تتزايد المخاوف المجتمعية من الانتشار الواسع للمنصات الرقمية وسهولة الوصول إليها بين الفئات العمرية المختلفة، وما قد يترتب على استخدامها من آثار سلبية على السلوكيات والعلاقات الأسرية والمجتمعية ونشر الشائعات والتنمر والابتزاز الإلكتروني والصحة النفسية والإدمان، ويؤيد مواطنون فرض ضوابط لاستخدام المنصات الرقمية لحماية الناشئة من المحتوى الضار والعزلة الاجتماعية.
ترى نوف العبري أن حضور المنصات الرقمية في حياة أسرتها محدود جدًا، كون استخدام الأجهزة، وخاصة الهواتف، يقتصر على الوالدين، لذلك لم يكن هنالك تأثير كبير لهذه المنصات على علاقتهم الأسرية، مشيرة إلى أن المنصات الرقمية تثير بعض المخاوف من تأثير المحتوى الرقمي على أفكار الأبناء، وما قد يقود إلى تسلل أفكار دخيلة لا تتناسب مع قيم وأخلاق المجتمع، مؤكدة أهمية فرض ضوابط على استخدام المنصات الرقمية بحسب الفئات العمرية، بما يحمي الأبناء ويضمن عدم تعرضهم لما لا يتناسب مع أعمارهم.
فيما تقول خولة الريامي إن للمنصات الرقمية جوانب إيجابية، منها تسهيل متابعة دراسة الأبناء ومشاركة المحتوى والفيديوهات المفيدة، لكنها أثرت على وقت الحوار المباشر واللمة العائلية نتيجة قضاء الأطفال وقتًا طويلًا على المنصات الرقمية، مشيرة إلى أهمية فرض قيود تضمن استخدامًا آمنًا ومناسبًا لعمر الطفل للحد من الآثار السلبية للمنصات الرقمية، حيث إن المخاوف موجودة حول المحتوى غير المناسب، وإدمان الشاشة وقلة النوم، والعزلة الاجتماعية، وتسرب المعلومات الشخصية، ومن أجل تقليل تأثير المنصات، حرصنا على تخصيص ساعات استخدام محددة خلال اليوم، مع التأكيد على منع استخدام الهواتف أثناء الجلسات العائلية وقبل النوم بساعة، مع تكثيف الرقابة على نوعية ما يشاهدونه من محتوى في هذه المنصات، مؤيدة في الوقت نفسه فكرة فرض القيود على استخدام المنصات الرقمية بما يتناسب مع الفئات العمرية المختلفة، كون الأطفال يحتاجون إلى رقابة أوسع، فيما يحتاج المراهقون إلى التوجيه والتوعية مع إعطائهم الحرية بشكل مناسب.
أبرز القضايا
فيما عبّرت عزة الحميدي عن أن حضور المنصات الرقمية أصبح جزءًا من الروتين اليومي للأسر، إلا أن تأثيرها أصبح واضحًا بتراجع مستوى التواصل مع الأبناء وتزايد المخاوف من استخدام المنصات الرقمية بشكل غير واعٍ والتعرّض للابتزاز الإلكتروني، ومتابعة المحتوى غير المناسب وغير الأخلاقي، والتنمر الإلكتروني والتأثير على الصحة النفسية. لذا حرصنا كوالدين على تخصيص أوقات محددة لاستخدام الأبناء للمنصات الرقمية، وربط حساباتهم بالبريد الإلكتروني للوالدين لتعزيز الرقابة على الأبناء وحمايتهم من المحتوى غير المناسب.
