كان الارتفاع الحاد الذي طرأ على عوائد السندات في اقتصادات رئيسة مثل: الولايات المتحدة، واليابان، وألمانيا، والمملكة المتحدة، وفرنسا سببا في إثارة مخاوف جديدة بشأن المخاطر المالية والنقدية التي تنتظرنا.

تذهب وجهة نظر شائعة إلى أن «انهيار» سوق السندات على هذا النحو قد ينذر بارتباكات شديدة تؤثر على النمو الاقتصادي فضلا عن خسائر موجعة في أسواق الأسهم الأميركية والعالمية.

ولكن برغم أن عوائد السندات ارتفعت حقا إلى مستويات غير مشهودة منذ ما يقرب من عقدين من الزمن، فإن العلاقة بين عوائد السندات والنمو الاقتصادي وأسواق الأسهم أشد تعقيدا مما توحي به هذه النظرة الساذجة.

ففي النهاية، قد يعكس ارتفاع العوائد الأخير عددًا من العوامل المختلفة والمتناقضة.

لنتأمل هنا في بعض العوامل الواضحة. أولا، قد يتسبب ارتفاع التضخم الناجم عن صدمات العرض -تجدد النزوع إلى فرض تدابير الحماية وارتباكات تدفقات النفط الناجمة عن الحروب- في دفع العوائد الاسمية إلى الارتفاع، وقد يُفضي إلى حالة من الركود التضخمي: فينخفض النمو، ويرتفع التضخم، وتُدفَع أسعار الأسهم إلى الانخفاض.

ثانيا، قد يؤدي العجز المالي غير المستدام إلى ارتفاع العوائد إذا توقعت الأسواق أن تتدخل البنوك المركزية لتسييله، بما يتسبب في ارتفاع التضخم.

من ناحية أخرى، إذا كان من غير المرجح تمويل هذه العجز ماليا، فقد يكون ارتفاع العوائد مدفوعا بارتفاع علاوات مخاطر الديون السيادية، والذي قد يتسبب في أزمة ديون عامة أو يزاحِم الإنفاق من جانب القطاع الخاص ويحد من نموه.

في مثل هذه الحالات، تؤدي السياسة المالية غير المستدامة بالفعل إلى انخفاض النمو، وربما ارتفاع التضخم، وارتفاع العوائد التي تضر بأسواق الأسهم.

لكن الأمر ينطوي على عامل ثالث: طفرة استثمارية في القطاع الخاص مدفوعة بالنفقات الرأسمالية على الذكاء الاصطناعي، والتي تدفع العوائد الاسمية إلى الارتفاع لأنها تغذي زيادة الطلب على الائتمان، بدلا من أن تنذر بتوقعات تضخم أعلى. في هذه الحالة، يُعَد ارتفاع عوائد السندات إشارة إلى نمو أقوى في المستقبل، وهو ما يبشر بالخير لأسعار الأسهم.

كان هذا العامل الأخير محركا رئيسيا لعوائد السندات وأسواق الأسهم خلال السنوات القليلة الأخيرة. منذ إطلاق ChatGPT في عام 2022، ارتفعت عوائد السندات - من أدنى مستوى عند 1% في الولايات المتحدة أثناء أزمة كوفيد-19 إلى المستويات الحالية بنحو 5% أو أعلى - بينما حققت الأسهم الأمريكية (وبعض الأسهم العالمية) عوائد بلغت خانة العشرات. وحتى منتصف أغسطس، تزامن ارتفاع عوائد السندات الأمريكية مع تسجيل مؤشر الأسهم الأمريكي الرئيسي S&P 500 أعلى مستوياته على الإطلاق.

كان هذا متوقعا. فعندما يكون النمو قويا وتزداد الرغبة في المخاطرة، يتحسن أداء الأسهم وتميل عوائد السندات إلى الارتفاع؛ بالمثل، عندما تنخفض الرغبة في المخاطرة ويدخل الاقتصاد في حالة من الركود، يتراجع أداء الأسهم وتنخفض عوائد السندات.

لهذا السبب، يُعتَبِر انخفاض عوائد السندات عادة مؤشرا على ضعف الاقتصاد، والذي بدوره يعني ضمنا ضعف أسواق الأسهم.

بطبيعة الحال، من الممكن أن يتحول هذا الارتباط الإيجابي بين عوائد السندات وعوائد الأسهم إلى ارتباط سلبي -فترتفع عوائد السندات مع انخفاض أسعار الأسهم- عندما تؤدي الصدمات التضخمية إلى تشديد السياسة النقدية، أو عندما تنشأ مخاوف جدية بشأن الاستدامة المالية.

