأسرته. ولهذا، فنحن النساء نضطر لبذل جهد أكبر لإثبات كفاءتنا، ومع ذلك قد تجد المرأة من يقول لها: "لماذا تبذلين كل هذا الجهد؟ هذا ليس مكانكِ أصلاً".
هل تعتقدين أن الفن مصدر دخل آمن؟
لا، أبداً؛ ولهذا السبب أقول إن الفنان بحاجة إلى امتلاك أكثر من مهارة، والعمل في أكثر من اتجاه، لكي يضمن لنفسه دخلاً آمناً.
ما تقييمكِ لجدوى المعارض الفنية محلياً وخارجياً اليوم؟ وهل ما زالت تحقق أهداف الفنانين أم تراجعت أهميتها مقارنة بالسابق؟
أولاً، أرى أن المعارض الفنية مرتبطة بالمواسم، وثانياً، ترتبط ارتباطاً وثيقاً باقتصاد البلد. ودائماً ما أضرب مثالاً بفترة ما قبل جائحة كورونا؛ حيث كانت المعارض تحظى بزخم وقوة أكبر. أما بعد الجائحة وحتى اليوم، ورغم وجود جهود كبيرة مبذولة، إلا أن أولويات الناس قد تغيرت؛ فلم يعد اقتناء الفن استثماراً أساسياً كما كان في السابق، بل أصبح يُنظر إليه كنوع من الرفاهية.
بالنسبة لي كصفية، أحرص على المشاركة في معارض محددة للغاية، لا تتعدى معرضين أو ثلاثة في السنة؛ لكونها استطاعت بناء سمعة طيبة لنفسها، فحين يقصدها الناس، يكونون مهتمين بمشاهدة فن حقيقي يحمل قيمة، وليس بضاعة معروضة في سوق شعبي. ومع ذلك، أنصح الفنان في بداياته بأن يجرب ويشارك في مختلف المعارض، حتى يكتشف مكانه المناسب.
ألا يمكن أن تكون المعارض أيضاً مساحة للتعارف والالتقاء بين الفنانين؟
نعم ولا في الوقت نفسه؛ لأن الوسط الفني في عُمان صغير نسبيا، ففي كل المعارض يرى بعضنا بعضاً، وصراحة نحن نساند بعضنا، أي أننا نشتري أعمال بعضنا، حتى إن هناك دعابة تقال بأن الأشخاص الذين يأتون للشراء في هذه المعارض هم أنفسهم دائماً في كل مرة، لذا قلتُ ذات يوم إننا لو ذهبنا لزيارة هذه البيوت فسنرى أعمال كل الفنانين عبر السنوات وكيف تطوروا. وهذا ينطبق على دول الخليج كلها عموما.
ما رأيك بالجيل الجديد من الفنانين العُمانيين؟
أراهم ينقسمون إلى عدة فئات، وهناك فئة تفتقر إلى الصبر وتجدهم يتساءلون: لماذا يتعين علينا قضاء كل هذه السنوات لنصل إلى مرحلة معينة؟ هم لا يستوعبون أن الأمر لا يتعلق بالسنوات فحسب، بل بالخبرة في الوقت ذاته.
ولكنني أشعر أن لديهم سرعة في التعلم، ولا أقصد هنا تعلم تقنيات الفن فقط، بل في كيفية تسويق أنفسهم، وكيفية الاختلاط وبناء شبكة علاقات وتواصل. إن وجود منصات التواصل الاجتماعي الآن قد ساعد كثيراً في هذا الأمر.
وأعلم أن الكثير منهم عندما شعروا بأن الأبواب مغلقة في وجوههم هنا، بدؤوا يروجون لأنفسهم في الخارج وأصبحت لديهم تعاملات خارجية؛ فالجيل الجديد يأتي باهتمامات مختلفة، ولم يعد يقتصر على الطابع العُماني مثلاً، بل هناك من يحبون رسوم (المانجا) أو(الرسوم المتحركة)، وهي مجالات قد لا يفهمها كل الناس هنا.
ما هو هاجسكِ كفنانة مع وجود الذكاء الاصطناعي؟
أشعر أن الذكاء الاصطناعي أداة يمكنها مساعدة الفنان، ومن الاستحالة أن يأخذ مكانه؛ لأن الأعمال التي ينتجها لا توصل أي شعور. وأنا هنا لا أتحدث عن الفنون الواقعية كالتصوير الفوتوغرافي، بل أعني الفن التجريدي والسريالي وغيره، فهو لن يأخذ مكان الفنان لأنه يفتقر إلى روح الفن.
أعتقد أنه لو تعلم الفنانون فعلاً كيف يمكنهم استخدام الذكاء الاصطناعي فستكون أداة لصالحهم؛ فالفنان في الأصل هو مَن ينتج الأفكار، ومع الذكاء الاصطناعي أنت لا تقول له ابتكر فكرة بل تحدد له ماذا تريد منه. فهو بمثابة تغذية بصرية، ومولد أفكار يفتح للفنان آفاقاً جديدةً للابتكار.
