في العام الماضي في ذات لحظة يوم المولد النّبويّ والّذي يصادف رسميّا عندنا الثّاني عشر من ربيع الأول؛ كتبت في جريدة $ مقالة: «المولد النّبويّ في التّأريخ والتّراث العُمانيّ»، كما كتبت مقالات عدّة حول المناسبة، كمفردات المولد وأسبوع الوحدة، والمولد النّبويّ عند الإباضيّة، وفي كتابي «التّعارف» عملتُ مقارنة بين مناسبات المذاهب الإسلاميّة في عُمان، ومنها قضيّة المولد النّبويّ، وفي كتابي «الجمال الصّوتيّ» تحدّثت عن المالد وتأريخه وعلاقته بالمولد النّبويّ.

ارتأيت هذا العام أن أكتب بشكل أعم أي على مستوى التّأريخ الإسلاميّ بشكل عام، فهناك مفردتان، التّطوّر التّأريخيّ للمولد، وتطوّر الممارسات الثّقافيّة المصاحبة للمولد.

أتحدّث في هذه المقالة حول «التّطوّر التّأريخيّ للمولد» من خلال سؤال من أين أتت فكرة الاحتفال بالمولد النّبويّ في التّأريخ الإسلاميّ؟

هناك العديد من الكتابات القديمة حول المولد، لكن غالبها في الجانب السّيريّ والموعظي والرّوائيّ بشكل عام، لكننيّ وجدت أفضل من كتب تأريخيّا -قديما وحديثا- المؤرخ المصريّ حسن أحمد السّندوبيّ (ت: 1967م)، صاحب جريدة الثّمرات، ألّف كتابه «تاريخ الاحتفال بالمولد النّبويّ من عصر الإسلام الأول إلى عصر فاروق الأول»، والّذي طبع سنة 1367هـ/ 1948م، وما زال على طبعته الحجريّة رغم أهمّيّته.

فكرة الكتاب كما يرويها في مقدّمته تعود إلى أحد مجالس المولد، «فقد جمعني مجلس من الفضلاء، يضمّ نخبة من العلماء، وفريقا من الأدباء، في أحد سرادقات الاحتفال بالمولد النّبويّ الشّريف، فتذاكروا تاريخ هذا الاحتفال، ومتى نبتت فكرته، وأيّان نشأت غُرّته.

فذهب كلّ واحد منهم مذهبا، وارتأى رأيا، وتَظنّى ظنّا، وكثر الأخذ والرّد فيما بينهم، وأنا أسمع وأزن. فلما رأيت أنّهم جميعا في واد، وحقيقة الأمر في واد آخر؛ أخذت أورد لهم نبذا مما أعلم في هذا الموضوع، وبما وقفت عليه من شؤونه وملابساته أثناء مطالعاتي، فقالوا لي بلسان واحد: ولم لا تضع مؤلفا في هذا الشّأن الذي تضاربت الأفكار في أصله، وتصارعت الآراء في حقيقة نشأته وفصله، وذكر أوّل من فكّر فيه، وفي أيّ بلد من بلاد الإسلام غُرست دوحته».

تتبع المؤلف تأريخ المولد ويمكن جعله على قسمين: قسم منذ بداية العهد النّبويّ وحتّى الدّولة البويهيّة، وكان بشكل عام دون تخصيص القطر المصريّ، وقسم منذ الدّولة الفاطميّة وحتّى الدّولة العثمانيّة والملكيّة المصريّة، حيث جعل مصر محورا لحديثه؛ لأنّ فكرة الاحتفال بالمولد النّبويّ ولدت في مصر، ولها أسبابها الدّينيّة والسّياسيّة، أمّا الدّينية فمصر كانت على المسيحيّة الأرثذوكسيّة القبطيّة، ولهم تعلّق بالموالد المسيحيّة وعلى رأسها ميلاد المسيح، وتطبّعوا بها في ثقافتهم وفنونهم، ولمّا دخل غالبهم في الإسلام بقي التّديّن الشّعبيّ متعلّقا بهذه المواسم.

على هذا وجدت الدّولة الفاطميّة المناخ الشّعبيّ مهيأ، فأحيت الاحتفال في موالد أربعة: المولد النّبوي، ومولد الإمام عليّ، ومولد السّيّدة فاطمة الزّهراء، ومولد الإمام الفاطميّ الحاضر، ثمّ تطوّرت إلى موالد ستّة: مولد النّبيّ، ومولد عليّ بن أبى طالب، ومولد فاطمة الزّهراء، ومولد ولديها الحسن والحسين، ومولد الخليفة الحاضر.

