«من أربعة إلى ستة أسابيع فقط، هذا كل ما نحتاج إليه لهزيمة إيران وحلفائها». هكذا صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بدايات الحرب التي شنتها القوات الأمريكية والإسرائيلية على إيران مؤكدًا أن الحرب لن يطول أمدها، وأن نتيجتها محسومة بسقوط النظام الإيراني وتحقيق الأهداف التي شُنت الحرب من أجلها.
كان ذلك هو التقدير الأمريكي في الأيام الأولى حين بدا أن التفوق العسكري الهائل للولايات المتحدة وإسرائيل قادر على حسم المواجهة خلال أسابيع قليلة، وأن إيران لن تتمكن من الصمود طويلًا أمام حجم الضربات التي تعرضت لها.
لكن الحروب لا تسير دائمًا وفق الحسابات التي تضعها الدول قبل بدايتها، وما يبدو سهلًا في غرف التخطيط قد يصبح أكثر تعقيدًا عندما يبدأ القتال على الأرض.
اليوم، انقضى نصف عام تقريبًا منذ الهجمات الأولى على طهران في 28 فبراير 2026، ولم تحقق الحرب الغاية التي شُنت من أجلها، ولم تتمكن أطراف الصراع من إنهائها، ولا حتى من التوصل إلى اتفاق واضح بشأن البرنامج النووي الإيراني الذي كان أحد الأسباب الرئيسة التي قيل إن الحرب شُنت للقضاء عليه.
بل إن الوضع أصبح أكثر تعقيدًا وتأزمًا مما كان عليه قبل اندلاع الحرب؛ فقد امتدت المواجهة إلى دول الجوار عندما شنت إيران هجمات على عدد من دول الخليج بحجة استضافة قواعد عسكرية أمريكية، أو تقديم الدعم للعمليات الأمريكية، لتجد دول المنطقة نفسها أمام حرب لم تكن طرفًا مباشرًا فيها، لكنها أصبحت تدفع ثمنها أمنيًا واقتصاديًا.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك؛ إذ انتقلت المواجهة إلى واحد من أهم الممرات البحرية في العالم بعدما أقدمت إيران على إغلاق مضيق هرمز، وهددت حركة السفن العابرة فيه بما في ذلك التلويح باستخدام الألغام البحرية، لتتحول الحرب من مواجهة بين أطراف محددة إلى أزمة تتجاوز حدود المنطقة، وتهدد إمدادات الطاقة وحركة التجارة العالمية.
وهكذا بعد ستة أشهر من الحرب، لم يعد السؤال فقط: متى ستنتصر الأطراف المتحاربة؟ بل أصبح السؤال الأهم: متى تنتهي هذه الحرب؟ ومن سيدفع ثمن استمرارها؟
مسارات التاريخ تقول: إن الحروب إذا بدأت لا يمكن إنهاؤها بسهولة، إلا في حالات نادرة استطاعت فيها بعض الدول قهر دول أخرى كانت شبه منهارة في الأصل، أو لم تكن تملك القدرة على خوض حرب طويلة، لكن القاعدة الأوسع تقول: إن الحروب قد تطول لسنوات، وإن انتهت المعارك سريعًا فإن آثارها وخرابها ودمارها قد تستمر لعقود طويلة، وربما تمتد إلى جيلين أو ثلاثة من الأجيال.
فالحرب العالمية الأولى انتهت عسكريًا في عام 1918، لكنها خلفت أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية ساهمت في تشكيل العالم الذي قاد لاحقًا إلى الحرب العالمية الثانية. وفي فيتنام انتهت الحرب بعد عقود من القتال، لكن آثارها البشرية والاقتصادية والنفسية ظلت حاضرة لسنوات طويلة.
أما العراق الذي انتهت فيه العمليات العسكرية الرئيسية سريعًا في عام 2003 فقد استمر الصراع والعنف والاضطراب السياسي لسنوات طويلة بعد ذلك. التاريخ إذن لا يقدم لنا كثيرًا من الأمثلة التي يمكن الاستناد إليها للقول: إن الحرب يمكن أن تكون قصيرة ومضمونة النتائج في الوقت نفسه.
