وليد النبهاني 

**media[3491751]**

يرد مصطلح «السيرة الشعبية العربية» في الدراسات، وهو يشير إلى إشكالية أجناسية؛ ألا وهي هل السيرة الشعبية العربية جزء من سيرة شعبية أخرى؟ بمعنى هل هناك سير شعبية أخرى غير السير الشعبية العربية؟ 

لقد اعتبر سعيد يقطين السيرة الشعبية نوعا سرديا عربيا له خصوصيته وتميزه عن باقي الأنواع السردية العربية، ولذلك فهو ينقض ما ذهب إليه الباحثون من اعتبارها ملاحم أو قصصا بطولية أو روايات وما سوى ذلك من الأنواع، وهذه الخصوصية جعلت من السيرة الشعبية نصًّا مفتوحًا على مكونات الواقع العربي وثقافته، ومتفاعلًا مع ما أنتجه العربي في تاريخه (١). وإذا كانت الأنواع السردية الأخرى للأدب الشعبي موجودة عند آداب الأمم الأخرى لا العرب وحدهم، وأن من خصائص هذا الأدب -كما ذهب فلاديمير بروب- أنه أدب عالمي، فما الذي يجعل من السيرة الشعبية وحدها نوعًا سرديًا عربيًا بامتياز؟ 

مثل هذا السؤال لا يمكن الإجابة عليه دون تتبع ما أنتجته الشعوب الأخرى من أدب شعبي له ذات الخصائص التي تتسم بها السير الشعبية، والخصيصة الأبرز فيها -كما يذهب سعيد يقطين نفسه- هي الطول، فأول «ما يثير الممسك بالسيرة الشعبية هذا الكم الهائل من الصفحات التي يزخر بها كل نص من نصوص السيرة لا يمكن إلا أن يشي بملامح ومميزات تنضح بها وبواسطتها تتميز عن باقي الأنواع سردية كانت أو غير سردية»(٢). ويمكن الاقتراب من هذا السؤال أكثر بالبحث في نموذجين مماثلين من آداب الشعوب غير العربية؛ الأول: الأدب التركي الذي يمكن أن يعد -ظاهريًا- امتدادًا للأدب العربي على اعتبار المؤثرات الإسلامية فيه، والثاني: الأدب الياباني، وهو أدب بعيد إلى حد كبير عن تلك المؤثرات العربية نظرًا لغياب التأثير الإسلامي فيه. 

سيرة حمزة نامه: عربي بين بلاد فارس والترك 

ترك الإسلام أثرًا روحيًا وفكريًا ووجدانيًا في الشعوب غير العربية التي دخلت فيه، والتأثير الثقافي متناغم مع هذا كله؛ خاصة أن القرآن حامل معرفي ليس للدين فحسب بل لكل ما له علاقة باللغة العربية من علوم وآداب، وحين نقل المسلمون دينهم إلى أواسط آسيا لم يغفلوا أهمية القصة في تمثل الدين، فمثلما كان القصّاصون مكوِّنًا من مكونات الثقافة الدينية عند العرب، فهم بالمثل عند الشعوب التركية؛ فانتقلت معهم حكايات إسلامية (كقصص القرآن عن الخلق ورسالات الأنبياء وسيرة النبي وأهل بيته وصحابته)، كما انتقلت إليهم قصص عربية أخرى (كقصة العنقاء الخرافية التي تعود إلى ما قبل الإسلام)، وهذا التفاعل مع النصوص الحكائية العربية لم يكن في الموضوعات، بل هو تفاعل مع تقاليد حكائية سابقة تنتمي إلى ثقافة مختلفة (٣). 

وفضلًا عن الحكايات، فإن الشعوب التركية روت سيرًا شعبية؛ ومنها: حمزة نامه، وهي سيرة مطولة عن حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم تقع في 12 مجلدًا، مؤلفها اسمه حمزة (ت: 1412م)، ويعرف بحمزوي؛ نسبة إلى الكتاب، وهذه السيرة -كما في السير العربية- سيرة منثورة مرصعة بالشعر، ويلقيها مغنون -وهم يعزفون على القيثارة- يعرفون بالمداحين (٤). ولا نعرف ما إذا كان حمزة قد ألف هذه السيرة فعلا، أم أنها نسبت إليه كما نسبت سير شعبية عربية إلى مؤلفين لهم شهرة، ولكن انتشارها عبر الرواة المداحين يجعل منها نصًّا شفاهيًا، يقع عليه ما يقع على النص الشفاهي في زمان الرواية المستمر من التغيير والإضافة والحذف، إذ يحدث أن يتحول نص أدبي من تأليف أديب ما إلى أدب شعبي بعد أن يتلقف الشعب هذا الأدب ويرويه بطريقته الخاصة، وهو ما يسميه فلاديمير بروب بالأدب الشعبي ذي الأصول الأدبية تمييزًا عن الأدب الشعبي الخالص، فلو أخذ الشعب قصة نيكراسوف (البائعون الجوالون) أو نص بوشكين (الخمار الأسود)، وأجرى عليها تغييرات وغناها بأشكال مختلفة وظهرت لها روايات مختلفة، فإنها تغدو أدبًا شعبيًا (٥). 

