هل يعد حب الوطن من الإيمان، بحيث يزيد به الإيمان وينقص، أم هو أمر فطري لا يتعلق بالإيمان؟
حب الوطن في أصله أمر فطري، فالله تعالى فطر النفوس على محبة الأوطان التي نشأت فيها، والحنين إليها، والتعلق بها، ولذلك كان فراق الوطن من أشد ما يمر بالإنسان.
غير أن هذه المحبة الفطرية قد تتحول إلى عبادة يؤجر عليها العبد إذا ارتبطت بمعانٍ شرعية، كأن يحب وطنه لأنه موطن الإسلام، أو لأنه يعينه على طاعة الله، أو يحرص على أمنه واستقراره وصلاحه، ويسعى في خدمته ابتغاء مرضاة الله تعالى، فحينئذ تكون هذه الأعمال داخلة في باب الطاعات بحسب النية والمقصد، أما مجرد الميل الفطري إلى الوطن فليس هو في ذاته من شعب الإيمان، وإنما هو من الأمور التي جبلت النفوس عليها.
ومعنى أن يكون هذا الأمر فطرياً حتى تكون المصطلحات واضحة، فالأصل في الأمر إذا كان فطرياً، أي مما فطر الله تبارك وتعالى الناس عليه، أي الجبلة التي أوجدهم عليها، فمقتضى هذه الجبلة، من نحو حب الأبوين، على سبيل المثال، هذا فطرة في المولود أن يحب والديه، وهذا هو المقصود، هناك أعمال هي في خلق هذا الإنسان، وجدت فطرة فيه، أي أن الله تعالى جبله عليها، هذه هي الفطرة بمعناها البسيط.
أما علاقتها بالإيمان فلأن الله تبارك وتعالى أوجد هذا الإنسان وقد فطره على الإيمان، هذا يؤخذ من أحاديث، من جملة أدلة من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأشهر ما يستشهد به من حديث واضح صريح هو حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»، فالمقصود بأن المولود يولد وفطرته سليمة سوية، أي أن يكون موحداً لله تبارك وتعالى، وأن يدرك أن هذا الخالق موصوف بصفات الكمال والجلال، وله القدرة المطلقة والإرادة الكاملة.
وأنه هو مخلوق لهذا الخالق، وأن الكون من حوله إنما هو من خلق هذا الخالق، لنضرب مثالاً: فطرة المعادن أنها تتمدد بالحرارة وتنكمش بالبرودة، هذه فطرة فيها، لأن الله تبارك وتعالى جبلها على هذه الخصائص، ركب فيها هذه الخصائص، كذلك هذا الإنسان، ركب الله عز وجل فيه جبلة الإيمان به تبارك وتعالى، وإدراك أن له خالقاً، وأن هذا الخالق موصوف بصفات الكمال المطلق، وأن الكون من حوله أيضاً من صنع هذا الخالق.
وهذه الفطرة إما أن تعزز بالأدلة النقلية والعقلية، فتنسجم هذه الأدلة مع الأدلة الفطرية، فتستقيم حياة هذا الإنسان لتكامل هذه الأدلة والبراهين عنده، وإما أن يطرأ على هذه الفطرة ما ينكد عليها ويشوهها، إما من تشويه في الأدلة السمعية أو انحراف في الأدلة العقلية والاستنتاج العقلي.
وهذا أيضاً مما خلقه الله تبارك وتعالى في بني آدم حينما أشهدهم وهم ذرية في ظهر آدم عليه السلام، فأشهدهم الله تبارك وتعالى، أي أشهد ذرية بني آدم، ولذلك قيل: الذرية هي من الذر، أي أنهم كانوا في عالم الغيب ذراً، فأشهدهم على ربوبيته سبحانه وتعالى، وبين أن المقصود من ذلك حتى لا يحتجوا عليه فيما تقوم فيه الحجة بالفطرة والعقل، أنهم لم يأتهم ما يبين لهم وما يحتجون به أو ما يهديهم إلى هذه الحقائق الإيمانية التي تقوم بالفطرة والأدلة العقلية السوية، هذا هو المقصود.