وفي حالتنا هذه يبدو أن صقور الحرب لم يقرأوا جيدًا تاريخ البلد الذي قرروا الدخول في مواجهة معه، ولا تاريخ المنطقة بأكملها رغم التحذيرات التي أطلقها معظم المحللين والسياسيين والخبراء العارفين بجغرافيا المنطقة وتركيبتها الاجتماعية والسياسية من أن هذه الحرب قد تمتد لسنوات طويلة، وأنها قد تتحول إلى حرب استنزاف، يلجأ فيها الخصم إلى أسوأ السيناريوهات للدفاع عن نفسه وعن وطنه، خصوصًا عندما يشعر أن وجوده نفسه أصبح مهددًا.
ورغم كل التحذيرات التي سبقت الحرب، ورغم أن الدبلوماسية حاولت تقريب وجهات النظر بين الأطراف والوصول إلى حل بشأن الملف النووي الإيراني؛ أُغلقت الأبواب في وجه الدبلوماسية في الوقت الذي كانت فيه بحسب ما كان يعلن آنذاك، تقترب من تحقيق تقدم يمكن أن يفتح طريقًا للحل.
وحتى بعد اندلاع الحرب ظلت الدبلوماسية تحذر من مغبة استمرارها؛ لأن إطالة أمدها لن تعود على أطرافها ولا على العالم بفائدة حقيقية، وإنما ستوسع دائرة الخسائر والدمار، وتدفع المنطقة والعالم إلى مزيد من عدم الاستقرار. وقد يكون المستفيد الوحيد من استمرار هذه الحرب هو إسرائيل، التي ترى في إضعاف إيران فرصة لإعادة تشكيل المنطقة وفق رؤيتها ومصالحها، حتى وإن كان الثمن مزيدًا من الخراب في الشرق الأوسط بأكمله.
نصف عام انقضى، ولا يبدو في الأفق حتى الآن ضوء واضح يبشر بانتهاء هذه الحرب، فلا المضيق فُتح، ولا جرى التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، ولا تمكنت الدبلوماسية العالمية من إقناع الولايات المتحدة بضرورة وقف الحرب والعودة إلى طاولة المفاوضات.
وبدلًا من أن تكون الحرب طريقًا إلى حل الأزمة، أصبحت الأزمة نفسها أكبر من ذي قبل، ودخل العالم كله في نفق مظلم لا تبدو له نهاية واضحة.
فالحرب لم تعد شأنًا يخص إيران والولايات المتحدة وحدهما، وإنما امتدت آثارها إلى الاقتصاد العالمي، وأصبح العالم يعاني من أزمات في الطاقة، وارتفاع في الأسعار، وغلاء في المعيشة، واضطراب في سلاسل الإمداد بسبب التهديدات التي طالت واحدًا من أهم الشرايين الحيوية لإمدادات النفط في العالم.
والأخطر من كل ذلك أن استمرار الحرب قد يعني المزيد من الخراب والدمار، وربما يقود إلى إعادة تشكيل خريطة الجغرافيا السياسية الحديثة بصورة يصعب التنبؤ بحدودها الآن.
فقد بدأت أصوات كثيرة من المحللين والمراقبين تحذر من أن هذه الحرب قد لا تنتهي بمجرد توقف إطلاق النار، وإنما قد تكون بداية لتحول أكبر في النظام الدولي نفسه مع عودة التكتلات السياسية والاقتصادية والعسكرية إلى الواجهة، ومحاولة قوى دولية وإقليمية إعادة بناء تحالفاتها للدفاع عن مصالحها ووجودها في عالم ظل لسنوات طويلة يعيش تحت هيمنة قطب واحد على المشهد السياسي والعسكري. وهنا ربما تكمن المفارقة الكبرى في هذه الحرب: أنها بدأت بهدف تغيير معادلة في الشرق الأوسط، لكنها قد تنتهي بتغيير معادلات العالم كله.