ولا يعرف عن تاريخ ظهور سيرة حمزة نامه، ولكن ابن تيمية أشار لها قائلا: «وما ينقله بعض الترك، بل وشيوخهم من سيرة حمزة ويتداولونها بينهم، ويذكرون له حروبا وحصارات وغير ذلك، فكله كذب»(٦)، فهذا مما يدل على أنها كانت منتشرة قبل القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، وقد بلغت من الذيوع أن روايتها لم تقتصر على أواسط تركيا، بل وصلت إلى البلاد العربية، وذكره للترك هنا قد يشير إلى أنها لم تكن تروى باللغة العربية آنذاك. ولا يعرف ما إذا كان لهذه السيرة أصولٌ عربية، فالأدب الشعبي التركي لم يتصل بالأدب الشعبي العربي مباشرة بل عبر الأدب الفارسي المترجم(٧)، وفي السير الشعبية العربية توجد سيرة حمزة البهلوان، وهي سيرة لا تتحدث عن حمزة بن عبدالمطلب، لكنها تتقاطع مع سيرة فارسية أخرى تعرف بسيرة حمزة صاحب أقران التي قد تكون الأصل الأول لحمزة نامه. 

وبطل صاحب أقران هو حمزة بن عبدالمطلب، ويروى أيضا أن بطلها الأصلي يدعى حمزة بن آذرك شاري، وهو من الخوارج الذين ثاروا على حكم هارون الرشيد في خراسان سنة 179 هجرية، ونسبت إليه فرقة الحمزية. وحين أصبح المذهب الشيعي سائدًا في إيران الصفوية حل حمزة بن عبدالمطلب محل حمزة الخارجي. وسيرة صاحب حمزة هي جماع بين الأدب الشعبي العربي والأدب الشعبي الفارسي، وتختلط فيها القصص التاريخية بالخوارق والعجائبية، وتجمع بين كسرى أنو شروان وحمزة بن عبدالمطلب وعمرو بن أمية وعمرو بن معدي كرب فضلا عن شخصيات أخرى لم تجتمع في التاريخ، وهو بالضبط ما يحدث في السير الشعبية العربية (٨). 

إن ارتباط حمزة نامه التركية أو حمزة أقران الفارسية بحمزة بن عبدالمطلب جعلها سيرة ذائعة الصيت، فكثرت رواياتها في الأدب التركي، بل إنها كانت تروى في المقاهي حتى القرن التاسع عشر (٩)، ولها في الأدب الفارسي روايات متعددة، وتسمى بأسماء مختلفة؛ مثل: قصة حمزة، وقصة أمير المؤمنين حمزة، وحكاية أمير المؤمنين صاحب قران، وتاريخ فتح العالم، والرواية التي تعرف باسم «رموز حمزة» كانت الأكثر شهرة عند الرواة وقصص النقَّالين بدافع من صبغتها الدينية التي تنسجم مع سياسة الحكام الصفويين، ولحكاياتها العجائبية والغرائبية التي تبتعد عن الواقعية والتسجيلية. ولم تقتصر شهرتها على الفرس والترك؛ بل وصلت إلى الهند وسائر بلاد شبه القارة الهندية وأرخبيل الملايو، وانتشرت بلغات تلك البلدان. وذلك بعكس سيرة حمزة البهلوان المعروفة عند العرب، والتي لا تمتُّ لشخصية حمزة بن عبدالمطلب بصلة، بل بطلها رجل عربي يحمل فكرا قوميا وتوحيديا، وهو من نسل أمير قبيلة، ولذلك فهو شخصية لا مرجعية لها في التاريخ العربي الإسلامي (١٠). 