ومن حيث الوطن، فبنو آدم مفطورون على حب الأرض التي نشؤوا فيها وترعرعوا فيها، وأكلوا من خيراتها، وقضوا فيها طفولتهم، وتعرفوا فيها على أترابهم، فيشعرون بالانتماء، ويشعرون بصلة بينهم وبين تلك الأرض، وهو معنى الجانب الفطري، في الإيمان تعززه بعد ذلك أدلة شرعية، نحن نجد أن ربنا تبارك وتعالى جعل من عقوبات بني إسرائيل الإخراج من الأرض، وجعلها بإزاء قوله: «أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم»، فجعلها في قرن مع قتل الأنفس أو الإخراج من الديار.
وعاتبهم على أنهم في بعض القضايا من العقوبات يخرجون فريقاً منهم من ديارهم، ويسكتون عن ذلك في مواضع أخرى، لأن الإخراج من الوطن فيه نوع عقوبة، لما يورثه من صعوبة وتكلف لدى هذا الإنسان.
فالشعور بالغربة، وبالبعد عن الوطن، والتهجير عنه، يجعل الإنسان كأنه مبتوت عن جذوره وأصوله التي ينتمي إليها.
هذا المعنى، كما قلت، ملحوظ في الأدلة الشرعية، ولذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كان يحب مكة المكرمة، ولما اضطره قومه إلى الخروج منها، التفت إليها بقلب حزين منكسر، ويقول: «والله إنك لأحب البلاد إلي، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت».
ثم لما استوطن هو عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم المدينة المنورة، فإن طائفة منهم في أول الأمر استوخموا المدينة، وتاقت نفوسهم شوقاً إلى مكة، لأنها مرابع طفولتهم، وهي المعاهد التي نشؤوا فيها وارتبطوا بها، فدعا لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ودعا أن تحول حماها إلى خارجها.
وهذا أيضاً فيه دليل على أن للوطن، وللأرض التي يعيش فيها هذا الإنسان ويحيا، حقوقاً عليه، ولذلك نجد في دعاء إبراهيم عليه السلام، وهذا الدعاء ورد مرتين، قال: «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ»، لأن أمان الأوطان سبب للإعانة على توحيد الله عز وجل وعبادته.
هذا المعنى ملحوظ في دعاء إبراهيم عليه السلام، بل هو صريح في بيان أنه توجه إلى ربه تبارك وتعالى بأن يكتب الأمن لتلك الأرض، لمكة المكرمة، التي أمره ربه تبارك وتعالى أن يهاجر إليها، وأن يترك فيها ولده إسماعيل وهو رضيع مع أمه في واد غير ذي زرع.
فأول ما دعا إبراهيم عليه السلام دعا: «اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا» ثم كرر الدعاء لما صار ذلك الموضع بلداً، قال: «اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ» وفي الآية: «وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ» أيضاً، كذلك نجد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذا كان في سفر لغزو أو غيره، ثم رجع إلى المدينة المنورة، فإنه إذا اقترب من المدينة يحث راحلته، أي يحث ناقته، لأجل أن تصل إلى المدينة المنورة.
وارتبط حتى بأحد، وقال: «هذا أحد جبل يحبنا ونحبه»، مع أن الذكرى التي كانت في أحد كانت ذكرى مؤلمة، فهذه أدلة شرعية يؤخذ منها ما للوطن من حقوق على المكلف، وإن كان هذا الشرع قد جاء بمفهوم الأمة، لكن ليس هناك تعارض بين أن يكون المسلم فرداً في أمة لها دينها وملتها وشعارها ومناسكها ومنهاجها، وهي خير أمة بنص كتاب الله عز وجل حين قال ربنا: «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ»، لكن هذا لا يعني نفي الارتباط بالوطن إيمانياً، وأداء حقوق الوطن.
نجد فيما قصه لنا ربنا تبارك وتعالى من دعاء الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام أنهم كانوا يخاطبون أقوامهم: «يا قوم»، يذكرونهم بالأصرة التي تجمعهم بهم، وينظرون في وجوه الخلل والفساد المنتشرة، ما من نبي أو رسول إلا وسعى إلى إصلاح المجتمع الذي هو فيه، إلى إصلاح بني قومه، وإلى نهيهم عن المنكرات التي تنتشر فيهم.
