أيام قلائل تفصلنا عن بداية العام الدراسي الجديد بعد عطلة صيفية مُددت للطلبة ليس كما تداوله البعض بسبب التنشيط السياحي للمهرجات المقامة في بعض المحافظات، ولكن هناك أسبابا جوهرية منها: التعديلات التي أجرتها وزارة التعليم في تجديد وتعديل حالة المدارس، وتحويل البعض منها لتكون للصفوف العليا مما ترتب عليه إعادة النظر في مواعيد بداية العام الدراسي للطلبة والمعلمين، وتعديل مواعيد أغلب الخدمات المتصلة بالخدمات التعليمية.

تعمل وزارة التعليم جاهدة نحو تجديد بيئة التعليم المدرسي تزامنا مع الدمج الهيكلي للتعليم بجعلها في وزارة واحدة.

ذلك الدمج لا ينظر إليه فقط من جانب تقليص الهياكل التنظيمية أو تقليص النفقات العامة، ولكن تكمن أهميته في أن السياسات التعليمية ينبغي النظر إليها من جانب شمولي لدعم جوانب التجديد والتطوير؛ بحيث تأخذ في عين الاعتبار الصفوف الأولى للتعليم المدرسي، وحتى مراحل التعليم العالي بأنواعه كافة.

أيضا ذلك الدمج يعمل على سد الفجوات، وإيجاد حلول مستدامة لمسارات التعليم المختلفة، وتبسيط وتسريع اتخاذ القرارات الحكومية، وهذا قد يتحقق بشكل أفضل عندما يكون التعليم تشرف عليه جهة حكومية واحدة.

شهدت سلطنة عُمان تنمية متسارعة في قطاع التعليم المدرسي خلال العقود الماضية ما أدى إلى ارتفاع أعداد الطلبة، لتصل إلى (850) ألف طالب وطالبة موزعين على أكثر من (1300) مدرسة.

هذا التوسع أدى إلى زيادة السعة الصفية الطلابية في بعض المحافظات ما رافقه تأثير سلبي على التحصيل الدراسي الأمر الذي أدى ببعض الطلبة من التوجه إلى الدروس الخصوصية للحاجة إلى فهم الدروس التي لم يستطيعوا فهمها أثناء اليوم الدراسي.

ولم يعد اللجوء للدروس الخصوصية مقتصرا على طلبة الصفوف العليا، والذين يحدوهم الأمل في الحصول على درجات عالية في شهادة الدبلوم العام، بل أصبحت هناك شريحة تلجأ للدروس الخصوصية في الصفوف الدنيا من التعليم الأساسي.

ومما يؤسف له أن تجد بعض المعلمين سواء من العمانيين أو الوافدين بعد الانتهاء من أعمالهم اليومية يتنقلون بين البيوت لتقديم خدماتهم للطلبة الذين لم يستطيعوا فهم نفس المادة العلمية أثناء اليوم الدراسي، ولكن نظير مبالغ مالية ليست قليلة.

وقد تكون الخشية من المعلمين الذين يلجأون إلى خدمة التوصيل المنزلي للدروس الخصوصية أن يكونوا قد أخلوا بعملهم في اليوم الدراسي.

في المقابل وإن كانت الدروس الخصوصية منتشرة في أغلب الولايات إلا أن هناك من المعلمين الذي يرفضون هذا النوع من التجارة المستترة في التعليم.

ولعل التجديد الذي طرأ حديثا في وزارة التعليم هو إيجاد سلم وظيفي جديد بمسمى «معلمة مساعدة صف تهيئة» هذه الوظيفة قد تكون باكورة تطبيق التعليم المبكر بالمدارس الحكومية، والذي جاء ضمن قانون التعليم الأساسي.

كما أن تطبيق هذا المسار من التعليم في المدارس الحكومية يؤطر نحو التوسع في دخول الطلبة لمرحلة التعليم المبكرة، الأمر الذي له جوانب إيجابية في تنشئة التلاميذ وتعويدهم على البيئة المدرسية في مراحل الروضة والتمهيدي، كما أنه يسهم في تعزيز مهارات الكلام والنطق في سن مبكرة قبل انتقالهم للتعليم الأساسي.

ومما تجد الإشارة إليه أن شروط شغل وظيفة «معلمة مساعدة صف تهيئة» كما هو متداول لم يحدد من ضمن شروط شغلها الحصول على شهادة البكالوريوس، وإنما رُكز على شهادات دبلوم التعليم العام مع خبرات في رياض الأطفال وخبرات أخرى.

أما في تعيين معلمي التعليم المبكر فهناك اختلاف بين الدول في تحديد الحد الأدنى من الشهادات العلمية والخبرات مع توجه غالبية الدول إلى قبول شهادات الدبلوم مع الخبرة التخصصية؛ نظرا لأن مرحلة الطفولة المبكرة تحتاج إلى مؤهلات مهنية؛ لكي يستطيع من يشغلها التعامل مع الأنماط المختلفة من التلاميذ.