هذا ما حدث في عام 2022، عندما أدى تفاقم العجز المالي والتضخم بعد جائحة كوفيد إلى ارتفاع حاد في عوائد السندات وهبوط أسواق الأسهم الأميركية والعالمية.

وقد حدث شيء مشابه عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الثاني من أبريل 2025 عن تعريفات «يوم التحرير»، ومرة أخرى أثناء أزمة النفط التي أحدثتها الحرب مع إيران هذا العام، وكذلك مع الهبوط الحاد الأخير في أسواق السندات العالمية، الذي نتج جزئيا عن ارتفاع آخر في أسعار النفط والمخاوف المالية.

كلما كان التصحيح في أسواق الأسهم مدفوعا بعوائد السندات، تميل الأصول الطويلة الأمد مثل أسهم شركات التكنولوجيا (التي تكون تدفقات أرباحها في المستقبل البعيد) إلى الاستجابة بشكل أكبر لارتفاع عوائد السندات الطويلة الأجل مقارنة بالأصول الأقصر أمدا (مثل أسهم الشركات الأكثر نضجا).

وعلى هذا فقد انخفض مؤشر S&P 500 خلال انهيار سوق السندات في عام 2022 بنحو 15%، في حين انخفض مؤشر ناسداك الذي يغلب عليه قطاع التكنولوجيا بأكثر من 20%، بينما انخفضت أسعار عدد كبير من أسهم شركات التكنولوجيا والنمو الفردية بأكثر من 30%. وخلال انهيار سوق السندات هذا الشهر، تسبب الارتفاع الحاد في العوائد العالمية في الإضرار بأسهم شركات التكنولوجيا بدرجة أكبر مقارنة بمؤشرات السوق الأخرى في عموم الأمر.

ولكن في ضوء التوقعات الإيجابية للنمو في القطاعات التي تقودها شركات التكنولوجيا، كانت عوائد شركات التكنولوجيا أعلى من عوائد الأسهم التقليدية خلال السنوات الخمس الماضية، على الرغم من ارتفاع عوائد السندات.

لذا، ينبغي للمرء أن يفترض أن الارتفاع الأخير في عوائد السندات في البلدان العالية الأبداع مثل الولايات المتحدة، كان مدفوعا في الغالب بارتفاع العوائد الحقيقية وليس بزيادة توقعات التضخم، التي لا تزال راسخة عند مستوى يزيد قليلا عن 2%.

مرة أخرى، ما يمكننا توقعه هو ارتفاع العوائد الحقيقية؛ نظرا للاقتراض المفرط من جانب شركات التكنولوجيا والشركات البالغة الضخامة لتمويل بناء مراكز البيانات وغير ذلك من الاستثمارات.

ورغم أن العجز المالي في الولايات المتحدة مرتفع، فإنه استقر عند حوالي 6% من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المرجح أن ينخفض خلال السنوات القليلة المقبلة، بفضل ارتفاع معدل النمو المحتمل وبعض الإيرادات الإضافية من الرسوم الجمركية.

لا أحاول أن أكون مفرطا في التفاؤل بشأن توقعات الولايات المتحدة المالية، التي تتطلب بكل تأكيد إجراءات تقشفية جادة وإصلاحات في نظام الاستحقاقات خلال السنوات القليلة المقبلة.

لكنني أود أن أشير إلى أن الاقتصاد الأمريكي في ظل نمو محتمل أعلى ــ إذا تسببت تكنولوجيات جديدة في زيادة نمو الناتج المحتمل من 2% إلى 3% أو أكثر ــ يتمتع بتوقعات مالية أفضل في الأمد المتوسط مقارنة باقتصادات دول مثل اليابان أو منطقة اليورو، التي أصبحت عالقة مع معدل نمو محتمل بنحو 1.2% في منطقة اليورو، بل وأقل من ذلك في اليابان.

لذا، فإن الارتفاع الطويل الأمد والارتفاع الأخير في عوائد السندات العالمية يعكسان إلى حد كبير عوامل بنيوية مثل انتهاء الركود العظيم الذي أعقب عام 2008، وارتفاع النمو المحتمل والاستثمار، وارتفاع العوائد الحقيقية.

كل هذه العوامل إيجابية بالنسبة للأسهم الأمريكية و(بعض) الأسهم العالمية.

بطبيعة الحال، في الاقتصادات المتقدمة التي تعاني من الركود ولا تحقق ذات القدر من الإبداع الذي تحققه الولايات المتحدة، تصبح المخاوف بشأن العجز المالي الضخم، وتراكم الدين العام، والتسييل النقدي من جانب البنوك المركزية في المستقبل مبررة، شأنها شأن المخاوف من صدمات العرض الكلي السلبية الضخمة. وهنا أيضا، ينبغي لنا أن نتوقع على وجه التحديد ارتفاع عوائد السندات.