ومع مجيء الدّول السّنيّة، أي الأيوبيّين والمماليك أصبح المدار الأكبر للمولد النّبويّ، كما يقول السّخاويّ (ت: 902هـ): «وإذا كان أهل الصّليب اتّخذوا مولد نبيهم عيدا أكبر، فأهل الإسلام أولى بالتّكريم وأجدر» أي في مولد النّبيّ محمّد - صلّى الله عليه وسلّم-.

وأمّا الجانب السّياسيّ فيعود إلى تطوّر النّظريّة السّياسيّة في العالم الإسلاميّ، وصناعة هويّات انتمائيّة تميزها، من القرشيّة والصّحابة بشكل عام، وحتّى الهاشميّة وآل البيت بشكل خاصّ، فيرى السّندوبيّ أنّه «لم يفكّر أحد من الخلفاء الرّاشدين ... في أنّ لمولد الرّسول -صلوات الله عليه- من الشّأن ما يوجب تذكاره بصورة عامّة، أو الاحتفال به واقترانه بالواجبات الهائلة الّتي ألقاها الدّين على عواتقهم، ولم يروا فيه ما رآه غيرهم، ممّن جاء بعدهم ... من أجل ذلك لم يفكّروا في إحياء هذه الذّكرى الكريمة، ذكرى المولد النّبويّ الشّريف، ولم يجر لهم الاحتفال بها على خاطر».

وكذا الحال في الدّولة الأمويّة، رغم انتشارها وقيام عاصمتها دمشق في مواضع مسيحيّة، «لم يركض خاطر العناية بالذّكرى النّبويّة في رأس أحد من رؤوسهم، ولم يفكّروا في أنّ للرّسول الكريم يومَ ميلاد يصح تذكاره، أو اعتباره عيدا من أعياد الأمّة الإسلاميّة، ومواسمها الحافلة.

كما لم يفكّر في هذا زعيم ممّن تفرّدوا بإنشاء الدّول منهم في أطراف البلاد الّتي تدين بالإسلام كبلاد الأندلس وأفريقيّة، وما والاهما في تلك الحقبة».

واستمرّ الحال في الدّولة العبّاسيّة، مع الانتقال من العموم القرشيّ إلى الخصوص الهاشميّ، «لهذه الأسباب كلّها مجتمعة، أو متفرّقة، لم تجر فكرة اتّخاذ مولد النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- عيدا إسلاميّا، أو موسما قوميّا، يحسن الاحتفال به على قلب أحد من هؤلاء جميعا، ولو كان خطر لأحد من العباسيّين خاطر الاحتفال بهذه الذّكرى الكريمة، لحال دون إنفاذها أن تكون من الأسباب الّتي يتذرع بها أنصار الدّعوة العلويّة، وأعضاد الفكرة الطّالبيّة، ويكون في ذلك تقوية لدعوتهم، وإرهاف لحدّهم».

فكرة صناعة الهويّات الانتمائيّة الاحتفائيّة بدأت مع ملوك بني بويه والّذين تغلّبوا على خلفاء بني العبّاس، وبسطوا سلطانهم على بغداد، ومع أنّ «هؤلاء القوم الّذين كانوا يغالون في التّشيّع لآل بيت الرّسول... لم يفكّروا في إحياء ذكرى مولد الرّسول - صلوات الله عليه -، واتّخاذها عيدا يندب الاحتفال به... اتّجهوا بالكثير من عنايتهم إلى التّوسع في إحياء بعض الأعياد الفارسيّة، وعلى الخصوص أيام النّيروز والمهرجان، فقد كانوا يعنون بها ويقيمون لها الاحتفالات الشّائقة»، ولمّا جاء معزّ الدّولة البويهيّ (ت: 356هـ) «والذي كان من عظماء ملوكهم، وواسطة عقدهم، كان أول من دعا إلى إشهار الاحتفال بعيد الغدير بالفرح والسّرور، وإلى إحياء يوم عاشوراء بالتّحازن والتّباكى والنّواح، وحمل النّاس فيه على إظهار الأسى... ومع هذا كلّه لم يفكّر في إحياء الذّكرى النّبويّة»، وتطوّرت مظاهرها مع الدّولة الصّفويّة.

في المقابل لمّا قامت الدّولة الفاطميّة في 385هـ/ 969م، وكانت شيعيّة إسماعيليّة، ساروا على مسلك صناعة الهويّات الانتمائيّة الدّينيّة، فكانوا «أول من ابتدع فكرة الاحتفال بذكرى المولد النّبويّ الشّريف، وجعلوه من الأعياد العامّة في كلّ أمّة من الأمم الإسلاميّة، كما ابتدعوا غيره من الاحتفالات الدّوريّة».