إن نشأة سيرة حمزة نامه أو حمزة أقران عن الفارسية وربطها في البدء بسيرة حمزة الخارجي في القرن الثالث الهجري، ثم تحولها أثناء الحكم الصفوي إلى سيرة حمزة بن عبدالمطلب، يجعلنا نذهب إلى أن للسيرة الشعبية جذورًا في الأدب الشعبي الفارسي، وارتباطها بسيرة آل البيت لم يكن إلا من قبيل دخول الموضوعات الإسلامية في الآداب الشعبية الفارسية والتركية، لا بتأثر فني بالسيرة الشعبية العربية، خاصة أن للفرس والترك تراثا حكائيا سابقا على الإسلام كما بقية الأمم، وقد نقل إلينا جزء من ذلك التراث منذ بواكير الدولة الإسلامية كما حدث مع ابن المقفع الذي نقل كليلة ودمنة في القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي. والتفاعل الذي وجد بفضل الإسلام في تلك الشعوب وما أحدثه من أنواع سردية طويلة نثرية الأساس مرصعة بالشعر أحيانا وتحكي بطولات تأخذ شيئا من التاريخ وتبالغ فيه وتزيد كثيرا، يرجح أن ذلك عائد إلى تلاقح التراث الفارسي التركي مع التراث العربي الإسلامي، خاصة أنه لم يعرف عن العرب وجود أنواع سردية طويلة قبل الإسلام، وأن للفرس ملاحم شعرية كالشاهنامه، وأن أحد أهم الآثار الحكائية العربية، ألا وهو ألف ليلة وليلة، له منابع فارسية فضلا عن المنابع الهندية، وإن انتشار سيرة حمزة نامه باللغات الهندية والملايوية أيضا قد تشير إلى أننا أمام نوع سردي عالمي يتوافق مع عالمية الفولكلور والأدب الشعبي بعامة. 

**media[3491752]**

سيرة يوشي تسونيه: ساموراي غريب الوجه واليد واللسان 

إذا كانت الشعوب الإسلامية غير العربية قد روت سيرها الشعبية بتأثر إسلامي عربي بعيد أو قريب، فإن نوعًا سرديًا مماثًلا من الأدب الشعبي وجد في اليابان التي عاشت طوال سنوات طويلة شبه معزولة عن أي مؤثرات دينية غير المؤثرات الصينية ممثلة في البوذية وديانة الشنتو، فضلا عن المؤثرات الإسلامية (١١). وهذه العزلة انتقلت إلى الأدب الياباني الذي يعكس خصائص الشعب الياباني المعروف بتمسكه بالتقاليد وشدة حبه للطبيعة، والأدب الياباني كباقي الآداب العالمية اختلط بالتاريخ في بداياته، فكتاب سجل الأحداث القديمة وكتاب تاريخ اليابان -اللذان يعودان إلى القرن الثامن الميلادي- اختلط فيهما التاريخ الذي يمجد الأسرة الإمبراطورية بالحكايات الشعبية والخرافات والأساطير والأغاني (١٢). ومن تاريخ اليابان نشأ أدب سردي يقترب في خصائصه من السيرة الشعبية، من حيث الطول البالغ وجهالة مؤلفيها وتعدد روياتها عبر المغنين الذين كانوا ينشدونها، وقد نشأت بعض هذه الأعمال في فترة نشوء طبقات المحاربين في القرن الرابع عشر الميلادي، مثل حكاية هيكي التي تحكي صعود وهبوط أسرة هيكي. وقد ترجم أحمد فتحي أكثر من عمل ياباني ينتمي -في نظره- إلى السير الشعبية وهي: سيرة الراهب بنكي (2001) بالاشتراك مع تاداشي هاسيه جاوا، وسيرة الأمير جينجي (2004)، وسيرة الأمير يوشي تسونيه الساموراي العظيم (2009)، والحطاب وأميرة القمر (2011). 

إن تشابه هذه الأعمال البطولية اليابانية مع السير الشعبية العربية جعلت أحمد فتحي يسميها سيرًا شعبية يابانية، وفي اليابانية يطلق عليها جَنكيمونو GUNKIMONO وتترجم إلى السجلات العسكرية؛ لكون هذه السير نشأت أساسًا «لتسجيل تفاصيل الحروب الأهلية التي شبت في اليابان في فترة العصور الوسطى، وفي مرحلة انتقالية غير مستقرة اهتزت خلالها مكانة الإمبراطور وضعفت سطوتها» (١٣). 

