هنالك كتابة رديئة حقًّا. وقد يخطر على بال الكثير منكم الآن أنني أقصد كتب «المراهقين» التي تتعرض بين الحين والآخر لهجمات شرسة، وتصبح بيدقًا بيد المتنافسين من النقاد مهما بلغت شهرتهم ودرجة تحققهم، فلنرَ مثلًا صراع «الغذامي والبازعي» الشهير.

لكنني لا أعني هذه الكتابة، التي يسهل تمييز عيوبها، مع أنني قد أتحفظ على مسألة العيوب هذه لسياقات عديدة.

الكتابة الرديئة بالنسبة لي هي تلك التي تبدو كاملة، مثل سطح مصقول دون خدوش، ودون فراغات.

نعم، هنالك لغة «جزلة» تسير باتجاه واضح غير متردد، تبدو مثل كيان مصمت، مستوٍ، ولا نستطيع الإمساك بأخطائها أبدًا. وربما لهذا السبب تحديدًا هي كتابة رديئة؛ فهي لا تعتمد عليّ كمتلقٍ للنص، إنها تُشبع ظاهريًّا، ولكنها لا تحرك المياه الراكدة، في تنويعة على كافكا في قوله إن الكتاب الجيد مثل خبطة على أدمغتنا.

إذا ما فكرنا في الموسيقى، فإن الفراغ بين نغمة وأخرى هو جزء بنيوي من اللحن، إنه هنالك لغرض ما، أما في السينما، وكما يكتب لنا عبدالله حبيب في «كثيرة جدًّا هذه اليابسة»، فإن صوت الصمت في السينما هو «نغمة الغرفة».

السؤال هو: هل يتعمد كاتب ملء الثغرات؟ أم أنه ببساطة يفتقد القدرة على اختراعها ولو بطريقة لا واعية هناك؟ هل هي موهبة إذن؟ لا أستطيع الجزم في ذلك، لكن ما أعرفه أن الكاتب الجيد يتعامل بحساسية تجاه العالم الذي يعيش فيه، هو شكاك، ومتردد؛ إذ يدرك أنه لا يفهم الكثير عن هذا العالم، ثم إنه لن يتمكن يومًا من التعبير تمامًا عما يفكر به ذهنيًّا.

إن الكتابة هي في غالب الأحيان صدى ليس دقيقًا لما يدور هناك في العالم الداخلي للكاتب. هنالك أيضًا احتمال لمسألة أن إدراك الكاتب لكون ما يكتبه ليس سوى حدس خاص لا علاقة له بالحقيقة، فإنه، وفي مرحلة معينة، يترك ذلك لينعكس على ما يكتب، إنه يمتثل فقط لذلك الإدراك.

لطالما كان الفراغ مهمًّا، الثقوب مهمة؛ إنها مثل ما يُبحث عنه في الأرشيف، فإذا كان المنتصر أو الحكم السائد هو من يحدد ما ينبغي أن يوثق، فإن ذلك الذي لم يوثق له دلالة ما، إن غيابه ثقيل للغاية، وبإمكانه خلخلة سردية المتن الثقافي، فلنقرأ مثلًا «في أثر عنايات الزيات» لإيمان مرسال واستبعادها من الأرشيف الوطني رغم تجربتها الفريدة.

تُعد المتاحف أيضًا معرضًا للثقوب، فبمعرفة ما حدث في حقبة ما، يسهل تخمين ما الذي يحدث في الفراغ بين مقتنيات المتحف. إن تلك الثغور الصغيرة ممر لحرية ما، ومكان يجب أن يتم التحديق فيه بلا هوادة.

تبدو لي الثغور موقعًا للتفاوض مع السلطة، هنالك من لا يكتب شيئًا مباشرًا في نصه، لكنه مع ذلك يُشير إليه ببقية الكلام. إن التفاوض مع السلطة كان صنيعة المستعبدين في كل مكان على مر التاريخ؛ فالسود دقوا على سكك الحديد والأواني رسائلَ تصل لأقرانهم في مزارع القطن القريبة، كانت تلك التوليفة لغةً للتنظيم السياسي.

ألم تكن تلك ثغرة فاتت الرجل الأبيض والمستعمرين؟ في حالة جيش محمد علي باشا في مصر، عندما عزم على بناء أول جيش نظامي، حتى الدولة العثمانية التي كان يمثلها لم تكن قد نفذت مشروعه هذا آنذاك. وعندما فشل في تجنيد المختطفين من السودان، بعدما ماتوا إما في البحر أثناء نقلهم وإما بسبب أمراض عديدة، لم يكن هنالك سوى الفلاحين الذين خطط لاختطافهم.

لم تكن الدولة القومية قد تكونت كما هي عليه اليوم نهاية القرن التاسع عشر، لذا لم يكن هنالك «مصر» ليدافع عنها ذلك الفلاح، لم يكن هنالك سوى أرضه وعائلته التي يعيش معها.

