وكنت دائمًا أهيّئ نفسي لإجابات أستقيها من علاقاتي برئيس وأعضاء فرقة الدن للثقافة والفن، ويندهش المسرحيون العرب حين أبلغهم أن المهرجان تقيمه فرقة أهليّة تعمل وفق إمكانات محدودة، لكن سقف طموحات أعضائها مرتفع، وكلّ ما يرونه هو ليس سوى نتاج اجتهادات شخصيّة، وعلاقات، وحماس شبابي، فتتّسع الأحداق من فرط الدهشة، وكثيرًا ما أروي لهم قصة الدن التي بدأت عام 1994م، عندما اجتمع على حبّ المسرح ثمانية فتيان من قرية عُمانية تابعة لولاية سمائل تدعى (الدن)، في مساحة خضراء تحت ظلال النخيل،
وكان التمثيل بالنسبة لهم هواية محبّبة، تعرّفوا عليها من خلال مشاهدتهم المسلسلات العربية ومسرحيات عُمانية وعربية كانت تعرض على شاشة التلفزيون، وكانوا يحلمون بتقديم عروض مسرحيّة تحاكي ما كانوا يشاهدونه من عروض ممتعة، تحمل رسائل اجتماعية هادفة، فهذه العروض من شأنها أن ترفع سقف الوعي لأهالي القرية الوادعة التي تشتهر بمبانيها الطينية التراثية وأبراجها، وحاراتها القديمة، ومياهها الطبيعية الحارّة ذات الخصائص العلاجية، ولكي يترجموا هذه الأحلام إلى واقع، قرّروا إنشاء فرقة،
ولم يدر ببالهم أن هذه الفرقة ستكبر وتقطع أشواطًا عديدة، وسرعان ما حصلت على ترخيص رسمي من وزارة الثقافة والرياضة والشباب، وما إن انطلق مهرجان المسرح العُماني بدورته الأولى عام 2004م حتى شاركت الفرقة بعرض (ماذا بعد اليوم؟)، وهو من تأليف عيسى العامري وإخراج: محمد النبهاني، فلفت أنظار المسرحيين العرب الذين حضروا المهرجان، وتوالت مشاركات الفرقة،
وفي الدورة الثالثة من المهرجان الذي أقيم عام 2009م قدّمت الفرقة مسرحية «الجسر»، وكانت من تأليف: آمنة الربيع وإخراج: محمد النبهاني وسعيد البوسعيدي، وحقّقت حضورًا لافتًا، أكّد أن فرقة مسرحية عُمانية تخطو خطوات واثقة في المشهد المسرحي العُماني، وانتقل فريق العمل في نوفمبر من عام 2009م إلى بريطانيا ضمن رحلة ثقافية نظمتها «سبلة عُمان»، فعرضت للطلبة العُمانيين والعرب هناك،
ونالت إعجابهم، وكانت الخطوة الواسعة التي خطتها الفرقة عندما قرّرت إقامة مهرجان مسرحي دولي، ولم تكن خطوة سهلة للفرقة، فالمهرجانات الدوليّة تحتاج إلى دعم مالي، لكنّ الفرقة تمكّنت من تجاوز هذه العقبة، فحصلت على دعم من أكثر من جهة.
ولم يكن مهرجانًا كأي مهرجان، بل كان عدة مهرجانات في مهرجان واحد، ففيه عدة مسارات حتى عدّه المتابعون من أكبر التظاهرات المسرحيّة في منطقة الخليج من حيث عدد العروض المشاركة، والضيوف الذين يزيد عددهم في كل دورة على مائة ضيف وضيفة من الفنانين العرب، وهو عدد غير مسبوق في مهرجان محلي، ولا يقتصر على العروض، بل شمل عدة فعاليّات من بينها ندوات تطبيقيّة، وحلقات عمل تدريبية، وتكريم مجموعة من الفنانين العُمانيين، ورحلات لضيوف المهرجان لعدد من معالم السلطنة السياحية والثقافية والأكاديمية.
وهي من العروض الكوميدية الهادفة، التي نالت ثناء الجمهور والنقّاد، منذ بداية عرضها الأول عام 2017م، فحقّقت نجاحًا لافتًا، وتواصلت عروضها ومشاركاتها التي زادت على أربعين عرضًا داخل السلطنة وخارجها، وكان الاختيار بمكانه، إذ فازت بجائزة أفضل طاقم تمثيلي، بالإضافة إلى الجائزة الخاصة للمركز الصحفي للمهرجان، والأهم من هذا أنها أثبتت للعالم أن المسرح العُماني قادر على المنافسة، والتفوّق على فرق لها تاريخ طويل في المسرح، بفضل جهود شباب متحمّسين للمسرح، اجتمعوا تحت نخلة وارفة الظلال، وأسّسوا فرقة مسرحية جعلت من اسم قرية عُمانية تابعة لولاية (سمائل) على كلّ لسان.