أحمد الحوسني
تبني رواية (الباغ) لبشرى خلفان تعدديّتها الصوتيّة ثنائيًّا. ثمة صوتان أساسيّان في المحكيّ، كل صوت يجري في خطّ خاصّ ويتأخّر اشتباكُه مع الصوت الآخر إلى خواتيم النصّ. رحلتان: رحلة راشد بن سيف بن راشد العايفي، ورحلة ابن أخته زاهر بن عليّ بن زاهر الجويري: الرحلة الأولى تسلّق لدروب المجد العسكريّ، خروج من قرية السراير في الرستاق وعمل دؤوب ومرور بثلاثة حروب كبرى حرب البريمي وحرب الجبل الأخضر وحرب ظفار، وأما رحلة زاهر فتنطلق من مسقط إلى الكويت، وهي سعي وراء التعلّم والمعرفة، وعودة بالبندقيّة عبر البحر، ودخول من اليمن إلى ظفار. إنّ هذا الدخول هو نقطة التقاء الصوتين، فراشد وزاهر طرفان في معركة تحدث في ظفار، يقف كل واحدٍ منهما في الضفة الأخرى. وإذا كانت الحرب الوسيلة الأخيرة للتفاوض السياسيّ، فإنّها أيضًا آخر وسيلة من وسائل الصراع الإيديولوجيّ. لذلك فإنّ الصراع الإيديولوجيّ في نصّ الباغ مختوم بطابع الحرب، حيث يجري تحت أزيز الرصاص وبين فوهات البنادق، ومن البداهة أنّ صراعًا يجري بالبندقيّة يأخذ صفة التطرّف والتوتر الحاد؛ حيث من الصعوبة بمكان الالتفات إلى كلمة الآخر والإنصات إليها والحوار معها. لذا تظهر الكلمات الإيديولوجيّة للشخصيتين عنيفة وحادة تتجاوز الجدل المألوف. وهي كما يصفها جابر عصفور حسب ما جاء في الغلاف الخارجيّ للرواية «بالثنائية الضدية بين الإخوة الأعداء»، أو كما يسميها نورثروب فراي «ثنائية البطل والبطل المضاد».
**media[3491702]**يتأجّج الصراع في محكي الباغ عبر الإصرار على الإجابة عن سؤال المأزق التاريخيّ الذي تعيشه الشخصيات؛ إذ تتفق الشخصيتان على أنّ الزمن المعيش في الفضاء الذي تنتميان إليه زمن بؤس وشقاء، زمن جهل وعوز وفاقة ومرض، وتفترقان في الإجابة عن سؤال: ما أسباب الشقاء؟ وكيفية الخروج منه؟ أما الإجابة عن هذين السؤالين فهي الرحلة التي تقطعها كل شخصيّة في الحكاية؛ حيث الرحلة أشبه بجواب لمستقبل البلاد والعباد. فراشد يرى الجواب في السلطة التي ترتبط بالقوة الإنجليزيّة وقد أثبتت قدرتها على توحيد البلاد بعد حربي البريمي والجبل الأخضر، كما يرد في النصّ، وأما زاهر، فينظر إلى للعلاقة على أنها إمبريالية، ويرى أنّ حلّ المشكلة يبدأ بدحر الإمبريالية، وقيام سلطة جديدة تُنظّم المجتمع تنظيما مختلفا ومغايرا لما هو قائم. وكما يرد على لسان السارد العليم للحكاية: «كل يرى أنه صاحب حق، ولصاحب الحق أن ينتزعه، لأجل المبادئ العظيمة والأفكار الكبيرة، لأجل البلد والشعب والتحرير ترفع البنادق والرايات وتقدم التضحيات، هكذا كان زاهر يرى من الضفة التي يقف عليها، وهكذا كان راشد يرى من ضفته أيضًا». ورغم أنّ هذا التدخل من السارد العليم يؤثّر في المسألة الجماليّة والفنيّة من جهة بوليفونيّة الرواية؛ إذ كان ينبغي للسارد أن يتراجع أكثر ويترك للشخصيات أن تحكم على نفسها والآخرين أكثر مما يفعل هو، فإنّه في الوقت نفسه يعبر عن الانشطار في إجابة الصوتين عن السؤال المشترك حول اللحظة التاريخيّة الراهنة.
