تصوير- عبدالواحد الحمداني
أقيمت مساء أمس جلسة حوارية حول "توظيف التاريخ العماني في الأعمال الأدبية" وذلك ضمن ملتقى حبر الثقافي، شارك فيها الدكتور يونس الأخزمي، والروائية شريفة التوبي، وأدار الجلسة الدكتور محمود الرحبي.
حيث ناقشت الجلسة عددا من المحاور أبرزها محور التاريخ العماني بوصفه مادة للإبداع السردي، وحديث عن أمانة التاريخ وحرية الروائي، كما تطرقت الجلسة للحديث عن أدوات وصور توظيف التاريخ في السرد.
وقال الدكتور يونس الأخزمي: "أنا لا أكتب رواية تاريخية، وإنما أكتب رواية تستفيد من التاريخ، سوءا كان زماناً أو حدثاً، لذلك نحن نبتعد عن موضوع التاريخ والكتابة الروائية التاريخية، التي أرفضها، وأرفض عبارة أني لدي رواية تاريخية".
وسرد الأخزمي قصة كتابته ثلاثيته "بحر العرب" فقال: "نشأنا وتلقينا علومنا وأفكارنا ومبادئنا وأخلاقنا منذ الصغر في المجتمع، لذا مخيلتنا المخيلة وهذه الذاكرة وهذه اللغة وهذه المفردات كلها هي نتاج هذا التاريخ، ولا أعتقد أن هناك عمل أدبي لم يرجع إلى التاريخ، بمعنى أنه لا يوجد سرد يأتي من العدم، وإنما هو تراكم معرفة وخبرات".
وتحدث عن كتابته ثلاثيته "بحر العرب" الذي جاءت من خلال دراسته في تخصص الإحصاء وعمله في هذا المجال، فكان يزور محافظة الوسطى (محوت والدقم والجازر)، وهو ما صنع علاقته بالمكان، وبدأت أدواته بالمخيلة.
وقال الأخزمي: "كنت أعرف أن هذه المنطقة البكر لم يُكتب عنها، ولا يعرف ما هي، ولا يعرف كيف يعيش أهلها، فتضخمت هذه الفكرة في ذهني، وبدأت أبحث، رغم معرفتي بالمكان وأعرف الدروب وأعرف كيفية الحياة وكيف يعيش الصياد وكيف يعيش تاجر الأسماك، وبدأت أبحث في المراجع، وأستمع إلى كبار السن، وعرفت كل ما يتعلق بهذه القرى الصغيرة الساكنة على ضفاف بحر العرب، التي تقارع البحر من الأمام خصوصاً في الأمواج العاتية أيام الخريف، وتقارع الرمال الهائلة ولكنها تبقى تعيش وتقاوم، فقررت أن أكتب مستفيدا من الحكايات التي سمعتها ورأيتها".
تأثير المكان والذات في كتابة الرواية
وقالت شريفة التوبي حول كتابة الرواية التاريخية بأنها خطورة ومغامرة شائكة، لأنها تتقاطع مع الحقيقة المعروفة والموثقة الجميع والمعلومة المتاحة، وما بين الخيال والمتخيل.
وحول كتابتها لروايتها قالت التوبي: "تبدأ كتابة الرواية التاريخية كما أظن من اللحظة التي يقرر فيها الكاتب أن يحول الحدث التاريخي إلى نص فني أو إلى عمل سردي، وتبدأ حكاية هذا الحدث التاريخي، لأن التاريخ مثل ما نعرفه مغرٍ ومغوٍ، بكل ما فيه من حكايات، بوفرة الحكايات والأحداث، فما الذي سيضيفه الكاتب إذا أراد أن يكتب رواية نسميها تاريخية، ورواية البيرق التي يقال إنها رواية تاريخية، لا أصدق، يعني أنكر عنها هذه الصفة، ولكنها هي رواية أدبية، أتمنى بأنها توافرت فيها عناصر العمل الأدبي والعناصر الفنية الكاملة".
وأضافت: "كلما كنت أزور إمطي وأرى البيوت المهدمة، والدروب الضيقة العتيقة، كنت أزورها من زمن وما بعد الترميم، وكلما أفكر في الكتابة، بغض النظر عن رواية البيرق أو حتى عمل آخر، لكن كلما أفكر في المكان حينما أكتب، أول ما تتراءى لي إمطي، لدي شغف غريب، ودائماً أرجع للماضي، إلى الذاكرة القديمة، إلى الخطوة الأولى، إلى طفولتنا،والمكان القديم، دائماً أرواحنا معلقة هنا، أما الجانب البشري، حاولت بأن أربط ما بين كل هذا الأشياء من خلال المكان، التي أسميتها "حارة الوادي".
