على الواجهة الضخمة لمركز الحضارة الإسلامية في طشقند، ظهرت مساء الثلاثاء صفحات من مصحف مخطوط وأخذت تتفتح ببطء، وانتقلت أضواء الليزر بين أجزاء المبنى كاشفة تفاصيل النقوش الدقيقة فيها وجمال ألوانها المتناغمة، ثم ظهرت صور مدن وعلماء وخرائط قديمة.

على مدى 25 دقيقة، حاول عرض ثلاثي الأبعاد أن يختزل قرونا من تاريخ أوزبكستان في سرد بصري واحد بدأ بالقرآن الكريم مرورا بعلماء كبار أمثال الخوارزمي وابن سينا والإمام البخاري وأولوغ بيك والأمير تيمور.

أذهل العرض المدعوين من مختلف دول العالم وعاشوا رحلة زمنية في جانب مشرق من جوانب الحضارة الإسلامية.


اختصرت الأمسية طموحا كبير تشتغل عليه أوزبكستان يستخدم التراث لإعادة تقديم البلاد إلى العالم وتصحيح صورة الحضارة الإسلامية التي ارتبطت في جانب واسع من التغطية الصحفية الدولية بالصراع والعنف والتوتر السياسي.

واليوم انتقل السؤال من واجهة المبنى الذي يأمه آلاف الزوار كل يوم من مختلف دول العالم إلى قاعات المنتدى وأعيد طرحه بشكل علمي: هل تستطيع المخطوطات والأفلام والكتب والذكاء الاصطناعي تغيير رواية ترسخت خلال عقود؟


جمع منتدى «الحضارة الإسلامية: نظرة جديدة ـ اكتشافات جديدة» نحو 300 من مسؤولي المؤسسات الإعلامية والصحفيين والناشرين وصناع الأفلام والباحثين وخبراء التقنية من قرابة 50 دولة. حضر ممثلون عن مؤسسات دولية مثل «سي إن إن» و«يورونيوز» و«بي بي سي» و"جريدة عُمان" إلى جانب وكالات أنباء ومحطات تلفزيونية وصحف من العالم الإسلامي وآسيا وأوروبا.


جاء المنتدى ضمن مشروع أوسع تقوده الحكومة الأوزبكية لاستعادة موقعها في السردية المعاصرة عن الحضارة الإسلامية حيث كانت مدن أوزبكستان الحالية جزءا من فضاء علمي أنتج أكثر الشخصيات تأثيرا في تاريخ الرياضيات والطب والفلك والحديث والفلسفة.

ورغم ذلك الحضور التاريخي إلا أن حضور آسيا الوسطى في الرواية العالمية عن الإسلام ظل أقل كثيرا من حجم إسهامها.


ويعمل مركز الحضارة الإسلامية، الذي استغرق بناؤه ثماني سنوات، على معالجة هذه الفجوة عبر بناء سردية أوسع وأكثر توثيقا لإسهامات أوزبكستان في الحضارة الإسلامية والإنسانية. ويضم المركز مخطوطات وخرائط وقطعا أثرية ومعروضات رقمية تغطي أكثر من ثلاثة آلاف عام من الحضارات السابقة للإسلام إلى أوزبكستان المعاصرة. ويجمع تصميمه بين وظيفة المتحف ومركز الأبحاث ومنصة للعرض المتحفي الرقمي.


وفي الجلسة الصباحية، ظهرت على الشاشة نماذج من مشروع "114 مصحفا" الذي قدمه ألكسندر فيلهلم، نائب رئيس دار «مولر وشندلر» النمساوية. اختار القائمون على المشروع 114 مخطوطة قرآنية، بعدد سور القرآن، تمثل مدارس خطية وفنية وأزمنة ومناطق متعددة. وتعمل الدار على إعادة إنتاجها في إصدار يحافظ على الألوان والزخارف والتذهيب وتفاصيل الورق.


يقدم المشروع تاريخا بصريا لانتقال القرآن بين المجتمعات، فالنص القرآني واحد لكن المخطوطات تكشف عن تعدد البيئات التي نسخته وقرأته وحفظته. ويمكن تتبع أثر الجغرافيا والمواد المتاحة والتقاليد الفنية المحلية في كل نسخة من نوع الخط إلى الألوان وحجم الصفحة وطريقة توزيع الزخرفة.


بعد ذلك، تحدث رستم جباروف، السكرتير العلمي للمركز عن مصحف كاتالانغار، وهو مخطوط قرآني قديم ارتبط اسمه بقرية في جنوب أوزبكستان. وخضعت أوراق هذه النسخة من المصحف للفحص والترميم، وما زال الباحثون يعملون على تحديد تاريخه ومسار انتقاله.

وقال جباروف إن العمل المنجز لم يصل بعد إلى نصف ما يحتاج إليه المشروع.
وبدت الملاحظات التي أوردها جباروف تذكيرا بحجم المسافة بين امتلاك التراث وإنتاج معرفة دقيقة عنه، فالمخطوطة التي تعرض داخل صندوق زجاجي تثير إعجاب من يتأملها لكن معرفة تاريخها تحتاج إلى خبراء في الخطوط واللغات والورق والأصباغ والكيمياء وتاريخ انتقال المقتنيات.

وقد تمتد دراسة مخطوط واحد سنوات قبل الوصول إلى نتائج يمكن الدفاع عنها علميا.


وقدم أليكسي تيلنوف، المدير العام لاستوديو سان بطرسبورج للأفلام الوثائقية مقطعا من فيلم يحمل عنوان «المسجد»، شارك فيه سينمائيون أوزبك، ويعالج الفيلم المسجد باعتباره جزءا من الذاكرة التاريخية والاجتماعية المشتركة بين أوزبكستان وروسيا. كما عُرض مشروع أطلس تاريخي وثقافي يتتبع أوزبكستان عبر خرائطها ومدنها ومواقعها التاريخية، ويقارن الخرائط التي أنتجها علماء مسلمون بتلك التي رسمها الأوروبيون لآسيا الوسطى.


