صلالة ـ بخيت الشحري -
* باحثون يستعرضون تجارب تاريخية في الملاحة والتجارة وحماية التراث المغمور
اختتم اليوم بولاية صلالة الملتقى العلمي الخامس والعشرون لجمعية التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بعد برنامج علمي تناول عددًا من الدراسات والأوراق البحثية المتخصصة في التاريخ والتراث البحري والمغمور بالمياه، والتجارة والملاحة، وطرق الحج، إلى جانب التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة عبر مراحل تاريخية مختلفة.
وعكست الدراسات المقدمة خلال الملتقى تنوع مجالات البحث التاريخي والأثري، وتعدد المناهج والمصادر المستخدمة في قراءة تاريخ الخليج العربي والمحيط الهندي، مع إبراز ما تزخر به سلطنة عُمان من إرث تاريخي وبحري وثقافي، وما ارتبط به من علاقات تجارية وحضارية مع مختلف مناطق العالم.
الرياح والتجارة
وقدم عبد العزيز أحمد علي المعشني من مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم دراسة بعنوان «الرياح والشراع: الملامح الثقافية والاجتماعية للتجارة العُمانية الهندية 1900–1947م»، تناول فيها أثر الرياح الموسمية في تنظيم التجارة بين عُمان والهند، ودورها في تحديد حركة السفن الشراعية ومواعيد التبادل التجاري عبر المحيط الهندي.
وركزت الدراسة على العلاقة بين العوامل البيئية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية، ودور الملاحة الموسمية في تشكيل الروابط بين المجتمعات الساحلية في عُمان والهند، إلى جانب حركة السفن والسلع وتأثير النشاط التجاري في المجتمعات الساحلية، موضحة أن الرياح الموسمية لم تكن عاملًا مناخيًا فحسب، وإنما إطارًا زمنيًا أسهم في تنظيم النشاط الاقتصادي والاجتماعي وتكوين فضاء ثقافي مشترك.
التراث المغمور بالمياه
وتناول الدكتور علي عبد الله مرزوق من جامعة الملك خالد في دراسته «الآثار الغارقة في المملكة العربية السعودية في ضوء الاتفاقيات الدولية» واقع الآثار الغارقة وآليات حمايتها، في ضوء الاتفاقيات والمواثيق الدولية، ولا سيما اتفاقية اليونسكو لعام 2001م بشأن حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه.
وركزت الدراسة على القيمة التاريخية والعلمية لهذا التراث والمخاطر التي تواجهه، ومنها السرقة والعبث والاستغلال غير المشروع، إلى جانب بحث مدى كفاية التشريعات المحلية وفاعلية الأطر الدولية، وأهمية تطوير منظومة قانونية متكاملة للمحافظة على الآثار المغمورة بالمياه.
وفي محور الأمن المائي، قدم الأستاذ الدكتور زهير بن عبد الله الشهري من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية دراسة بعنوان «التاريخ التطبيقي والأمن المائي في دول الخليج العربية: من الخبرة التاريخية المحلية إلى سياسات الاستدامة»، بحثت الخبرات التاريخية في إدارة مياه الأمطار والأفلاج والآبار والعيون، وما ارتبط بها من أعراف وقوانين ومشاركة مجتمعية، بهدف الاستفادة منها في التخطيط المائي الحديث وتعزيز الأمن المائي والمناخي.
شواهد مغمورة
وقدمت الدكتورة مريم بنت سعيد البرطماني من جامعة السلطان قابوس والدكتورة حنان بنت فيصل المطيري دراسة بعنوان «السفن الصينية الغارقة في الخليج العربي: دراسة تاريخية بحرية»، تناولت بقايا السفن واللقى الأثرية المصاحبة لها باعتبارها شواهد مادية على عمق العلاقات البحرية والتجارية بين الصين والمنطقة العربية، خصوصًا ضمن طرق الحرير البحرية.
وركزت الدراسة على توثيق مواقع الحطام وتحليل ما عُثر عليه من خزف وعملات ومعادن وبضائع، ودلالاتها التاريخية والحضارية، إلى جانب إبراز مكانة الخليج العربي ممرًا استراتيجيًا ضمن شبكات الملاحة والتجارة الدولية.
كما قدم أيوب بن نغموش بن سويد البوسعيدي من وزارة التراث والسياحة دراسة «جهود سلطنة عُمان في حفظ وإدارة التراث الثقافي المغمور بالمياه»، استعرض خلالها التجربة العُمانية في حماية المواقع الأثرية البحرية باعتبارها امتدادًا للهوية البحرية والذاكرة الحضارية المرتبطة بالملاحة والتجارة في المحيط الهندي.