وحول ارتباط الرواية بالأحداث التاريخية قالت التوبي: "أتمنة أن لا تأخذوا وتقرأوا الرواية كتاريخ حتى لا تحاسبوني، لأن كل ما فيها - رغم أني استندت على حقائق واقعية وأشياء موجودة وأحداث حقيقية- ولكن التفاصيل التي فيها تفاصيل متخيلة، عشتها بكامل متعة الكتابة، فكانت الكتابة رغم أنها مرهقة، ولكنها كانت ممتعة، وأود التأكيد على أن التاريخ مثل ما يقال: التاريخ يكتب بقوة السلطة، والأدب يكتب بقوة المخيلة، ومع ذلك أنا أصدق أو أميل إلى تصديق الرواية الأدبية أكثر مما أميل إلى تصديق التاريخ، لأن التاريخ يكتب بوجهة نظر المنتصر، ولكن حينما يكتب الرواية، مثل ما كتب الدكتور يونس في ثلاثيته وكتبت أنا رواية البيرق، اتجهنا إلى المهمشين، إلى الإنسان الذي لم يذكره التاريخ، الذي تعمد نسيانه، أو تعمد تغيِيبه، أو ربما لم يتعمد، ولكنه كان تحت قيد السلطة، أما أنا ككاتبة، كنت أملك الحرية الكاملة في أن أكتب عن الإنسان، عن عويدة، عن نفافة، عن حمود، عن بيدارهم حمدان، عن جوانب وزوايا إمطي، ما لم يذكر هذا التاريخ تماماً، وكان يمكن هو هذا التحدي بأني أستخدم مخيلتي في أنني أصنع عالم أو مكان، يعني كان مش قراءة، لكن يمكن يكون إبداعاً، أملح نفسي شوي، يمكن يكون إبداعاً بإني خلقت مكاناً موازياً لواقع موجود في الأصل.
وأجابت شريفة التوبي على سؤال حول استفادة الكاتب أو الروائي من الحدث التاريخي رغم أنه معرفته بأن هذه وثيقة تاريخية وحدث تاريخي الكل يعرفه وهو حقيقي جداً، فقالت: "تبدأ مسؤولية الكاتب من اللحظة التي يقرر فيها بأن ما يكتبه ليس تاريخاً، وإنما يكتب في نص أدبي أو عمل فني، وعليه أن يتعامل مع هذه الحكاية التي سمعها أو التي عرفها أو قرأها بمنظور آخر تماماً.
ينسى موضوع الزمن، ينسى موضوع التاريخ، عليه أن يتعامل مع الفكرة معاملة أدبية بحتة من خلال أدوات الكاتب أو من خلال الأدوات الفنية للعمل الروائي أو العمل الأدبي، يعني مثلاً على سبيل المثال، هو عنده معلومات كثيرة، فهذه المعلومات اللي البعض يعتقد بأنها هي يعني غنيمة بالنسبة له، الأفكار مطروحة، فمن السهل بأن يكتب، أنا أعتبرها فخ.
هذا الفخ الذي وقع فيه كثير من الكتاب، وقرأنا بعض الروايات التاريخية بكل أسف، نستطيع أن نقول بأنها تاريخ وليست رواية، لأن غابت عنها الصنعة الأدبية وغلب عليها التاريخ، وكما يقال، إذا غلب التاريخ في العمل الأدبي، يعتبر تاريخه، لا يعتبر رواية، وعلى الأديب أو الكاتب، أن ينتصر لصنعته الأدبية، وأن ينسى الجانب التاريخي".
دور الخيال في الرواية التاريخية
وقال الدكتور يونس الأخزمي: "أنا أقول إنه إذا ثمة تاريخ موثق عن شخصية ما، عن حدث، فأنت لا تستطيع أن تخرج، لا تستطيع أن تكتب وتقول إن هذا سيفعل، أنت تستغل الحدث، وتستفيد منه في كتابتك الرواية، وبالنسبة لي الاستفادة الأولى هو المعايشة الحقيقة في تلك المنطقة، ي كانت الأساس، لأنه للأسف لم تكن توجد أي معلومات تستطيع تعتمد عليها بشكل كبير في تلك المنطقة، ورغم بعض البحوت والدراسات التي قامت بها وزارة التنمية الاجتماعية عن المنطقة، وبعض الإحصائيات من مركز الإحصاء وبعض التاريخ الشفوي، هذا أنا حضرته وسمعته كثير، ولكن أيضاً كان موجوداً على فترة متقدمة بعض الكليبات والفيديوهات في اليوتيوب عن الحياة هناك، واستفدت من بعض الوثائق في الجزء الثالث".