فكانوا يشخصون الأدواء والعلل، فما كانت دعوتهم دعوة إيمانية مجردة عن الالتفات إلى ما يصلح أحوال الناس، وما يصلح معايشهم، وما ينفي عنهم وجوه المنكرات والفساد، وما يورثهم طمأنينة وأماناً يمكنهم من توحيد الله عز وجل وعبادته، والموضوع ذو شجون، موضوع طويل، وإنما بحسب ما سألتم، والله تعالى الموفق.
ما التوجيه الشرعي في تأثير التضخم المالي على القروض الحسنة؟ فعند إقراض مبلغ كريال مثلاً لمدة سنة، تنخفض قيمته الشرائية عند السداد بشكل ملحوظ بسبب التضخم، رغم ثبات قيمته الاسمية، مما قد يوقع ضرراً على المقرض، فهل يرد القرض بقيمته الاسمية أم الشرائية؟ وما حكم ربط سداد القروض بمعدل التضخم لضمان حق المقرض؟
لا يصح في عموم الأحوال أن يربط سداد القروض بالقوة الشرائية، لأن النقود من المثليات، والمقصود بالمثليات أي أنها متماثلة، فالمثليات ترد بمثلها لا بقيمتها، وهذا هو الذي جعلها نقوداً، أثماناً للسلع والخدمات، تقضى بها حقوق الناس، وتؤدى بها الديات، وتدفع بها المهور، وتشترى بها السلع، وتشترى بها أيضاً الخدمات المتنوعة، وتؤدى بها الزكاة، وتتداول في التجارة أموالاً وغنى.
فهي قوام الحياة، كما قال ربنا تبارك وتعالى في شأن المال: «وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا»، وفي عموم الأحوال لا التفات إلى ما يتعلق بنسبة التضخم في التأثير على القروض، أو أي نوع من أنواع التمويل الذي يجب أن يرد بالنقود، بالمثليات.
والتضخم هو انخفاض القوة الشرائية لعملة ما، ويحسب التضخم بحساب سلة من السلع والخدمات التي يحتاجها الناس، تطول أو تقصر، تكثر أو تقل هذه السلع، فينظر في تفاوت أسعارها بتلك العملة التي تشترى بها من شهر إلى شهر، هذا هو الأصل فيها.
فتختلف نسبة التضخم، بعيداً عما يتعلق بالقوة الشرائية، باختلاف السلع والمواد التي تضمن في قائمة حساب التضخم، ولذلك فإن بعض البلدان تجتنب بعض السلع التي تتفاوت أسعارها كثيراً، كأسعار الطاقة على سبيل المثال، فحينما تتفاوت أسعار الطاقة عندهم فإنهم يخرجونها من سلة حساب التضخم حتى تبقى نسب التضخم منخفضة.
وبعض المجتمعات، وبعض الدول، تخرج المواد الغذائية التي ترتفع أسعارها أيضاً، حتى لا تدخل في التأثير بشكل مباشر في نسب التضخم، إذًا هذا يعني أنه يمكن التحكم في التضخم، ثم إنه لا يلزم من ذلك أن يكون التضخم دائماً بالازدياد، قد يكون بالانخفاض، فهل يعني هذا أيضاً أن الرد سيكون بأعلى مما أخذ المقترض؟ هذا غير مطرد.
فالأصل في العملات أن تكون مستقرة، أن تكون ثابتة، تشترى بها السلع، وتقوم بها، وتثمن بها الخدمات، والمنافع، والأعيان التي يتملكها الناس ويحتاجون إليها، وإنما هناك حالات استثنائية ناقشها الفقهاء، وهي حالات الجوائح التي تنهار فيها العملات بسبب حروب، أو بسبب كوارث معينة، فتنهار انهياراً كبيراً، هنا يمكن أن ينظر ولي الأمر في ضبط هذه الجوائح، وإقرار ميزان عادل لحفظ حقوق الناس.