وتناولت الدراسة تطور الإطار التشريعي، ودور وزارة التراث والسياحة في الحصر والتوثيق والمسح والتنقيب، والتعاون مع المنظمات الإقليمية والدولية، مع استعراض نماذج من حطام السفن في جزر الحلانيات والمراسي الحجرية في قلهات، وأهمية تطوير الكفاءات المتخصصة.
طرق الحج والمخاطر
وفي الجانب المتصل بتاريخ الحج، قدم الدكتور ناصر بن محمد الشريف دراسة «طرق الحج العُماني خلال القرن الثالث عشر الهجري: دراسة تاريخية وصفية تحليلية للتحديات الأمنية والصحية»، تناولت المسارات البرية والبحرية للحجاج العُمانيين، والمحطات الجغرافية والتحديات الأمنية والصحية التي واجهوها في رحلاتهم إلى الحرمين الشريفين.
وركزت الدراسة على أخطار الأوبئة، ومنها الكوليرا والطاعون، والتحديات الأمنية، إلى جانب دور التكافل الاجتماعي والمبادرات الرسمية والوقفية، ومنها «بيت الرباط»، في توفير احتياجات الحجاج والتخفيف من المخاطر.
رحلات شكيب أرسلان
وفي الجلسة الثانية، قدم الدكتور الشيخ عبد الله بن علي بن محمد آل خليفة من مركز دراسات البحرين والدكتورة أحلام راشد القاسمي من جامعة البحرين دراسة «معركة ديو البحرية عام 1509م وأثرها على الخليج العربي: قراءة تاريخية اجتماعية»، بحثت التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدها الخليج العربي والمحيط الهندي مع تصاعد النفوذ البرتغالي، وانعكاسات المعركة على التجارة والمجتمعات الخليجية، وصولًا إلى امتداد النفوذ البرتغالي إلى عُمان وهرمز والبحرين.
كما تناول عصام بن ناهض الشريف في دراسته «رحلات شكيب أرسلان إلى المدينة المنورة ودوره في تأسيس دار الفنون» رحلات أرسلان إلى الحجاز والمدينة المنورة، ومنها رحلته الأولى سنة 1332هـ، ودوره في تأسيس دار الفنون، ورحلتاه اللاحقتان لأداء الحج ولقاء الملك عبد العزيز، والمشاركة في مساعي الإصلاح بين الملك عبد العزيز والإمام يحيى.
وأبرزت الدراسة قيمة مشاهدات أرسلان وكتاباته في توثيق الأوضاع الثقافية والاجتماعية والعمرانية للمدينة المنورة، وما تضمنته من وصف لوادي العقيق وبئر عروة وجبل سلع والمكتبات والقبائل المحيطة بالمدينة.
علوم الملاحة
وقدم بدر بن ناصر بن خميس العريمي، الباحث في مرحلة الدكتوراه بجامعة السلطان قابوس، دراسة «منهج الملاح العُماني أحمد بن ماجد في كتابة مصنفاته الملاحية 1462–1501م: الأراجيز الشعرية أنموذجًا»، تناولت منهج أحمد بن ماجد السعدي في تأليف أراجيزه الملاحية، من خلال تحليل مضامينها العلمية والتاريخية.
وأوضحت الدراسة كيفية تحويل ابن ماجد خبرته الملاحية إلى قواعد علمية منظومة في قالب شعري تعليمي يسهل حفظه وتداوله، بما يعكس تداخل التاريخ وعلوم الملاحة والشعر في تدوين المعرفة البحرية.
ظفار في السجلات
وتناول سالم بن أحمد بن سالم الكثيري من وزارة التعليم في دراسته «إقليم ظفار العُماني في السجلات البريطانية: مسوحات الموارد المعدنية ومحاولات التوثيق الاقتصادي في النصف الأول من القرن العشرين»، التحول في الاهتمام البريطاني بظفار من التأمين الملاحي إلى الاستكشاف المنهجي للموارد الطبيعية وتوثيق المقومات الاقتصادية للإقليم.
وتتبعت الدراسة تقارير المقيمية البريطانية والرحالة السياسيين، والمسوح الميدانية للمعادن والمؤشرات الأولية للنفط، إلى جانب الموانئ والموارد النباتية الاستراتيجية، وفي مقدمتها اللبان، وما أسهمت به هذه الوثائق في تكوين معرفة مبكرة بالجغرافيا الاقتصادية لظفار وموقعها في الحسابات السياسية والاقتصادية البريطانية.