وفي الجانب التقني، يوضح أحمد بن سليمان الغطريفي، مختص في أمن المعلومات، أن أبرز القضايا التقنية انتشارًا في المجتمع هي نشر الشائعات والأخبار المضللة، والاحتيال الإلكتروني والروابط الوهمية، وانتهاك الخصوصية وتسريب البيانات الشخصية، والابتزاز الإلكتروني، والإدمان الرقمي والاستخدام المفرط للمنصات، وضعف الوعي بالأمن السيبراني لدى بعض المستخدمين، مشيرًا إلى أن سهولة إنشاء الحسابات وسرعة تداول المحتوى وإمكانية إخفاء الهوية أسهمت في انتشار الشائعات والابتزاز الإلكتروني. كما أن مشاركة المعلومات دون التحقق من صحتها تزيد من انتشار الأخبار المضللة.
وأضاف: كل ذلك كان له تأثير على العلاقات المجتمعية من خلال تراجع مستوى الثقة بين الأفراد، وانتشار القلق والخوف من إساءة استخدام المعلومات الشخصية، وحدوث خلافات أسرية أو اجتماعية نتيجة تداول معلومات غير صحيحة، والتأثير السلبي على سمعة الأفراد والمؤسسات.
ويرى الغطريفي أن فئتي الأطفال والمراهقين هما الأكثر تأثرًا بالمنصات الرقمية لكثرة الاستخدام وقلة الخبرة في التعامل مع بعض التهديدات الإلكترونية. كما أن كبار السن قد يكونون عرضة لعمليات الاحتيال الإلكتروني لمحدودية المعرفة بالتقنيات الحديثة.
الوعي المجتمعي
وأضاف: خلال السنوات الأخيرة، شهد المجتمع تحسنًا ملحوظًا في مستوى الوعي الرقمي نتيجة للحملات التوعوية والجهود الحكومية والمؤسسية، إلا أن الحاجة ما زالت قائمة لتعزيز الثقافة الرقمية لدى مختلف الفئات العمرية، خاصة فيما يتعلق بالتحقق من المعلومات وحماية الخصوصية.
وعن الاقتراحات المستقبلية التي قد تحد من خطورة المنصات الرقمية، يرى أن تعزيز برامج التوعية الرقمية في المدارس والجامعات، وتكثيف الحملات الإعلامية المتعلقة بالأمن السيبراني، وزيادة التعاون بين الجهات الحكومية وشركات التقنية لحماية المستخدمين والتعامل مع المحتوى غير المسؤول ستسهم في الحد من خطورة المنصات مستقبلًا.
من ناحية أخرى، يرى أن تحديد الأهالي أوقاتًا مناسبة لاستخدام الأجهزة والمنصات الرقمية، مع متابعة المحتوى الذي يتعرض له الأبناء بشكل إيجابي ومباشر، والتوعية المستمرة للأبناء بمخاطر مشاركة المعلومات الشخصية، وتشجيع الحوار الأسري حول الاستخدام الآمن للإنترنت، وتنمية مهارات التفكير النقدي للتحقق من المعلومات قبل تصديقها أو مشاركتها، كل هذا سيكون له دور إيجابي في حماية الأهالي لأبنائهم من الآثار السلبية لاستخدام المنصات الرقمية.
من جانبها، أوضحت أبرار بنت ناصر الحضرمي، باحثة اجتماعية وعضوة بجمعية الاجتماعيين العُمانية، أن المنصات الرقمية أحدثت نقلة نوعية في العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع، إذ لم تعد الروابط مقتصرة على اللقاءات المباشرة أو الاتصالات التقليدية، بل أصبحت المنصات فضاءً للتواصل والتفاعل. فكان للمنصات دور في توفير التواصل السريع مع الأقارب والأصدقاء داخل المجتمع وخارجه، ما عزز مشاركة الأفراد في قضايا تتجاوز حدودهم الجغرافية. كما أسهمت في دعم المبادرات التطوعية والخيرية من خلال استخدامها لنشر الدعوات وتنظيم الفعاليات، وهو ما عزز قيم التكافل الاجتماعي.