وجود الدّولة الفاطميّة في مصر، واتّخاذها القاهرة عاصمة لها بعد المهديّة في تونس، كما أسلفت وجدوا المناخ الشّعبيّ مناسبا لابتداع هذه المناسبة، فالمعزّ لدين الله الفاطميّ (ت: 365هـ) فكّر «في الوسائل الكفيلة باستمالة القلوب، وامتلاك النّفوس، واستثارة العواطف، حتّى تألف الأمة المصريّة تصرفات هذه الحكومة الجديدة، وترضى عن سياستها في إدارة البلاد، ولمّا كانت الميول العامّة لطبقات الأمّة المصريّة متجهة إلى حبّ آل بيت الرّسول، مع الاعتدال في التّشيّع لهم .. رأى المعزّ لدين الله أنّ أقرب الأسباب للوصول إلى أغراضه من هذا الميل العام الالتجاء إلى الأمور الّتي تمت بصلة إلى المظهر الدّينيّ، فهداه تفكيره إلى أن يقرّر إقامة مواسم حافلة، وأعياد شاملة، في مواعيد مقرّرة، وأيام مقدّرة، وكان من أولها وأجلّها وأفضلها الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشّريف».

ولمّا حاول شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجماليّ سنة ٤٨٨هـ/ ١٠٩٥م إبطال الاحتفال، أو توقيف الاهتمام ودعمه، إلّا أنّه وجد النّاس تطبّعوا على هذا الأمر، «فأصبح عند عامّة النّاس من السّنن الواجبة الّتي لا يصح إغفالها... وكان رجال الدّولة يتغافلون عنهم، ويغضّون النّظر عن تصرفاتهم، ولا يحاولون إزعاج أحد يقوم بذلك؛ لأنّهم لم يقبلوا أمر الإبطال إلا مكرَهين».

وفي بداية العهد الأيوبيّ حاول صلاح الدّين (ت: 589هـ) إبطال جميع الممارسات الفاطميّة ومنها الاحتفال بالمولد، لكن الواقع الشّعبيّ كان متطبعا بهذه الحادثة، وفي هذا العهد تحول الاحتفال من خصّيصة شيعيّة إلى ثقافة سنيّة أيضا، خصوصا في الأجواء الصّوفيّة، لأنّ «فكرة الاحتفال بذكرى المولد النّبويّ... صارت من الأمور الّتي ألفتها الأمّة، ودخلت في تقاليدها الهامّة، وجرت منها مجرى العقائد الواجبة الرّعاية والأداء، وأصبحت عندها من الشّعائر الّتي يعزّ عليها إغفالها، أو ترك القيام بها في أوقاتها الّتي أضحت مقدّسة، ولذلك فقد كان الشّعب يصرف عنايته إلى الاحتفال بهذه الذّكرى الكريمة في إبانها، وينهض به من تلقاء نفسه، غير منتظر وازعا نزعه، أو دافعا يدفعه، من جهة رسميّة أو غير رسميّة».

واستمرّ الحال ذاته عند المماليك، وارتبط بالأغاني والطّبول، وكان يحتفى منذ بداية محرّم وحتّى ربيع الأول، «وكان يعمل [المولد] سنة في ثامن الشّهر، وسنة في ثاني عشره؛ لسبب الاختلاف الّذي فيه».

وفي الدّولة العثمانيّة «توسعوا في الاحتفالات... ووضعوا لها رسوما أي أياما رسميّة محدّدة»، وصارت أربعة أعياد في العام، عيديّ الفطر والأضحى، وعيد أول السّنة الهجريّة، وعيد الميلاد والجلوس السّلطانيّ، وأضيف إليها المواسم الرّسميّة المتمثلة في ليالي القنديل (نسبة إلى القناديل أو الفوانيس الّتي تضاء في الطّرق والمساجد) وهي: ليلة القدر والمعراج والنّصف من شعبان وليلة الجمعة الأولى من رجب وليلة المولد النّبويّ.

الحالة في غالب العالم الإسلاميّ اليوم، ومنها بلدنا عُمان، يعيش الحالة العثمانيّة، من حيث ترسيم المناسبات، وجعلها مناسبات دينيّة مرسومة، مع التّأثر الذّي حصل بعد ما يسمّى بالصّحوة الإسلاميّة مع مناسبة المولد خصوصا، وانحسار الجانب الثّقافيّ حوله، بيد أنّه ما زال مرسوما في غالب العالم الإسلاميّ، وطقسا ثقافيّا دينيّا عند العديد من الشّعوب الإسلاميّة.