لأن هذه الجوائح لم يتسبب فيها الإنسان، وإنما هي من الجوائح الطبيعية، ويعاني منها الجميع، يعاني منها الدائنون والمدينون، ويعاني منها أصحاب الحقوق ومن عليهم الحقوق، ولذلك فإن فقه الجوائح مرده إلى معرفة نسبة الانخفاض، وما هي الإجراءات المتبعة، كما قلت، هذه حالات استثنائية ناقشها الفقهاء، وراعوها، وجعلوا لها موازين عادلة لضبط حقوق الناس.
على أنه في كل الأحوال، فإن الذي يقترض قرضاً حسناً هو مأمور بحسن القضاء، فديننا بحمد الله تبارك وتعالى دين يدعو إلى أداء الحقوق، والزيادة عليها، ويدعو إلى حسن القضاء، وكما يدعو أيضاً إلى الإنظار للمعسر، فإنه يدعو إلى أن يؤدي هذا الذي عليه الحق دون مماطلة، وأن يؤدي بحسن قضاء، دون أن يكون هناك تشارط.
فحسن القضاء من الآداب التي يدعو إليها هذا الدين، لكن على أن لا يكون هناك تشارط، ولا تعارف، يعني لا تشارط صريح، ولا اشتراط ضمني، فهذه من الأخلاق التي ينبغي للمسلم أن يراعيها حين يؤدي إلى من أعانه وقت شدته وحاجته حقه، فليوفه حقه، وليزده، لا مانع من ذلك، والله تعالى أعلم.
في هذا العصر نوقشت قضية الخلق والإيجاد في سياق الصراع بين الإيمان والإلحاد، وظهرت نظريات، من أشهرها ما يسمى بـ«الضبط الدقيق للكون» فهل ترون أنه أصبح من الضروري الاستفادة من هذه المعارف في دروس العقيدة والمحاضرات التي تربط الإنسان بالله سبحانه وتعالى؟
ما يتعلق بغاية الإبداع في خلق الله تبارك وتعالى، في الإنسان وفي الكون، هو من الحجج الواضحة والبراهين البينة على وحدانية الله تبارك وتعالى وقدرته المطلقة، ولذلك ينبغي للمسلم اليوم أن يستعين بما وصل إليه العلم في هذا الشأن، ولا سيما في خضم الحوار أو الصراع بين الإيمان والكفر.
ولا شك أن ما يعرف بحقائق الضبط الدقيق للكون يبعث على العجب؛ فإن انتظام حركة الأجرام السماوية، والقوانين والمعادلات الرياضية التي اكتشفها الإنسان، وما فيها من دقة متناهية، يدل على نظام بالغ الإحكام، حتى إن تغير شيء يسير جدًا في هذه القوانين قد يؤدي إلى استحالة وجود الحياة.
غير أن توظيف هذا الخطاب ينبغي أن يكون على يد من يحسنه؛ لأن الاعتراضات التي تثار حوله ليست باليسيرة، فهناك من يثير أسئلة تتعلق بالكوارث الطبيعية، أو بما يقع في الكون من أحداث، ويحاول أن يجعلها مدخلًا للتشكيك في هذا الاستدلال، ولهذا فإن من يخوض في مثل هذه المناظرات والمحاورات لا بد أن يكون متسلحًا بعلم راسخ، وأن يعرف ما يثار حول هذه المسائل من أسئلة وشبهات، وكيفية الجواب عنها، وإلا فقد تكون النتيجة عكسية.
فالباب واسع، وإذا تأمل الإنسان في خلايا جسمه وجد من عجائب الخلق ما يدهش العقول، وإذا نظر إلى الأجرام السماوية، وإلى دقة نظامها، وإحكام قوانينها، أدرك أن لهذا الكون خالقًا، وأن هذا الخالق متصف بصفات الكمال والقدرة المطلقة، وأنه المهيمن على الكون كله، لكن الاستشهاد بالأمثلة العلمية التفصيلية يحتاج إلى علم راسخ، ومعرفة دقيقة، وقدرة على دفع الشبهات والاعتراضات، حتى يكون الخطاب قائمًا على الحجة والبرهان.