عندما لا يطالب الرئيس ترامب بأن يكون مضيق هرمز أرضا تابعة للولايات المتحدة، فإن إدارته تطالب بأن يرجع المضيق إلى طبيعته ممرا دوليا مجانيا لإمدادات النفط العالمي. وعلى الرئيس أن يواجه الواقع: لن يحدث أي من هذين الأمرين. ولا بد من إعادة فتح المضيق، ولو كان الثمن هو أن تفرض إيران رسوما على المرور فيه.
وسوف تكون هذه النتيجة هزيمة للولايات المتحدة. لكنها في الوقت الراهن هي الخيار الأقل سوءا.
لقد كشفت الحرب مع إيران عن أمرين: أن إيران لا يمكن أن تغلق مضيق هرمز إغلاقا كاملا، وأن الولايات المتحدة لا يمكن أن تفتح المضيق فتحا كاملا. وبرغم شهور من ضربات القنابل والصواريخ الأمريكية، أظهرت إيران أنها لا تزال قادرة على إحباط حركة ناقلات النفط في المضيق الذي كان يمر عبره خمس إمدادات النفط العالمية قبل أن يضرب الرئيس ترامب إيران في فبراير الماضي.
مضيق هرمز ممر يبلغ طوله تسعين ميلا ويتخذ شكل حدوة الحصان ويتيح للبلدين الواقعين على جانبيه ـ أي إيران في الشمال وسلطنة عُمان في الجنوب ـ القدرة على تعطيل الملاحة فيه.
ويوفر ساحله الوعر كثيرا من الملاذات الآمنة لصواريخ إيران دقيقة التوجيه وطائراتها المسيرة وزوارقها الهجومية كي تهدد السفن بتكتيكات «الضرب والانسحاب» التي يستحيل الانتصار عليها انتصارا حاسما.
وبوسع إيران أن تنتج من هذه الأسلحة إنتاجا رخيصا ولا ينتهي، فيكون الهجوم الإيراني خطرا مزمنا على العبور في مضيق هرمز لا يمكن حتى لصفقة تفاوضية مع طهران أن تنهيه.
ولقد أحجمت شركات الشحن الخاصة عن المخاطرة بأطقمها وشحناتها في مقابل أمن غير كامل فأتاح ذلك لإيران أن تكبح حركة الملاحة دونما مهاجمة لكل سفينة تحاول العبور.
فحتى في ظل مساعدة عسكرية من الولايات المتحدة استنزفت ذخائرها وأرهقت بحريتها، لم يعبر إلا قرابة خمسة ملايين برميل من النفط يوميا في المضيق دون موافقة إيرانية صريحة، مقارنة بعشرين مليون برميلا في اليوم قبل الحرب.
وتنطوي العمليات بعيدة الأجل أمريكية القيادة لتهريب النفط عبر مضيق هرمز على مخاطرة بخسائر بشرية أمريكية وعبء على دافعي الضرائب الأمريكيين.
ولسوف يكون الشعب الأمريكي محقا حينما يشكك في جدوى تمويل المرور الآمن لبلاد عازفة عن المساعدة في فتح المضيق، في الوقت الذي تستطيع فيه هذه البلاد أن تدفع ثمن مرورها بنفسها.
من الناحية المالية، تمثل رسوم المرور صفقة أفضل بالنسبة للولايات المتحدة وبالنسبة للعالم من شبه إغلاق ممتد للمضيق. وفي حين أن صمود أسواق النفط العالمية الراهن يدهش الكثيرين، فإن العجز اليومي في الإمدادات الذي يصل إلى أربعة عشر مليون برميل في ذروة الحرب قد تسبب في تقليص كبير للاحتياطيات العالمية من الخام والمنتجات النفطية.
إذ أدى ذلك ببطء إلى إجهاد الاحتياطيات التي حافظت على الارتفاع المعتدل لأسعار النفط في الأيام السابقة على الحرب.
وإذا ما تسبب مأزق مضيق هرمز في ارتفاع كبير في أسعار النفط، فقد ينجم عن ذلك ضرر اقتصادي جسيم، وبخاصة بالنسبة للولايات المتحدة التي يعتمد اقتصادها على النفط اعتمادا يفوق كثيرا غيرها من القوى العظمى من قبيل روسيا والصين.