وأضافت: ساعدت هذه المنصّات على خلق شبكات جديدة من العلاقات تقوم على الاهتمامات المشتركة أكثر من الروابط التقليدية، وهو ما يعكس إعادة تشكيل البنية الاجتماعية في المجتمع؛ فالشباب باتوا يشكلون مجموعات رقمية حول قضايا تعليمية أو ثقافية أو حتى ترفيهية، مما أوجد أنماطًا جديدة من التفاعل لم تكن مألوفة سابقًا. كذلك، وفّرت المنصّات فرصة للتعبير عن الرأي والمشاركة في النقاشات العامة، الأمر الذي عزّز من مفهوم المشاركة المجتمعية وأتاح للأفراد إيصال أصواتهم في قضايا وطنية واجتماعية. ومع ذلك، فإن هذا التحوّل لم يخلُ من آثار جانبية، إذ أدّى الاعتماد المفرط على التواصل الافتراضي إلى تراجع اللقاءات الواقعية، وأضعف من عمق العلاقات الإنسانية المباشرة التي كانت تُبنى على التفاعل الحيّ. كما ساهم في بروز ظاهرة العلاقات السطحية التي قد تفتقر إلى الثبات والعمق، حيث تُبنى على التفاعل اللحظي أكثر من الالتزام طويل الأمد. إنّ هذا التداخل بين الإيجابيات والسلبيات يجعل المنصّات الرقمية أداة مزدوجة التأثير، فهي من جهة تعزز الانفتاح والتواصل، ومن جهة أخرى تفرض تحديات على أصالة الروابط الاجتماعية وعمقها، وهو ما يستدعي وعيًا جماعيًا لإدارة هذا التحوّل بما يحافظ على خصوصية المجتمع العُماني وقيمه الأصيلة.
مخاطر اجتماعية
وحول أبرز المخاطر الاجتماعية انتشارًا داخل المجتمع نتيجة سوء استخدام المنصات الرقمية، علّقت أبرار الحضرمي أن المنصات الرقمية، رغم ما تقدمه من فرص للتواصل والانفتاح، فقد أفرزت في المجتمع العُماني مجموعة من المخاطر الاجتماعية، أبرزها العزلة الاجتماعية، حيث ينغمس بعض الأفراد في العالم الافتراضي على حساب العلاقات الواقعية، فيضعف حضورهم في اللقاءات الأسرية والمجتمعية، ويؤدي ذلك إلى شعور بالانفصال عن المحيط المباشر. هذه الظاهرة باتت واضحة خصوصًا بين فئة الشباب والأطفال الذين يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات، مما يقلل من فرص التفاعل الحيّ ويضعف الروابط الإنسانية الأصيلة. كذلك التنمر الإلكتروني من الظواهر الأكثر انتشارًا، إذ يستخدم البعض المنصّات كوسيلة للإساءة أو التشهير، وهو ما يترك آثارًا نفسية واجتماعية سلبية، ويؤدي إلى فقدان الثقة بالنفس أو الانسحاب من الحياة العامة. هذا النوع من السلوك يهدد التماسك الاجتماعي ويخلق بيئة رقمية غير آمنة، مشيرة إلى أن الانفتاح غير المنضبط على ثقافات أخرى عبر هذه المنصّات قد يؤدي إلى تراجع الهوية الثقافية المحلية، حيث تتأثر القيم والعادات العُمانية بمؤثرات خارجية قد لا تتوافق مع السياق الاجتماعي، مما يثير مخاوف حول فقدان بعض الملامح الأصيلة للهوية الوطنية. إضافة إلى ذلك، فإن انتشار الشائعات والمعلومات المضللة عبر هذه المنصّات يخلق حالة من القلق والانقسام داخل المجتمع، ويؤثر على الثقة بين الأفراد والمؤسسات، خاصة حين تتعلق هذه المعلومات بقضايا حساسة أو وطنية. ولا يمكن إغفال ظاهرة الإدمان الرقمي، التي تؤثر على الأنشطة الاجتماعية الواقعية، وتزيد