تُؤكّد الروائيّة بشرى خلفان في مقابلة تلفزيونيّة الفكرةَ ذاتها التي ترد على لسان السارد العليم، قائلةً: «فكرة الباغ أنّ الجميع في عُمان أيّا كانت مشاربهم وأيًّا كانت توجّهاتهم السياسيّة وأيًّا كانت الإيديولوجيّات التي تحركهم، في ظنّي أنا الشخصيّ أنّ الجميع كان هدفه عُمان، الجميع كان يريد ما هو خيرٌ لعُمان، وهذا الصراع الذي يتمّ هو تقريبًا بالنسبة إلي صراع داخل البيت الواحد»، وكما جاء أولًا فإنّ هذه الفكرة التي تتبنّاها المؤلّفة أولًا ثمّ السارد ثانيا تُؤثّر فنيًّا وجماليًّا ورؤيويًّا في مسألة السرد وتعدّد الأصوات؛ حيث إنّ السارد يُوجّه المسرود له ويقيّد رؤى الشخصيّات وسلوكها بدلًا من أن يحررها تاركًا مهمّة التأويل للقارئ، وبعبارة أخرى تُصبح الفكرة أقلّ أهميّة لصالح النيّات الحسنة. إنّها رواية مصالحة أكثر ممّا هي رواية اشتباك ومساءلة.
تُبرِز اللازمة المتكرّرة ثلاثًا في فاتحة السرد ومنتصفه وخاتمته: «نخوض، ويا نوصل رباعة يا يشلنا الوادي رباعة» الرؤية التي يؤسّس لها النصّ بالربط بين أسئلة الذاكرة والفضاء والتاريخ؛ حيث إنّ الكارثة المرتقبة ستحلّ على الجميع، وإنّ الخيارات التي تتخذها الشخصيّات لإصلاح الخلل لن تدفع الكارثة عن جماعة دون الأخرى، فخيار النجاة الفرديّ غير ممكن، فإمّا أن ينجو الجميع أو لا أحد، وأمّا المواقف الإيديولوجية التي تحملها الشخصيّات، فهي تصبح أقلّ أهمّية من الحدث نفسه، فالموقف الإيديولوجيّ خاضع لسطوة الحدث نفسه، وليس مؤسِّسًا له، ومن هنا فإنّ جميع المواقف الإيديولوجيّة، بتنوّعها واختلافها، في الرواية ليست سوى محاولة لاهثة لاستيعاب اللحظة التاريخيّة، ورغم كلّ المسافة التي تقطعها لاستيعابها تظلّ في النهاية قاصرة وغير قادرة على الإمساك بها، فاللحظة التاريخيّة دومًا أكبر من أن تستوعبها شخصيّة بنفسها، بحسب المنظور الذي يطرحه النصّ.
يتمايز «منهج تصوير الشخصيّة» في محكيّ (الباغ) بين شخصيتي راشد وزاهر، فينزع إلى التركيز على عمل الشخصيّة وسلوكها، حركتها وفعلها، أكثر من نطقها وتكلمها، عبر تصوير الأنشطة الحسيّة لراشد، فالشخصيّة كما أنّها خطاب هي أيضًا سلوك وفعل. في حين أنّه يميل إلى تصوير زاهر بالاستناد إلى تأمله ونظره في الواقع. وبحسب اصطلاح هامون فإنّ شخصية راشد تنتمي إلى ما يسميه «التقني المنشغل»، حيث العمل بالنسبة إليه يُشكّل مسار خطاب، فشخصية راشد بدءًا من المزرعة ومرورًا بمرفأ مسقط وانتهاء إلى عسكر السلطان تحمل أداتها معها، من المحراث إلى البندقية. وهذا الصمت المصحوب بالانهماك في العمل صفة أساسية من صفات راشد، ففي المزرعة يقول محدثًا نفسه في المونولوج الآتي: «أنا بيدار قوي، لا أتعب من النخل، أرتقيها في طرفة عين، أقطف رطبها دون جهد، أفسل، وأزرع، وأقوم على الماء في الفلج ليل نهار، أفعل ذلك دون عناء»، وفي الفرضة (المرفأ): «سريعًا كان وخفيفًا وقويًّا، يحمل أضعاف ما يحمله الآخرون على ظهورهم وأكتافهم دون أن يبدي تذمرًا أو تسمع منه أنَّة تعب. لا يتبادل الكلام مع أحد إلا لحاجة، صامت في الفرضة، صامت في سبلة العود إلا إذا سئل، وعندها تكون إجابته مقتضبة وسريعة»، وأما في العسكريّة فمنذ «أن عُيَّن راشد ضمن حراس الباب الكبير وهو لا يتخلى عن بندقيته وصمته... يقف مستقيم