نشأ كثير من القادة المنتخبين ديمقراطيًّا في عالم كان يُتوقع منهم فيه أن يكتفوا بدور الحكم في الأسواق، وأن يثقوا بأن شركات بلدانهم ستتفوق. لكن البلدان التي لا يزال قادتها يفكرون بهذه الطريقة باتت الآن تخسر أرضًا أمام البلدان التي تؤدي فيها الحكومات دورًا اقتصاديًّا أكثر استراتيجية.
في أوروبا وحدها، تُفقد آلاف الوظائف كل شهر، مع تفوق الشركات الصينية على منافسيها في الاتحاد الأوروبي في مجالات السيارات الكهربائية، والألواح الشمسية، وتوربينات الرياح، والأدوية والتكنولوجيا الحيوية، وبصورة متزايدة في تقنيات الذكاء الاصطناعي القابلة للتطبيق. وبينما تمثل الصين المثال الأبرز على هذا النهج، فإنها ليست بأي حال البلد الوحيد الذي يستخدم الدعم الحكومي، وحوافز الابتكار، والتدابير الحمائية، والسياسات المالية لاكتساب ميزة تنافسية.
وليس من المستغرب أن يطالب الناخبون في البلدان التي تتعرض فيها الوظائف والصناعات للضغوط، على نحو متزايد، بتغيير المسار. فقد خلص أحدث «مؤشر تصورات الديمقراطية»، الذي شمل استطلاع آراء 94,146 شخصًا في 98 دولة، إلى أن غالبية المشاركين يرون أن «تحسين مستويات المعيشة والرفاه» هو الغرض الأساسي للديمقراطية. ولكي تلبي الديمقراطيات هذا التوقع، فإن في وسعها، بل يتعين عليها، أن تعيد اكتشاف السياسة الصناعية وإحياءها. ويقدم تاريخها هي نفسها، إلى جانب موجة من الدراسات الحديثة، رؤى قيّمة حول الكيفية التي يمكن بها تحقيق ذلك.
تعني السياسة الصناعية التدخل الحكومي المتعمد بهدف تغيير التركيبة القطاعية أو التكنولوجية للاقتصاد. ولتحقيق ذلك، يمكن للحكومات استخدام الحوافز الضريبية، والتعريفات الجمركية، ودعم الصادرات والبحث والتطوير، وبرامج التدريب، والاستثمار في البنية الأساسية، والمناطق الصناعية.
تتطلب السياسة الصناعية الفعّالة من المسؤولين الحكوميين تحليل التدابير والتخطيط لها وتنفيذها بما يسهم في إنشاء صناعات جديدة وتقوية الصناعات القائمة. ومن أبرز النماذج التي تجسد هذا النهج اليوم سنغافورة واليابان وتايوان وكوريا الجنوبية والصين. غير أن الأمثلة الناجحة العديدة للسياسة الصناعية في الديمقراطيات الغربية خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي غالبًا ما يجري تجاهلها. فبعد الحرب العالمية الثانية، استخدمت الحكومة الفرنسية سلسلة من الخطط الاقتصادية الوطنية لتوجيه تدخلاتها، بما في ذلك توجيه الاستثمارات نحو القطاعات ذات الأولوية. وأسهمت هذه السياسات في تحويل فرنسا من اقتصاد ريفي محمي إلى اقتصاد حديث وقادر على المنافسة. كما استخدمت فنلندا أساليب توجيهية لحشد رؤوس الأموال وتوجيهها نحو الصناعات القابلة للتجارة والكثيفة رأس المال، مثل المعادن الأساسية والأسمدة والطاقة والصناعات المرتبطة بها.
وبحلول ثمانينيات القرن الماضي، كانت السياسة الصناعية قد فقدت رواجها في مختلف أنحاء الغرب. وبتأثير فلسفة اقتصادية كانت ترى التدخل الحكومي ضارًا بطبيعته، أقدمت حكومات مثقلة بالديون وتكافح التضخم على خفض استثمارات البحث والتطوير، وتفكيك وزارات التخطيط، وبنوك التنمية الوطنية، والهيئات الحكومية المعنية بالتسويق. ومن خلال ترك كل شيء تقريبًا للسوق، أعفت هذه الحكومات السياسيين والمسؤولين العموميين، بصورة مريحة، من مسؤولية تحديد الاتجاه الاستراتيجي للاقتصاد. وعلى مدى العقود الأربعة التالية، حذا الباحثون الأكاديميون وباحثو السياسات الحذو نفسه، فركزوا بصورة طاغية على إخفاقات السياسة الصناعية.
وفي وقت سابق من هذا العام، أقدم البنك الدولي على تحول لافت في موقفه. ففي دراسة تناولت خطط التنمية الوطنية في 183 دولة، خلص إلى أن جميع هذه الدول اتبعت شكلًا ما من أشكال السياسة الصناعية. وأقرّ كبير الاقتصاديين في البنك، إنديرميت جيل، بأن معارضة البنك للسياسة الصناعية، التي تعود إلى حقبة تسعينيات القرن الماضي، «لم يصمد عليها الزمن»، وأنها لا تتمتع اليوم «بقيمة عملية تزيد على قيمة القرص المرن».
