متابعة - ماجد الندابي -
أكد الدكتور يوسف بن إبراهيم السرحني أن استحضار سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم والاحتفاء بذكراه ينبغي أن ينعكس على واقع حياة المسلمين، خصوصا داخل الأسرة، داعيا إلى التأسي بالبيت النبوي في علاقاته القائمة على الرحمة والمودة والتفاهم وحسن العشرة.
جاء ذلك في محاضرة بعنوان «البيت النبوي» ألقاها الدكتور يوسف بن إبراهيم السرحني ضمن درس سمائل المركزي، في سياق الاحتفاء بذكرى المولد النبوي الشريف واستحضار جوانب من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، مع التركيز على حياته داخل بيته وعلاقته بأزواجه وذريته.
وقال السرحني: إن الاحتفاء بذكريات الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي مقدمتها ذكرى مولده، يعبر عن محبة المسلمين له، مؤكدا أن محبة النبي عليه الصلاة والسلام من الإيمان، وأن هذه المحبة ينبغي أن تظهر في اتباع هديه والاقتداء بسيرته في واقع الحياة، وأوضح أن الهدي النبوي يبدأ من الإنسان نفسه، ثم أسرته ومجتمعه، ويمتد إلى الأمة والإنسانية، باعتبار أن الإسلام رسالة للناس جميعا، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث للناس كافة، ورحمة للعالمين.
وانتقل المحاضر إلى موضوع «البيت النبوي»، موضحا أن المقصود بالبيت ليس البناء والمكان، وإنما الإنسان الذي يسكن فيه والعلاقات التي تنشأ بين أفراده، وقال: إن حقيقة البيوت لا تقاس باتساع مبانيها، فقد تكون هناك بيوت واسعة وكبيرة لكنها ضيقة على أهلها، بينما توجد بيوت صغيرة متواضعة يشعر أهلها فيها بالسعة والراحة، لأن حياة البيت تتشكل من حياة سكانه وطبيعة علاقاتهم، ووصف السرحني البيت النبوي بأنه بيت مطهر ومبارك، وبيت القدوة والأسوة والاقتداء، اجتمع تحت سقفه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه وذريته، مشيرا إلى أن الحديث عن هذا البيت لا يزيده تشريفا، وإنما يمنح المتحدثين عنه فرصة للتعلم والاقتداء والانتفاع بما حمله من قيم.
واستشهد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، متسائلا عن موقع هذا التوجيه في حياة المسلمين داخل بيوتهم، وعن مدى تطبيقه في علاقة الأزواج بأزواجهم، والآباء بأبنائهم، وأشار إلى ما نقلته السيدة عائشة رضي الله عنها عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، إذ كان في خدمة أهله ويقوم بمهنة أهله، ويحدثهم ويحدثونه برحابة صدر ولسان طلق، ثم إذا سمع النداء إلى الصلاة خرج إليها، كما كان صلى الله عليه وسلم يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويحلب شاته، في صورة عملية لما ينبغي أن تكون عليه علاقة الإنسان بأسرته.
وتناول السرحني جانبا من علاقة النبي صلى الله عليه وسلم بأبنائه وذريته، موضحا أنه كان رحيما بهم، يتلطف معهم ويقبلهم ويحتضنهم، ويجعل نفسه موضعا للعبهم وركوبهم، واستشهد بقصة الأقرع بن حابس حين رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الحسن أو الحسين، فقال إن له عشرة من الولد ما قبل منهم أحدا، فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم: «ماذا أفعل وقد نزعت الرحمة من قلبك؟».
وأكد أن هذه المواقف تقدم صورة واضحة عن مكانة الرحمة في البيت النبوي، وأن المسلم مطالب بأن يسأل نفسه عن حاله مع أقرب الناس إليه، وعن طبيعة علاقته بزوجته وأبنائه وأحفاده، وفرق المحاضر بين «العيش في البيت» و«التعايش في البيت»، موضحا أن العيش يعني وجود أفراد الأسرة تحت سقف واحد، بينما التعايش يتطلب التفاعل والتعاون والتفاهم والقدرة على تحمل الآخر، وأشار إلى أن بعض الأسر قد تعيش في المكان نفسه، وتتناول الطعام ذاته، لكنها لا تتعايش بسبب غياب الحوار والتفاهم، وربما بسبب عدم قدرة بعض أفرادها على تحمل بعضهم بعضا، ودعا إلى الجمع بين العيش والتعايش، بحيث يشعر أفراد الأسرة بالرحمة والشفقة والمودة، مؤكدا أن الأسرة تبدأ من الزوجين، وأن طبيعة العلاقة بينهما تنعكس على الأبناء، فإذا نشأ الأبناء في بيئة يسودها الانسجام والاحترام والتفاهم والتراحم، حملوا هذه القيم معهم عندما يؤسسون أسرهم مستقبلا.