سابقاً كان البعض -كما تعلمين- يستكثر المبالغ المدفوعة في اللوحات، واليوم أصبحوا يرون في البدائل الرقمية خياراً أسهل. ألا تظنين أن إقناع الناس بقيمة الفن اليدوي وفكرته بات يتطلب منكِ جهداً مضاعفاً في عصر الذكاء الاصطناعي؟
كلامكِ صحيح، ما زال الأمر كذلك بالفعل.. وهذا التحدي لم نجد له حلاً بعد.
بما أنكِ فنانة ورائدة أعمال، كيف توازنين بين الفن وإدارة المشروع؟ متى تكونين فنانة، ومتى تكونين سيدة الأعمال التي تسعى لاستمرار المشروع وضمان ديمومته؟ وهل تجدين صعوبة في تحقيق هذا التوازن؟
كل يوم يمثل تحدٍ بالنسبة لي، على سبيل المثال عندما تردني أعمال جديدة في المعرض اضطر للنظر إليها بنظرة تجارية إن كانت ستلقى رواجا في السوق وهل تتوافق مع معايير الجاليري، لأن حكمي عليها كفنانة سيختلف، أعرف تماما أن رفض العمل الجيد صعب وهو يذكرني دائماً بالأيام التي كانوا يغلقون فيها الأبواب في وجهي. وصحيح أنني بعد مرور السنوات أصبحتُ قادرة على قول "لا" لبعض الأعمال، ولكن يصاحب ذلك دائما تأنيب الضمير.
أحد الفنانين قال لي ذات يوم: " لن يعرف الفنان يعرف أبداً كيف يدير عملاً تجارياً؛ فإما أن تنقطع تماماً كفنان ولا تنتج وتركز فعلاً على العمل التجاري، أو أن تكون فناناً وتنسى التجارة، أما أن تخلط بين الاثنين فذلك أمر صعب". وأنا حتى الآن أحاول إثبات أن هذا الكلام خاطئ، ولكن بصراحة هو صعب فعلاً؛ لأنني أبذل جهداً كبيراً في العمل التجاري، وفي الوقت الذي أرغب فيه حقاً بالعمل لنفسي، أشعر أنني لا أملك الطاقة الكافية.
ما رأيكِ في الحضور الفني جماهيرياً ومجتمعياً؟ هل مثلاً عندما أنشأتِ هذا المكان، كان أحد الأهداف هو جعل الفن متاحاً ومفهوماً للناس وسهل الوصول إليه؟
بكل تأكيد، فبالنسبة لهذا المعرض حاولتُ أن يكون معرضاً مجتمعياً؛ أولاً من الناحية المادية، حرصتُ ألا تتجاوز الأسعار مائة ريال عُماني، لأنني أريد لهذا المكان أن يكون تعليمياً، ولأنني أشعر أيضاً أن الثقافة الفنية ما زالت غير مفهومة كثيراً هنا.
وثانياً، أحب كثيراً -وعلى الرغم من أننا لم نصل لهذه المرحلة بشكل كبير بعد- أن يأتي طلاب المدارس ونشرح لهم ونطلعهم على المرسم؛ لأنني أشعر بأهمية البدء مع الصغار، حتى إذا كبروا ووصلوا إلى مرحلة معينة يصبح بمقدورهم الاطلاع على الأشياء وتذوقها، وليس شرطاً أن يشتروا.
ماهي نصيحتك لكل فنان يفكر في الدخول في مجال الاستثمار الثقافي؟
حقيقة هناك تحديات كبيرة، ولكنني أتعامل مع هذا الأمر كشغف بالنسبة لي، وأضع نصب عيني ضرورة الوصول إلى مرحلة يصبح فيها المكان قادراً على النهوض والاستمرار بمفرده دون أن أحتاج للتواجد فيه، وإذا كبُر هذا المكان -إن شاء الله- فمن الممكن أن نطبق الفكرة في باقي ولايات محافظة مسقط، ومحافظات السلطنة ككل.
إن هذا العمل التجاري صعب جداً؛ لأنك مطالبٌ دائماً بالمرونة، ويجب أن تكون مستعداً باستمرار لإجراء تغييرات مختلفة لأن السوق متقلب جداً بين صعود وهبوط. ولكن إذا كان لديك الشغف حقاً وبإمكانك رؤية خط النهاية (الهدف)، فإن الاتصال عبر الجاليري مع المجتمع أمر جميل.
ومن ناحية كونه استثماراً ثقافياً، فالأمر صعب جداً، ولكن نصيحتي لأي فنان إن الأمر يتطلب منك أن يكون الحلم دائماً أمام عينيك، وتواسي نفسك بأن الصعوبات أمر طبيعي، وحتى لو تعثرت وكنت تعلم أن العمل التجاري لا يسير على النحو المطلوب، إلا أنك تكون مرنا وتتماشى مع الظروف.