وبدأ الاقتصاديون الأكاديميون أيضًا يشككون في الإجماع الذي ساد لعقود بشأن السياسة الصناعية. فعلى سبيل المثال، ربطت دراسة نُشرت عام 2009 بين النمو السريع الذي شهدته إيطاليا بعد الحرب، والتحول الهيكلي، وارتفاع مستويات المعيشة، وبين استخدامها الائتمان طويل الأجل المدعوم لتحفيز الاستثمار في قطاع التصنيع. وفي الآونة الأخيرة، تناولت ورقة بحثية أعدها ناثان لين، الاقتصادي في كلية لندن للاقتصاد، السياسات الصناعية التي انتهجتها كوريا الجنوبية في سبعينيات القرن الماضي، والتي كان يُنظر إليها يومًا ما باعتبارها إخفاقًا مكلفًا، وخلصت إلى أنها أسهمت في نقل قطاع التصنيع المحلي إلى صناعات أكثر تقدمًا.
يتمثل التحدي الذي يواجه الحكومات اليوم في إنشاء منظومة تتنافس فيها الشركات بقوة على بناء صناعات المستقبل. غير أن تحقيق ذلك أسهل قولًا منه فعلًا. فهو يتطلب من السياسيين استخدام التعريفات الجمركية، وقواعد المشتريات، ومتطلبات المحتوى المحلي، والإعانات للأسباب الصحيحة، أي من أجل تجديد الاقتصاد. لكن السياسة الصناعية تنتهي في كثير من الأحيان إلى التركيز على كسب التأييد السياسي، أو حماية الشركات القائمة، أو تفضيل مناطق ومدن بعينها.
وفي الوقت نفسه، يجب أن يكون المسؤولون العموميون قادرين على أن يقدموا للسياسيين خيارات واضحة وخططًا قابلة للتنفيذ. وينبغي أن يكونوا قريبين بما يكفي من قطاع الأعمال لمعرفة ما تحتاج إليه صناعة معينة كي تزدهر، ومستقلين بما يكفي في الوقت نفسه لرصد الضغوط التي تمارسها جماعات المصالح ومقاومتها، والتصدي لوقوع الجهات التنظيمية تحت نفوذ القطاعات التي يُفترض أن تنظّمها. ويتطلب تحقيق هذا التوازن الاستثمار في التدريب، وضمان أن يطور المسؤولون فهمًا عميقًا لكيفية عمل الشركات والأسواق، وأن يحافظوا على هذا الفهم.
ومع أن استخدام الصين للسياسة الصناعية أفضى إلى نتائج مذهلة، فإن محاكاة تجربتها قد تكون أبعد من متناول الحكومات الديمقراطية التي تفتقر إلى موارد الصين وخبراتها وحجم سوقها. وبدلًا من استنساخ النموذج الصيني بالكامل، ينبغي لهذه الحكومات التركيز على تدابير أكثر تحديدًا. ففي رومانيا، على سبيل المثال، شجعت إعفاءات ضريبة الرواتب الممنوحة لمهندسي الحاسوب المؤهلين مزيدًا من العاملين على الحصول على درجات علمية في هذا المجال، مما ساعد على تحويل البلاد إلى مركز رئيسي لتطوير البرمجيات. أما البرازيل، فسلكت مسارًا مختلفًا، إذ وجّهت البحث العلمي نحو المحاصيل الغذائية الأساسية المحلية والتحديات البيئية الخاصة بكل منطقة، وهو ما مهد الطريق لظهورها قوة زراعية كبرى.
خلال الأشهر القليلة الماضية، سألني عدد من الرؤساء التنفيذيين عما إذا كانت الديمقراطية أبطأ وأكثر تعقيدًا من أن تتمكن من منافسة دول مثل سنغافورة والصين. وكان ردي الأول هو الإشارة إلى أن معظم أفقر 50 دولة في العالم، قياسًا بنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، ليست ديمقراطيات. وفي الواقع، لا تُصنف سوى 12 دولة منها على أنها ديمقراطيات كاملة أو معيبة، وفق «مؤشر الديمقراطية لعام 2024» الصادر عن وحدة الاستخبارات الاقتصادية، في حين أن أكثر من 40 دولة من أغنى 50 دولة في العالم هي دول ديمقراطية.
لكن ذلك لا يشكل سببًا للاطمئنان. فإذا أراد صانعو السياسات وقادة الأعمال المنافسة على صناعات المستقبل، فعليهم أن يتخلصوا من عقود من التفكير المتراخي بشأن دور الحكومة، وأن يبدأوا الاستثمار في المؤسسات والخبرات والانضباط اللازم لتطبيق السياسة الصناعية على نحو صحيح.