وتوقف السرحني عند علاقة النبي صلى الله عليه وسلم بأزواجه، موضحا أنه كان يستشيرهن، ويعينهن في البيت، ويشعرهن بقيمتهن، ويدخل السرور إلى نفوسهن، وقال إن هذا الجانب من السيرة النبوية يمثل نموذجا للعلاقة الزوجية التي تقوم على المشاركة والتقدير وحسن العشرة، وأشار إلى أن بعض الأزواج قد يتحول حضورهم في البيت إلى مصدر توتر لأفراد الأسرة، فلا يرى الواحد منهم إلا الهفوات والأخطاء، ولا يسأل عن أبنائه أو يجلس معهم، وربما لا يتمنى الأبناء حضوره، ورأى أن هذه الصورة تطرح سؤالا حول طبيعة ارتباط الأبناء بآبائهم وأمهاتهم، مؤكدا أن الحقوق والواجبات متبادلة بين الزوجين، وأن الرجل باعتباره رب الأسرة وصاحب القوامة يتحمل مسؤولية كبيرة في هذا الجانب.
وشدد على أن الحياة الزوجية لا تعني غياب الخلافات وسوء الفهم، فالكمال ليس من طبيعة البشر، وإنما المطلوب ألا تتحول الخلافات العابرة إلى حالة مستمرة تترك آثارا سلبية في الأسرة، وأشار إلى أن الشريعة وضعت وسائل لمعالجة الخلافات الزوجية، ما يؤكد أن وقوع الكدر أمر يمكن أن يحدث، لكن الحكمة تكمن في معالجته وعدم السماح له بالاستقرار داخل البيت.
وفي الجانب المالي تناول المحاضر مسؤولية الزوج في النفقة على أسرته، مؤكدا أن النفقة الشرعية واجبة على الزوج، حتى لو كانت الزوجة تعمل أو كانت ميسورة، وأن مساهمة الزوجة في نفقات الأسرة، إن حصلت، تكون من باب التعاون وحسن العشرة، ولا تنقل مسؤولية النفقة الأصلية عن الزوج، ودعا الأزواج إلى عدم التضييق على أسرهم في الإنفاق مع القدرة، مشيرا إلى أن المال وسيلة للانتفاع في الحياة، وأن الإنسان لا يصطحبه معه إلى قبره، واستشهد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده»، داعيا إلى الانتفاع بالمال في حدود الشرع، وإظهار أثر النعمة على الأسرة دون إسراف.
كما دعا الزوجات إلى مراعاة أحوال أزواجهن وعدم تكليفهم ما لا يستطيعون، محذرا من المقارنات التي تجعل بعض الأسر تطالب بما لدى الآخرين من مقتنيات أو مستويات معيشية دون النظر إلى القدرة المالية، وأكد أن الأسرة مطالبة بأن تعيش في حدود إمكاناتها، وأن يراعي الزوجان ظروف بعضهما بعضا، وأشار إلى أن الأولاد والأزواج أمانة، وأن المسؤولية داخل الأسرة مشتركة بين الأب والأم، مستشهدا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، ودعا إلى التعاون بين الزوجين في أداء هذه المسؤولية، بحيث يسهم كل طرف في توفير البيئة المناسبة لنشأة الأبناء.
وفي هذا السياق، دعا إلى اعتماد مبدأ النظر إلى من هو أقل في أمور الدنيا، حتى يشعر الإنسان بنعمة الله عليه ويحمده عليها، بينما ينظر في أمور الدين إلى من هو أعلى منه، رغبة في الاقتداء والارتقاء، مستشهدا بقوله تعالى: «وفي ذلك فليتنافس المتنافسون».