وتكشف الخرائط أن حضور الحضارات في الوعي العالمي تحدده أيضا المؤسسات التي تجمع المعرفة وتنشرها.

ومع تكرار اختياراتها، تستقر بعض المناطق في مركز الرواية التاريخية، بينما تتراجع مناطق أخرى إلى هوامشها
وينطبق الأمر نفسه على صورة الإسلام في وسائل الإعلام. ففي العقود التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر، جاء جزء كبير من التغطية الدولية للإسلام من ساحات الحروب وملفات الإرهاب والهجرة، ومع تكرار هذه الموضوعات، أصبحت المجتمعات الإسلامية تظهر غالبا عندما تقع أزمة، بينما تراجع حضور تاريخها العلمي وحياتها اليومية وتحولاتها الاجتماعية.


وناقش المشاركون هذه القضية في جلسة حملت عنوان "من الجهل إلى التنوير: دور الإعلام في تجاوز الصور النمطية ورهاب الإسلام". وتركز الحديث على مسؤولية وسائل الإعلام عن إيصال معرفة أكثر دقة إلى الشباب، ومواجهة المحتوى المضلل، وإنتاج أفلام ومواد رقمية تقدم الحضارة الإسلامية بلغة يفهمها الجمهور المعاصر.


وتنشأ الصور النمطية أيضا من هياكل راسخة داخل صناعة الأخبار، تبدأ باختيار المصادر وتعريف ما يستحق التغطية وتمتد إلى هيمنة عدد محدود من المؤسسات والوكالات على تدفق الأخبار والصور دوليا.


في المقابل، تواجه وسائل الإعلام في الدول الإسلامية مشكلة من نوع آخر، فكثير من المواد التي تنتجها المؤسسات الرسمية عن التراث تكتفي بالتعريف والاحتفاء وتبتعد عن الأسئلة والخلافات التي تمنح الصحافة صدقيتها. والنتيجة أن سردية خارجية تختزل الإسلام في الأزمات تقابلها أحيانا سردية داخلية تقدم تاريخا نموذجيا قليل التعقيد ولا يتيح للقارئ رؤية الصراعات والأخطاء والتحولات التي صنعت ذلك التاريخ.


وجاء المنتدى نفسه داخل هذه المسافة، فقد دعت منيرة أمينوفا، مستشارة وزير الخارجية الأوزبكي، وسائل الإعلام الدولية إلى التعريف بتراث أوزبكستان والتحولات الجارية فيها. وقدمت شارلوت كرامر مشروعات نشر عن "أوزبكستان الجديدة" هدفها نقل صورة حديثة عن البلاد إلى الجمهور الدولي.


وتعكس هذه الدعوة التي حضرت كثيرا في فعاليات المنتدى استخداما متزايدا للثقافة في السياسة الخارجية الأوزبكية، فطشقند تقدم نفسها وريثة مركز تاريخي للعلم والتجارة والتفاعل بين الحضارات، وتستخدم المتاحف والمؤتمرات والكتب والأفلام لبناء حضور دولي يتجاوز ملفات الاقتصاد والأمن في آسيا الوسطى.


وكانت فعاليات المنتدى قد بدأت الثلاثاء بمناقشة الدور الذي يمكن أن تؤديه وسائل الإعلام في نقل التراث الإسلامي من نطاق المؤسسات الأكاديمية والمتاحف إلى المجال العام الدولي.

وشهدت الجلسة الأولى، التي حملت عنوان "مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان: نقطة ارتكاز جديدة لتراث عظيم" مداخلات لممثلين عن «سي إن إن» و«يورونيوز» و«بي بي سي ستوديوز» ومشروع «1001 اختراع».

وتركز النقاش على قدرة الأفلام الوثائقية والمنصات الرقمية والإنتاج التلفزيوني على إعادة إدخال التاريخ العلمي والثقافي للإسلام في السردية الإعلامية العالمية، بعد عقود غلبت فيها أخبار الصراعات والأزمات على الطريقة التي يُقدَّم بها الإسلام إلى الجمهور.


وانتقلت الجلسة الثانية، "الشخصيات التاريخية العظيمة: صيغ إعلامية جديدة للتعريف بالتراث الإسلامي" إلى تجارب أكثر تحديدا في تحويل حياة العلماء والمفكرين إلى أفلام وكتب ومشروعات متعددة الوسائط.

وعرض المشاركون نماذج لاستخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى عن العصر التيموري وشخصياته العلمية، إلى جانب مشروعات وثائقية عابرة للحدود. وأظهر النقاش أن استعادة هذه الشخصيات تتطلب معالجة تحررها من الصورة التذكارية الجامدة وتعيد وضعها داخل الأسئلة التي عملت عليها طوال تلك القرون الطويلة.


عندما أضيئت واجهة مركز الحضارة الإسلامية مساء الثلاثاء، استطاعت التكنولوجيا أن تمنح التاريخ حضورا فوريا أمام الجمهور، أما تغيير صورة الإسلام في المجال الإعلامي العالمي فسيكون أبطأ وأكثر صعوبة وسيحتاج إلى الكثير من المؤتمرات والحوارات.. لكنه عمل يبدأ من المخطوطة ويمر بالمختبرات وغرف الأخبار في المؤسسات الصحفية والإعلامية وينتهي عند قارئ يحتاج إلى رواية موثوقة قبل أن يحتاج إلى رواية مبهرة.