من معدلات الانسحاب من الحياة العامة، حيث يصبح الفرد أسيرًا للتفاعل الافتراضي على حساب دوره الفعلي في المجتمع. إلى جانب ذلك، فإن نشر الأفكار الهدامة عبر هذه المنصّات يشكّل خطرًا مضاعفًا، إذ تستغل بعض الجهات سهولة التخفي والانتشار لاستهداف فئة الشباب بدعوات تخريبية أو تحريضية، وهو ما قد يؤدي إلى خلخلة النظام الاجتماعي والسياسي، وإضعاف قيم المواطنة والانتماء. كما أن انتهاك الخصوصية الشخصية يُعد من أبرز المخاطر، حيث يسهل اختراق الحسابات وتسريب المعلومات والصور، مما يعرّض الأفراد للابتزاز والتشهير، ويترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة. هذه المخاطر مجتمعة تُظهر أن الاستخدام غير السليم للمنصّات الرقمية لا يقتصر أثره على الفرد فحسب، بل يمتد ليطال البنية الاجتماعية بأكملها، مما يستدعي تدخلًا واعيًا ومؤسسيًا للحد من تداعياته، وإيجاد توازن يحافظ على خصوصية المجتمع العُماني وقيمه الأصيلة.
توصيات
وعن التوصيات المقترحة للحد من خطورة الاستخدام غير السليم للمنصات الرقمية، ترى أبرار الحضرمي أن مواجهة المخاطر الاجتماعية الناتجة عن سوء استخدام المنصّات الرقمية في المجتمع تتطلب رؤية شمولية تجمع بين التربية، والتشريع، والوعي المجتمعي. وذلك من خلال تعزيز التربية الرقمية في المؤسسات التعليمية، بحيث يتعلم الطلبة منذ المراحل المبكرة قواعد السلوك الرقمي الآمن، وأهمية التوازن بين العالم الافتراضي والواقعي. هذه التربية لا ينبغي أن تقتصر على الجانب التقني، بل يجب أن تشمل القيم الأخلاقية والاجتماعية التي تحافظ على هوية المجتمع وتمنع الانجراف وراء أنماط سلوكية دخيلة.
وأضافت: من الممكن إطلاق حملات توعوية وطنية تستهدف مختلف الفئات العمرية، تركز على مخاطر التنمر الإلكتروني، والشائعات، والإدمان الرقمي، مع إبراز نماذج إيجابية للاستخدام البنّاء للمنصّات. هذه الحملات يمكن أن تُنفذ عبر الإعلام التقليدي والرقمي، وتستفيد من الشخصيات المؤثرة في المجتمع لنشر رسائل توعوية مؤثرة. كذلك تفعيل التشريعات والرقابة لضبط المحتوى المسيء أو المضلل، مع توفير آليات للإبلاغ السريع تضمن حماية الأفراد من الانتهاكات الرقمية. كما يمكن تطوير شراكات بين المؤسسات الحكومية والمنصّات العالمية لضمان تطبيق القوانين المحلية بما يحمي المستخدمين العُمانيين.
وتؤكد أبرار الحضرمي ضرورة التشجيع على ممارسة الأنشطة البديلة، مثل الرياضة، والفنون والأنشطة الثقافية، لتقليل الاعتماد المفرط على المنصّات الرقمية وإعادة إحياء الروابط الواقعية، والتي بدورها تتيح للشباب فرصًا للتفاعل المباشر، وتساعد على بناء شخصيات متوازنة قادرة على الجمع بين العالمين الواقعي والافتراضي. وفي ذلك لا بد من إشراك الأسرة والمجتمع في عملية التوجيه والمتابعة، بحيث يصبح الاستخدام الرقمي جزءًا من الثقافة الأسرية الواعية التي توازن بين الحرية والمسؤولية؛ فالمتابعة الأسرية، إلى جانب الحوار المفتوح، يمكن أن تحد من الانحرافات السلوكية وتدعم الاستخدام الإيجابي.