وأضاف الأخزمي: "الخيال أو التخيل لعب دوراً كبيراً، وأعتقد أن الذي يزور هذه المناطق من بداياتها وثم يعاشر ويعايش مدى اختلافها مع الزمن، أعتقد المخيلة خصوصاً عند الكاتب لابد أن تكون خصبة في تصور كيف ستتحول الحياة في مثل تلك المناطق".
الخوف من التابوهات المحرمة
وقالت التوبية في حديثها: "بالنسبة للكتابة التاريخية، لا يوجد حدث تاريخي نستطيع القول بأنه أكثر قيمة من حدث آخر، ولكن هذا يعتمد على الكاتب نفسه، لأن الأحداث التاريخية كثيرة والتاريخ به زخم من الأحداث ومن المعلومات، ولكن يعتمد على الكاتب ماذا يريد أن يكتب، ما هي الرسالة التي يريد أن يوصلها للقارئ، بمعنى أنه لا يتعدى على التابوهات وغيرها، ولكن أحياناً يضطر الكاتب بأن يعتمد على الشخصيات الثانوية مثلاً.
الشخصيات الأساسية من الصعب المساس بها أو حتى التواريخ أو الأمكنة، والكاتب يعتمد عليها ويحاول يدخلها".
وقال الأخزمي: "بالنسبة لي أفضل فكرة، لا أؤمن بفكرة الرواية التاريخية. يا تاريخ يا رواية فنية، توجد قوالب تاريخية موثقة ومعروفة، يعني أنت ما تقدر تلعب فيها، لأنك تصبح مزيفاً أو تزيف الحقائق، وأعتقد متاح طبعاً، أن تتصور، وهو هذا بالضبط العمل الإبداعي الكتابي، أن تحرك هذه الشخصيات لتحاور الشخصيات الكبيرة وتعريها، سواء عاد في النهاية تبرز جانبها الجمال غير المعروف أو جانبها السيء، وهذه وظيفة الأدب أو وظيفة الكاتب، نحرك الشخصيات".
وفي مداخلات الجمهور تحدث هاشم الشامسي حول ما إذا كانت البيرق لشريفة التوبي قد وقعت في فخ التكرار، حيث عرجت بعض الروايات لذات موضوع رواية البيرق، مثل روايات الجبل الأخضر في 1965 لعبد الله الطائي، و«الوردة» لصنع الله إبراهيم في التسعينيات، ثم «المرأة من ظفار» لأحمد الزبيدي، ورواية محمد اليحيائي «الحرب»، كما توجه بالسؤال حول الرواية العمانية ومدى نجاحها في توظيف التاريخ العماني كوثيقة تاريخية جامدة، كما أشار لأهمية توظيف الروايات العمانية لأعمال روائية.
وقد أشارت التوبية إلى أنها لم تقع في فخ التكرار، فقد كتبت رواية البيرق بإصرار وتعمد، فقالت: "حينما أكتب الرواية كنت أفكر بأن أخرج برواية واحدة، ولكن حينما كتبت الرواية اكتشفت أن المراحل الزمنية التي قرأت فيها دعاني أكتشف شيء، وأقدر أقول لك إنه ما وقعت في فخ تكرار، ولكني تعمدت أني أتطرق إلى هذه المرحلة بالذات".
كما داخلت الدكتورة عزيزة الطائي حول الحديث عن مسمى الرواية التاريخية فقالت: "يطلق على الرواية التاريخيةة أحيانا المتخيل التاريخي، أي أن الكاتب لا يعنيه الحدث بتفاصيله الروائية، وإنما تستفزه القضية التاريخية نفسها، أي أن الروائي عندنا يكتب لا يكتب لأنه كبديل عن التوثيق التاريخي أو الوثيقة التاريخية أو المخطوط التاريخي، بل يخلق حدثاً جديداً ونصاً جديداً وثيمة جديدة وقضية روائية كذلك جديدة".