الظهر، بوجه جامد ولا يتبادل الكلام حتى مع رفاقه من العسكر إلا نادرًا». ورغم أنّ راشدًا قد ظلَّ وفيًّا لصمته وأداته فإنّ فرقا أساسيا قد اختلف بين عمله في قرية السراير وعمله في مسقط، حيث كان في السراير يمتلك أدوات الإنتاج، بالمعنى الماركسيّ، فالأرض والنخل والماء له، في حين أنّ عمله لاحقا في مسقط كان منزوعا من أدوات الإنتاج فهو عامل ينتمي إلى الطبقة الكادحة التي «تكسب قوتها من بيع عملها حصرا»، كما جاء عن إنجلز، ففي هذه المرحلة كان راشد يهدف في يومه فقط إلى «إتمام عمله والحصول على أكبر قدر من البيسات في اليوم»، وإلى جانب هذا التباين شكّل انتقال راشد من السراير إلى مسقط صدمة معجميّة، فمن مفردات القرية: الساقية، الرطب...إلخ، إلى مفردات مسقط: البوابة، بانيان، هندي يُلقي عليه الأوامر بعد أن كان حرًّا من أية أوامر...إلخ، ورغم هذا التباين بين فضاء القرية وفضاء مسقط وما يفرضه كل فضاء من أسئلة فإنّ شعور راشد بالظلم والضيم قد لازمه، ففي القرية كان ظلم ذوي القربى الذي تعرض إليه من قبل عمه، سببًا في خروجه وأخته ريا من القرية، وفي مسقط كان شعوره بالاستحقاق والرغبة في الانتقال من عمل أشبه بالعبودية إلى عمل أقرب إلى السيادة محرّكًا رئيسًا في سلوكه ونشاطه في المحكي، وتبعًا لذلك فإنّ الإيديولوجيا التي يُدافع عنها راشد هي إيديولوجيا القوة التي تعصمه استباقيًّا من أي جورٍ قد يتعرض إليه، عبر إجهاض فرصه، وردع إمكانية وقوعه. فمن القرية وهو يخاطب أباه: «هذه بلاد لا تقبل الضعيف، ولا تحترم المحتاج، هذه بلاد ظُلام يا أبي»، إلى مسقط وهو يخاطب نفسه مقارنًا بين فداحة الجورين: «سلطان جائر، يقولون في البلاد، فماذا يسمّون ما فعلوه به... أليس ذلك هو الجور بعينه؟»؛ ولذا فإن أول ما خطر على باله وهو يحط في مسقط «السلطان والقوة». وهو ما يفسر انتسابه إلى عسكر السلطان، فالإيديولوجيا والحلم الصامت الذي كان يخفيه راشد عمّن حوله يتحدان في شخصيته ويحركانه نحو غاية «تحقيق القوة».
أما شخصية زاهر، فهي من جهة تعمل كأثر للواقع، وكما يذهب فانسون جوف فإنّ صورة الشخصيّة «تحصر بين المرجعي (تحيل على خارجيته) والخطابي (يشيدها الخطاب). ومن ثمة تتنامى بالنسبة لهذين المحورين بحسب الجهات الأكثر تغيرا من رواية إلى أخرى»، ومن خلال البياضات التي يتركها النص، والمعلومات التي يقطرها في الوقت نفسه، فإن شخصية زاهر من حيث اسم العلم ومن حيث المصير المتمثل في الموت تُذكّر القارئ بشخصيّة في نصّ التاريخ الذي ينتمي إليه المحكيّ تتَّحدُ معها في الاسم والمشروع والمآل. المناضل زاهر الميَّاحي الذي قتل في كمين بالرستاق «في مساء 29 أكتوبر 1974». إنّ هذه الإحالة المرجعيّة جديرة بالالتفات والدراسة في مقامات معرفيّة أخرى، فمن خلالها يُمكن وضع النصّ في سياقه التاريخيّ والثقافيّ من حيث الأخذ منه والإضافة إليه، والنظر في تثمينه الخاص للشخصيات المرجعيّة المذكورة نحو: زاهر والسلطان سعيد بن تيمور وابن عطيشان والإمام في الجبل الأخضر. تُذكر أيضًا شخصيّة زاهر في رحلتها من مسقط إلى الكويت، وبالعودة إلى ذاكرة نص التاريخ والثقافة مرة أخرى، بالمهاجر العمانيّ الذي خرج من بلاده في تلك البرهة من التاريخ إلى شتّى أصقاع الأرض القريبة والبعيدة سعيًا وراء العمل والعلم.