كما قدم الدكتور أحمد بن محمد بن أحمد السعدي، المتعاون سابقًا بقسم التاريخ بجامعة أم القرى، دراسة «الروافع في واجهات المباني السكنية التراثية بالحجاز: دراسة معمارية مقارنة»، تناولت العناصر الإنشائية والفنية في عمارة مكة المكرمة وجدة والطائف، وخصائصها المعمارية والزخرفية ومواد البناء المستخدمة فيها، مع مقارنة أوجه التشابه والاختلاف بينها.
الحج والعلاقات
وفي الجلسة الثالثة، قدمت الأستاذة الدكتورة سماح سعيد عبدالقادر باحويرث من جامعة طيبة دراسة «أثر الفكر الاستشراقي في تشكيل توجهات المستعمرين إزاء فريضة الحج: سنوك هورخرونية أنموذجًا»، بحثت العلاقة بين المعرفة الاستشراقية والمشروع الاستعماري، ودور سنوك هورخرونية في توجيه السياسة الهولندية تجاه الحجاج الإندونيسيين في مكة وإندونيسيا.
كما قدمت الأستاذة الدكتورة نوف بندر ناصر البنيان من جامعة حائل دراسة «أحباس الحرمين الشريفين في المغرب: الصُّرّة المغربية أنموذجًا، قراءة في تاريخ العلاقات المغربية الحجازية ما بين عامي 685–1378هـ»، تناولت تاريخ الصُّرّة المغربية ومحتوياتها ودوافعها، ودورها في خدمة الحرمين الشريفين وتعزيز العلاقات الدينية والحضارية بين المغرب والحجاز.
وقدمت الدكتورة أمل بنت سيف بن سعيد الخنصوري من وزارة التعليم دراسة «الأوضاع الاجتماعية والصحية في مدينتي نزوى وصحار في تقرير منظمة اليونيسف لعام 1973م»، تناولت الخصائص الديموغرافية للأسر، والنظام الغذائي والتغذية والصحة والرعاية الصحية والزواج والأسرة، إلى جانب تطور الخدمات الصحية بين عامي 1970 و1973م وأوجه التشابه والاختلاف بين نزوى وصحار.
السياسة العُمانية
وفي محور العلاقات الخليجية، قدم الدكتور بدر محمد عبد العزيز الأحمد دراسة «الدور السياسي والدبلوماسي والإنساني لسلطنة عُمان في إطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية 1981–2018م»، تناولت مرتكزات السياسة الخارجية العُمانية القائمة على الحياد الإيجابي واحترام سيادة الدول والحوار والتفاهم، ودور السلطنة في دعم العمل الخليجي المشترك والاستقرار الإقليمي وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، إلى جانب جهودها الإنسانية والإغاثية.
كما قدم الدكتور ضيف الله دليم بن رازن من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية دراسة «فلسفة الملك عبد العزيز في اختيار الرجال»، بحثت معايير اختيار القيادات من حيث الكفاءة والخبرة والولاء والإنجاز، ودورها في توحيد الدولة السعودية وترسيخ مؤسساتها السياسية والإدارية والعسكرية.
معرض مصاحب
وصاحب الملتقى معرض يضم صورًا تاريخية ومعروضات توثيقية تبرز جانبًا من الموروث التاريخي والأثري في سلطنة عُمان، ويعرّف الزوار بعدد من المعالم والشواهد التي تجسد ثراء الحضارة العُمانية وتنوع مكوناتها المعمارية والتاريخية.
وأوضح عمار بن محمد البلوشي من دائرة مجلة الدراسات العُمانية أن المعرض يتضمن ركنًا خاصًا لمشروع توثيق وتصوير المعالم التاريخية والأثرية بتقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد والتصوير الجوي، الذي تنفذه وزارة التراث والسياحة على عدة مراحل.
ويتيح الركن للزائر تجربة التجول الافتراضي داخل عدد من المعالم والقلاع والحصون والحارات والأسوار والمساجد الأثرية، عبر أكثر من 118 معلمًا، والتعرف على مكوناتها التاريخية وأبرز عناصرها المعمارية والدفاعية واستخداماتها المجتمعية والعلمية والإنسانية.
وأشار البلوشي إلى أن المشروع يهدف إلى إتاحة التجول الافتراضي داخل المعالم، وإجراء الرفع المساحي والتوثيق الإلكتروني لها، بما يسهم في حفظ المعالم التاريخية والأثرية وتوثيقها رقميًا، وإتاحة محتواها بصورة تفاعلية للباحثين والمهتمين والزوار.
وبيّن أن المشروع يدخل حاليًا مرحلته الثالثة، التي تتضمن تنفيذ زيارات ميدانية للمعالم التاريخية والأثرية في مختلف المحافظات للتصوير والتخطيط ورسم الأبعاد الثلاثية، باستخدام أحدث التقنيات، ومنها الطائرات المسيّرة والكاميرات المتخصصة.