وبرغم ما قد يمثله فرض ضرائب على المرور في هرمز من حرج للولايات المتحدة وللرئيس دونالد ترامب على المستوى الشخصي، فإن دفع المال في مقابل المرور الآمن سوف يشجع إيران على السماح بمرور أكبر عدد ممكن من السفن تحصيلا للمزيد من الرسوم.
وفي حال تحول إيران إلى الاعتماد على عائدات إدارة المضيق، فإن إغلاقه في المستقبل لأسباب سياسية سوف يزداد صعوبة.
تجري إيران بالفعل محادثات مع سلطنة عُمان بشأن مستقبل مضيق هرمز. وقد تعزز إدارة مشتركة للممر المائي التعاون الإقليمي وتحفز إيران على إبداء حس المسؤولية بتهدئة خطابها وتحسين سلوكها.
وقد تسمح لإيران في نهاية المطاف بالانضمام من جديد إلى المجتمع الدولي، وتمنحها اعترافا من شأنه أن ييسر عليها التخلي عن البرنامج النووي الذي يعد بالنسبة لها مصدرا بديلا للمكانة.
سوف يعود فرض الرسوم بفوائد على إيران من الناحية المالية، لكن العوائد ـ حتى بأعلى التقديرات ـ لن تكفل لإيران تعويض خسائرها في الحرب التي تقدر بمائتين وسبعين مليار دولار. ففي حال تحصيل إيران ما بين ستة مليارات وأربعة عشر مليار دولار من رسوم المرور سنويا، وهو ما تذهب إليه بعض التقديرات، فإنها قد تقضي قرابة عشرين عاما لتعويض خسائر الحرب.
وفي هذه الغضون، سوف تقلص تغيرات السوق من أهمية مضيق هرمز، حيث يقيم مصدّرون في المنطقة خطوط أنابيب بديلة، وحيث إن التحول إلى المركبات الكهربائية يسفر عن تقليص الطلب على النفط.
نعم، يمثل السماح لإيران بالسيطرة على مضيق هرمز سابقة سيئة تشجع بلادا أخرى متاخمة لممرات شحن رئيسية على أن تسيطر عليها، لكن ما يحدث في هرمز سوف يبقى على أرجح التقديرات مقصورا على هرمز، بسبب طبيعته الجغرافية الفريدة وبسبب الأهمية السوقية لنقل نفط الخليج العربي بنحو لا مثيل له في ممرات مائية أخرى.
فليس بوسع جماعة الحوثيين القائمة في اليمن واقعيا أن تحاكي مقامرة إيران في هرمز لأنها لا تسيطر إلا على شذرة من ساحل البحر الأحمر، ولأن صواريخها ومسيراتها وما لديها من أنظمة للاستهداف أقل قدرة بكثير من نظيراتها الإيرانية.
ولقد تسببت الحملة الحوثية في ما بين عامي 2023 و2025 على الشحن في البحر الأحمر إلى تقليص المرور فيه، لكن كميات كبيرة من الشحنات ظلت تعبر المضيق. ولم تتسبب أغلب هجمات الحوثيين في أضرار ذات شأن، بل إن منها ما لم يسفر عن أي أضرار. وكان لدى شركات الشحن مسار بديل جيد، بالمرور حول رأس الرجاء الصالح محتملة قدرا إضافيا هامشيا من تكلفة الوقود لا يتجاوز مليون دولار للسفينة.
يرى علماء اجتماع بارزون أن الضرائب جميعا إتاوات. ويبين لنا التاريخ أن من يقدر على توفير الأمن ـ أو التهديد بالعواقب ـ في منطقة جغرافية معينة غالبا ما يفرض سلطة سياسية وضرائب على تلك المنطقة. ولقد أظهرت إيران أن لديها سيطرة فعلية وكبيرة على مضيق هرمز.
وليس في هذا كله ما هو مثالي بالنسبة للولايات المتحدة. لكن كلما سارعنا بقبول هذا الواقع الجديد، كان هذا خيرا للمستهلكين، وللاقتصاد العالمي، وللاستقرار في المنطقة. وعسى أن تثني السيطرة الإيرانية الدائمة على مضيق هرمز رؤساء قادمين للولايات المتحدة ـ أو الرئيس ترامب نفسه ـ عن شن حروب خطيرة لا داعي لها.