ثلاثون عامًا في الوظيفة ليست رقمًا قليلًا في عمر الإنسان. إنها عمر كامل تقريبًا من الحضور اليومي، والتجربة، والترقي، وتراكم الخبرة، وبناء المكانة والاستقرار. ومن حق من أمضى هذه السنوات أن يُشكر ويُكرم، وأن يغادر موقعه الوظيفي بما يحفظ له كرامته وحقوقه.


لكن السؤال الذي ينبغي ألا نخشى طرحه: ماذا عن الذين لم يدخلوا من الباب أصلًا؟ هناك شباب وشابات أمضوا أجمل سنوات أعمارهم بين مقاعد الدراسة وقاعات الجامعات، ثم خرجوا بشهاداتهم إلى سوق عمل ضاقت أبوابه. بعضهم لم يعد يسأل عن الوظيفة التي تناسب تخصصه، بل عن أي وظيفة تمنحه بداية حياة.


نطلب من الشاب أن يتعلم، فيتعلم. أن يجتهد، فيجتهد. أن يتخصص، فيتخصص. ثم حين يحمل شهادته ويطرق الباب، نقول له: انتظر.
وتمر سنة، ثم أخرى، ثم ثالثة.


والانتظار في هذه المرحلة من العمر ليس وقتًا فارغًا يمكن تعويضه. خلفه زواج يتأخر، وبيت لا يُبنى، وأسرة تقلق، وأب أنفق ما استطاع على تعليم ابنه، وأم تنتظر اليوم الذي ترى فيه ابنتها وقد بدأت حياتها التي تعبت من أجلها. فالبطالة ليست غياب وظيفة فحسب؛ إنها أحيانًا تعطيل لمرحلة كاملة من عمر الإنسان.


لهذا أجد أن فكرة إحالة من أكمل ثلاثين عامًا من الخدمة إلى التقاعد تستحق دراسة جادة، لا أن تُرفض منذ البداية بحجة الخبرة، ولا أن تُقبل بحماسة دون حساب آثارها.


فليس المطلوب أن نقول لصاحب الثلاثين عامًا: انتهى دورك. المطلوب أن نسأل: هل من الحكمة أن تبقى بعض المواقع مشغولة سنوات إضافية، بينما تقف خلفها أجيال تنتظر فرصة البداية؟ الخبرة مهمة، ولكن الخبرة التي لا تُنقل تبقى محصورة في صاحبها. وكان الأجدى أن يكون لدينا مسار واضح لنقلها قبل التقاعد؛ يدخل الشاب إلى المؤسسة، يعمل إلى جوار صاحب التجربة، يتعلم منه، ثم يتسلم المسؤولية حين يحين الوقت.


ومن المفارقات أننا لا نوظف الشاب أحيانًا لأنه لا يملك الخبرة، ونبقي صاحب الخبرة لأننا نخشى فقدانها.

فمتى يكتسب القادم خبرته إذن؟ ثم إن دخول الشباب إلى سوق العمل ليس شأنًا اجتماعيًا فحسب؛ فكل فرصة عمل جديدة تعني قدرة شرائية جديدة، وأسرة قد تبدأ، والتزامات تتحرك، وحياة اقتصادية تتسع. ومن هنا فإن النظر إلى الإحلال الوظيفي ينبغي ألا يقتصر على كلفة التقاعد وحدها، بل أن يشمل كذلك العائد الاقتصادي والاجتماعي من تشغيل جيل ينتظر.


ولا أزعم أن التقاعد بعد ثلاثين عامًا عصًا سحرية تحل قضية الباحثين عن عمل؛ فهناك حسابات مالية، وتخصصات نادرة، وقطاعات تحتاج إلى خبرات معينة. لكن ذلك لا يمنع من دراسة الفكرة بالأرقام: كم موظفًا أكمل ثلاثين عامًا؟ وكم وظيفة يمكن إحلال باحثين عن عمل فيها؟ وما أثر ذلك اقتصاديًا واجتماعيًا؟ لسنا أمام معركة بين جيلين. من خدم ثلاثين عامًا يستحق الوفاء والتكريم، ومن انتظر سنوات يستحق الإنصاف والفرصة. وحكمة الإدارة أن تحفظ للأول قدره، دون أن تجعل انتظار الثاني مفتوحًا بلا أفق.


ومن حق من أدى رسالته أن يغادر مرفوع الرأس، ومن حق من طال وقوفه خلف الباب أن يسمع، ولو مرة: تفضل.. لقد جاء دورك.