في الجانب الآخر؛ قبل سنوات كان هناك برنامج أكاديمي في جامعة السلطان قابوس يعمل على إعداد معلمات طفل ما قبل المدرسة ذلك البرنامج اُستبدل بمسمى آخر، وهو «التربية المبكرة»؛ لكي يتناسب البرنامج مع مختلف أعمار الطفولة المبكرة.

التعليم المبكر يحتاج إلى استراتيجية تربوية لتطبيقه بالمقصد ليس إعطاء التلاميذ معلومات كثيرة من العلوم المختلفة، أو إتقان القراءة والكتابة في سن مبكرة، ولكنها مرحلة مفصلية يجب أن تكون الأهداف الرئيسة منها الوصول إلى أساليب مبتكرة تعمل على تشجيع التلاميذ؛ ليكون التعليم هو شغفهم، وأن تكون المدرسة هي بيتهم الثاني، وأن تُغرس مفاهيم بناء علاقات زمالة بين التلاميذ بعضهم البعض. كما أن بيئة التعليم المبكرة يفترض أن تكون بنمط التعليم بالمرح واللعب أكثر من الاهتمام في تحقيق أهداف تعليمية سوف يتعلمها الطلبة في مراحل التعليم اللاحقة.

كما أثبتت الدراسات العلمية أن هناك مردودا اقتصاديا نظير الاستثمار في برامج التعليم المبكرة يقدر بنحو ثلاثة عشر دولارا لكل دولار يستثمر في التعليم المبكر بالإضافة إلى فوائد مجتمعية كثيرة منها استطاعة الوالدين المشاركة في سوق العمل كما أنه يُسهم في تقدم التلاميذ دراسيا في المراحل اللاحقة، ويقلل من نسب الفشل الدراسي المبكر.

في المقابل؛ فإن وزارة التعليم مستمرة في الاستجابة للمطالب الاجتماعية بخصوص تقليص حجم الحقيبة المدرسية، ولعل أبرزها ما صدر حديثا في تقليل عدد الدفاتر التي يحملها الطلبة في حقيبتهم، والتي تم الحد منها حسب المراحل الدراسية.

تلك الخطوة لاقت استحسانا من شرائح المجتمع مع أن البعض منهم شكك في دقة التطبيق لمثل هذه المبادرات.

كما أن هناك الكثير من جوانب التجديد في البيئة التعليمية وردت بعضها في اللائحة التنفيذية لقانون التعليم المدرسي، والتي لم تر النور حتى تاريخه على الرغم من صدور القانون قبل ما يزيد على ثلاثة أعوام.

القانون تضمن ما يزيد على أربعين مادة يحتاج لتطبيقها الرجوع إلى اللائحة التنفيذية، والتي ينبغي الإسراع في إصدارها؛ لضمان تجديد وتطوير كل ما يتصل بالعملية التعليمية.

أيضا كان هناك تجديد قبل فترة من الزمن في مسارات التعليم المدرسي، وذلك بإدخال دبلوم التعليم المهني والتقني ضمن مسارات التعليم العام. هذا المسار يأتي متوافقا مع المعمول به في بعض الدول، وذلك بتدريس الطلاب التخصص أو المجال الذي سوف يستكملون معه مسارهم التعليمي العالي.

ولكن ذلك التجديد يواجه تحديات بعدم استطاعة بعض من مخرجات دبلوم التعليم المهني والتقني من استكمال دراستهم الجامعية؛ حيث إنهم لم يختاروا، أو قد يكونوا لم يحصلوا على دعم إرشادي قبل دخولهم في مرحلة التعليم التقني والمنهي بضرورة اختيار مادة الرياضيات المتقدمة، والتي تعتبر من شروط القبول التي تؤهلهم من الحصول على فرص دراسية في مؤسسات التعليم العالي في التخصصات الهندسية.

مهما كانت الأسباب في حدوث فجوة بين مخرجات دبلوم التعليم التقني والمهني ومتطلبات بعض البرامج الأكاديمية فهذا يدل على ضعف تكامل سياسات التعليم التي لم تتغير منذ ما يزيد على خمسة وثلاثين عاما؛ حيث واجه طلاب معاهد التدريب المهني نفس الإشكالية في ذلك الوقت.

وبالتالي؛ لعل الدمج الهيكلي لقطاع التعليم بتوحيد التعليم المدرسي والعالي تحت مظلة وزارة واحدة سوف يعمل على استمرار وتيرة التجديد والتطوير في قطاع التعليم؛ بحيث يُنظر إلى التعليم بشكل شمولي من الصفوف الأولى حتى مراحل التعليم العالي.