لماذا سيغادر هؤلاء من أجل مشروع عسكري لرجل لا يعرفونه، بل إنه ممثل لسلطنة بعيدة، تتحكم بالحياة هنا؟ نفذ الباشا استراتيجيات عديدة، فعندما أمر باختطافهم اختبؤوا، وعندما تمكنوا من ذلك طلب من عمدة كل قرية أن يقدم أسماء المرشحين للتجنيد، وعندما تحايل العمدة على النظام، أمر بمحاصرة القرى والبلدات الصغيرة، وعندما نفدت خيارات الفلاحين غادروا أراضيهم مع عائلاتهم، وعندما لم يعد هذا مجديًا، تسببوا لأنفسهم بعاهات دائمة، أعمى البعض أعينهم، قص بعضهم أطرافه. كانت هنالك دومًا ثغور للهرب.

حسنًا، فلنعد للكتابة، إنني لا أجد شيئًا سوى الإيقاع الفظ والأرعن والصاخب لفرط انضباطه في الكتابة الرديئة. ليس ثمة مكان للمراوحة، ولا موقع للشكوك، وبالتأكيد ليست هنالك رسائل مضمنة، وإن لم تكن هنالك في عالم تحكمه القوة والبطش والقدرة على الاستبعاد الفوري، فما الذي تعنيه تلك الكتابة؟

ثمة مقالة أحبها للغاية لكيم بيل، لا أكف عن العودة إليها في كل مرة بعنوان «تاريخ الثقوب وثقوب التاريخ»، تُشير فيها إلى الاحتمالات التي تزخر بها الثقوب، لكنها تؤكد على أنه لا نهاية لها.

هذا يمنحني قدرًا من التفاؤل الذي نحن في أمس الحاجة إليه، التفاؤل بالقدرة على التغلب على المستبد والمجرم. تؤكد بيل على أن الثقوب تترك مساحة للتنبؤ بالماضي، لكنها تفعل أيضًا فيما يتعلق بالمستقبل.

تُشبه بيل الثقوب التي كانت تُصنع «فعليًّا» في لوحات وأوراق عديدة، بالخطوط التي نضعها أثناء التخطيط وقت القراءة، إنها تقول شيئًا عمن يقرأ، الملاحظات الجانبية أيضًا، تلك التعليقات تعطينا تصورًا عما يهمه، وكيف يتلقى ما يقرؤه، إنها لغة فظيعة في إمكانياتها، يبدو لي أنها مثل المكتبة، سيرة ذاتية للقارئ!

تستدعي بيل رولان بارت في هذا السياق، إذ اعتمدت نظريته حول الفوتوغرافيا على الثقب. فعيّن كلمة لاتينية لتعبر عن التأثير الشخصي والحاد للصور هي punctum، وتقتبس بيل عنه: «وَخز، ثقب صغير، بقعة صغيرة، قَطْع صغير، وأيضًا رمية نرد. الونكتوم هو تلك المصادفة، التي تخِزني (ولكنها أيضًا تؤلمني، تطعنني)».

إنه لا يلحظ أو يجد ثقبًا في الصورة، بل يستشعر خروج شيء منها: «ينطلق مثل سهم، ويخترقني»، وعند تأويل بنيامين تقول بيل إن الصور لا تتوفر على العناصر العاطفية بشرط أن المصور رغب بها، بل هي طارئة وعرضية، وهذا ما يؤكد عليه بنيامين. تكتب بيل: «ليس ما يسترعي انتباه بارت في صور عديدة شهيرة معناها العام، مثل أهوال الحرب، أو الحب العائلي، أو سبق حصري للمصوّر.

الونكتوم شيء صغير، غير مؤثر في المشهد، ومن المرجّح ألا يلحظه المصوّر، بل على النقيض، فهو يخاطب خبرات المُتلقّي الشخصية وذكرياته مباشرة. يُشير بارت إلى أظافر شخص في صورة ما، أو القلادة التي ترتديها إحداهنّ. هذه هي الأشياء الصغيرة التي تُرسل سهامها لتخترقنا، فيخلق المصوّر بها ثقوبًا لدى المتلقّين».

هنالك الكثير مما يمكن كتابته عن الصمت والثغور والثقوب. ما بتُّ أعرفه أن إحساسي بأن شيئًا ما ينقص كتابةً ما، على الرغم من أنها تبدو في سطحها كاملة ومتقنة، ما ينقصها الاحتفاء بالثغور الصغيرة التي يعرف الكاتب أهمية تركها ليقدم عالمًا جديدًا يخلخل عالمًا محكومًا بالسلطة والرداءة والقبح.

إنها كتابة لا تؤسس للغة تتجاوز لغة الواقع المحكوم بكل ما هو مشغول بإعادة إنتاج الواقع المأزوم. أو ببساطة لأنها لا تمنح فراغًا لي، أُدرك فيه نفسي كقارئة، وأتأنى قبل الكلمة القادمة في النص. هي أردأ من الكتابة التي يُشار إليها بالرداءة، لأنها متواطئة ضمنيًّا، وتصرخ لتمرير الزمن، نفس الزمن.