وخصائص هذه السيرة اليابانية كما السير العربية؛ فهي تضم ملامح دينية أسطورية من ثقافة اليابان، وتمزج النثر بمقاطع من الشعر الياباني القصير كالهايكو والتانكا في المواقف الدرامية، وهي سير شفاهية لها روايات متعددة انتشرت عبر منشدين يغنونها بآلات وترية، وتتقاطع في أحداثها مع تاريخ اليابان وتخلط الحقيقة التاريخية بالخيال والمبالغات (١٤). وما يميز السيرة اليابانية أنها تركز على المصير المأسوي لأبطالها، إذ يموتون أو ينتحرون، ولغتها متفاوتة بين اللغة الرصينة في جنوب اليابان واللغة العامية في شمالها، وذلك عائد إلى أن أهل الجنوب كانوا أكثر تعلمًا من أهل الشمال، ولذلك دونوا سيرهم في فترات مبكرة بعكس السير الجنوبية التي بقيت شفاهية لفترة طويلة (١٥). 

ولتأكيد التقارب بين السيرة العربية والسيرة اليابانية يعقد أحمد فتحي مقارنة بين سيرة يوشي تسونيه وسيرة الظاهر بيبرس في بعض مشاهدها، ويستنتج أن التشابه ليس في الشكل العام والظواهر الأسلوبية، بل في بنية السيرة الشعبية أيضا، وذلك من خلال تشابه مشهد التقاء يوشي تسونيه بتابعه الراهب بنكي في سيرة يوشي تسونيه، ولقاء الظاهر بيبرس بتابعه عثمان الحبلى، فكلتا السيرتين تصف البطل بأنه وسيم ضعيف الجسم وأن تابعه أضخم منه وهو بشع المنظر وبشرته سمراء، بل إن التشابه يصل إلى مكان اللقاء الذي تم في معبد الإله تينجين في السيرة اليابانية وفي مسجد السيدة زينب في السيرة العربية (١٦). 

إن هذه التقاربات بين السير الشعبية العربية ومثيلاتها في الآداب الأخرى تجعلنا لا نستطيع الاطمئنان إلى الرأي القائل بأن السير الشعبية نوع سردي عربي خالص، فهذه السيرة اليابانية ظلت سيرة نقية، غريبة عن وجهنا العربي، غريبة عن يدنا التي لم تمد إليهم لا بحرب أو سلام، وفوق ذلك غريبة عن لساننا بكل مكوناته الثقافية والاجتماعية والدينية، وهذا يعزز الرأي بأن هذه الروايات الشعبية السردية الطويلة هي نوع سردي عالمي، نسميه السيرة، ويسميه الترك والفرس داستان، ويسميه اليابانيون جنكيمونو، ويرفعها العالم إلى مصاف الملاحم العالمية، فسؤال النوع الأدبي للسير الشعبية، وإن كان مهمًّا، لن نستطيع الإجابة عليه خارج دراسات الأدب الشعبي المقارن. 

الهوامش: 

1- يقطين، سعيد (1997). الكلام والخبر: مقدمة للسرد العربي، ط1، الدار البيضاء؛ بيروت: المركز الثقافي العربي، ص 9. 

2-السابق، ص 21. 

3- موساروف، شاه رستم غياث شاه (٢٠٠٤). الأدب الأوزبكي الإسلامي. ط١، الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ص 59. 

4- المصري، حسين مجيب (٢٠٠٣). بين الأدب العربي والتركي: دراسة في الأدب الإسلامي المقارن. ط١، القاهرة: الدار الثقافية للنشر، ص 287. 

5- بروب، فلاديمير (2001). خصوصية الفولكلور، ترجمة غسان مرتضى، مجلة نوافذ، ع 18، ص 30. 

6- ابن تيمية (1986). منهاج السنة النبوية، تحقيق محمد رشاد سالم، ط1، 6، ص 194-195. 

7- موساروف، مرجع سابق، ص 242-244. 

8- أحمد، عبير طاهر محمد (2019). نظرة في قصة الأمير حمزة صاحب أقران، مجلة كلية الآداب، جامعة سوهاج، ع52، ج2، ص 171 

9- الدولة العثمانية تاريخ وحضارة (1999). استانبول: مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية، مج2، ص48. 

١٠- البكور، مصطفى (1993). سيرة الأمير حمزة بين التراثين العربي والفارسي، مجلة التراث العربي، ع 130-131، ص238-244. 

١١- الموسوعة العربية العالمية، ط2، الرياض: مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، ج27، ص 269-290. 

١٢- السابق، ج27، ص 290. 

١٣- سيرة الأمير يوشي تسونيه الساموراي العظيم (2009). ترجمة أحمد فتحي. ط1، القاهرة: جمعية نوافذ للترجمة والتنمية والحوار. ص 15. 

١٤- المرجع السابق، ص 7. 

١٥- المرجع السابق، ص 12. 

١٦- المرجع السابق، ص 15. 

**media[3491753]**