ولكن هذا الهم لا يمثل شرًّا في حقيقة الأمر، وإنما هو أشبه بضريبة يدفعها كل من يقوم بإعمال الفكر؛ ذلك أن شر الفكر ينشأ، لا من الفكر في حد ذاته، وإنما حينما يجنح هذا الفكر إلى الاستغراق في الأوهام والضلالات.
وأنا لا أقصد هنا تلك الأوهام والضلالات التي يعاني منها الشخص المصاب بمرض عقلي، والتي يكون تشخيصها وعلاجها من اختصاص علماء وأطباء النفس، وإنما أقصد تلك التي تكون شائعة في أفكار وتصورات عموم الناس، ثم يجب التحرر منها، وتلك هي المهمة التي اضطلع بها كثير من الفلاسفة.
ولذلك فإننا إذا افترضنا أن هؤلاء فُكت أغلالهم وخرجوا إلى العالم الخارجي فسوف يبهرهم ضوء الشمس، ويمضون وقتًا حتى يعتادوا رؤية هذا العالم الخارجي، ويدركوا أن ما كانوا يرونه هو مجرد وهم وخداع! فما الوهم والخداع هنا؟ إنه يعني ببساطة ألا نعيش أسرى لفكرة أو تصور ما لا صلة له بما يجري في عالم الواقع أو الحقيقة.
هذا تأويلي لأفلاطون في هذا الصدد (من دون دخول في التفاصيل المعقدة للصلة بين الواقع والحقيقة، ومفهوم الواقعية الميتافيزيقية عند أفلاطون، وغير ذلك من القضايا التي يمكن أن يُعنى بها المتخصص في الفلسفة، ولكنها لا تشغل بال القارئ العام).
فهناك «أوهام الجنس البشري» Idols of the race، وهي أوهام متأصلة في طبيعة العقل البشري ذاته الذي يميل إلى التجريد والتعميم بناءً على مجرد ملاحظة وقائع أو حالات قليلة من دون التفات إلى الحالات التي تنفي هذا التعميم الذي يميل إلى تأييد كل ما يتوافق مع التصور أو الفكرة التي يتبناها، واستبعاد الوقائع والحجج التي تتعارض معها.
وهناك «أوهام الكهف» Idols of the Cave، وهي الأوهام الناشئة من الطبيعة الفردية لكل منا التي تشكلت من خلال الطبيعة والبيئة والتربية،...إلخ التي تبدو في النهاية أشبه بالكهف الأفلاطوني؛ لأنها تشكل في النهاية رؤيتنا للأشياء بحسب طبيعتنا وميولنا الشخصية.
وهناك ما يسميه «أوهام السوق» Idols of the Market-Place، وهي تلك المتعلقة بطبيعة استخدام العوام أو السوقة للغة، تلك اللغة التي تنشأ عن اجتماع الناس بعضهم مع بعض، فيستخدمون ألفاظًا وتصورات عامية تنطوي على غموض وتناقضات، ثم يتجادلون حولها من دون وعي بأنهم يتجادلون حول أوهام.
وهناك ما يسميه بيكون «أوهام المسرح» Idols of Theatre، وهي تلك المذاهب والمعتقدات المتوارثة التي يراها بيكون أشبه بروايات مسرحية قد أنتجتها عقول الفلاسفة على مر العصور (ومنهم أفلاطون وأرسطو على سبيل المثال).
ولا ينبغي الظن بأن هذا التوجه الفلسفي كان توجهًا تقليديًّا مقصورًا على العصر الحديث، بل نجده متواصلًا في الفكر الفلسفي المعاصر، وبوجه خاص في مجال الفينومينولوجيا وفلسفة التأويل المتأثرة بها. ذلك أن الفينومينولوجيا Phenomenology، تعني حرفيًّا: علم الظاهرات، أو لنقل بمعنى أكثر دقة: إنها علم وصف وتأويل الظاهرات كما تتبدى لوعينا.
ومن هنا يمكن أن نفهم دلالة الشعارات التي رفعها هوسرل مؤسس الفينومينولوجيا للإفصاح عن هذا التوجه الفلسفي؛ ومن ذلك على سبيل المثال: أن هذه الفلسفة «بلا فروض مسبقة»؛ لأنها تضع كل الفروض المسبقة بين قوسين، أي تقوم بتعليق الحكم عليها، لتعكف على وصف الظواهر كما تتبدى للوعي. ومن ذلك أيضًا ذلك الشعار الشهير الذي رفعه هوسرل بقوله: «كل وعي يكون وعيًا بشيء ما»، لينبهنا إلى تلك الحقيقة البسيطة والبديهية، وهي أن كل وعي (ثم، كل فكر) ينبغي أن ينطوي على موضوع للتفكير يكون حاضرًا أمام الوعي.
ولا شك في أنه من دون فهم لطبيعة هذا الموضوع أو تلك الظاهرة، لا يمكن أن يتأسس أي وعي.