لابد لنا هنا من ذكر الروائيّ والقاصّ الفلسطينيّ غسان كنفاني الذي يعود إليه أول نصٍّ سرديّ عربيّ، بين أيدينا، يلتفت إلى «جرح المنفى والشتات العمانيّ» بحسب وصف عبد الله حبيب لتلك التجربة في تلك الحقبة من التاريخ، حيث كتب قصةً نشرها سنة (1961) عن عمانيّ يهاجر إلى الكويت ينتهي به الأمر ميتًا هناك على سريره بالمشفى، وهي قصة (موت السرير رقم 12) وقد وُضعت عنوانًا للمجموعة القصصيّة المنشورة ضمنها.
من جهة أخرى، وبالنظر في صفات زاهر ومساره الخطابيّ، فإنّه يمثل شخصيّة «الناظر-الرائي»، كما يصطلح عليها هامون، فعبر تأملاته في الذات والآخر والعالم يبني وعيه ويختار طريقه الإيديولوجيّ، ولذا فإنّ رحلة زاهر من مسقط إلى الكويت لم تكن سفرًا سياحيًّا أو تنقلًا أفقيًّا، بل كانت ترحالًا بالمعنى العموديّ؛ إذ لم تكتفِ عينا زاهر بالمشاهدة، وإنما تتبعها بالنظر والتأمل والمقارنة، أي أنها تنتقل من مستوى الرؤية والمشاهدة إلى مستوى رؤيا العالم والذات والآخر، وذلك بتأثيث الوعي بمفردات ومفاهيم جديدة اكتسبها زاهر عبر رحلته وإقحامها في جدل وأسئلة جديدة، حيث تغدو «الأسئلة أكثر من الإجابات، كيف؟ ولماذا؟ والسؤال الأهم والأكثر إلحاحًا: «ما العمل؟»». فما إن لمح زاهر ميناء الشويخ، وهو أول ما رآه من الكويت بعد خمسة أيام قضاها على سطح البحر، حتى طفحت المقارنات: «فرضتهم ليست كفرضتنا». كما أنّ لنظرة الآخر باعتبارها جسرًا للذات عملًا أساسيًّا في تشكيل وعي زاهر، فكلّ نظرة إشارة، مشبعة بالعبارة، تتضمن تقييمًا من الناظر للمنظور إليه، ولذا فإنّ رولان بارت لم يُجافِ الصواب حين حذّر من نظرة الآخر بقوله: «مجنون من يجعل عينيه في عيني رجل آخر»، فحتى الألم، وهو شعورٌ خاصّ وحميميّ، لا يتوفر للذات أن تعثر على تعبيراته الخارجيّة فهي لا تعرفه سوى «بلغة أحاسيسها الداخلية»، بتعبير ميخائيل باختين، فالمتألم «لا يرى توتر عضلاته والحدود التشكيلية لجسمه وتجسيد الألم في وجهه»، وإنما يرى أثرها في عيني الآخر: الصديق المعزي أو العدو الشامت، ولذلك، رغم المجازفة المحفوفة بالمخاطر، فإنّ نظرة الآخر ضروريّة للذات حتى تصل إلى الوعي بنفسها وبالآخرين من حولها وفق التصوّر الهيغلي أيضًا، وهو ما يتحقق في النصّ عند نزول زاهر في ميناء الشويخ ولقائه ضابط الجوازات، فعبر هذه النظرة يفيض داخلُه بالأسئلة ويبدأ الجدل:
«وصلوا إلى طاولة الضابط الذي كان يدقّق الجوازات، أخذ جوازيهما ثم رفع رأسه، وفحصهما بنظرة طويلة، ثم هز رأسه، وختم الجوازين، وأعادهما إليهما. لا يعرف زاهر لماذا قرأ في نظرة الضابط شيئًا ما لم ترتح نفسه إليه، لم يبدِ ما في داخله، بل غض الطرف ومشى، وعندما صاروا خارج المبنى، قال له العم ناصر كما صار يطلق عليه منذ تلك اللحظة:
- صح نحن ولاد عرب كماهم، لكنا معهم ما واجد نختلف عن الهنود بو جايين يشتغلوا معهم عمال، كلنا جايينهم محتاجين وندور اللقمة».
تتجاوز نظرة ضابط الجوازات النظرة الاعتيادية المقبولة إلى النظرة التصنيفيّة التي تقسم البشر إلى برابرة ومتحضرين، باحثين عن «اللقمة» ومانحين لها. ليكتشف زاهر لأول مرة أنه من الصنف الأول في عيون الآخرين ويمتلئ بأسئلة «تفضي إلى يأس» سرعان ما يتحوّل إلى «غضب»، ولكن أي غضب ويأس؟ اليأس بوصفه طاقة محرّضة، أو هو كما عرّفه الشاعر البحرينيّ قاسم حداد بأنّه «السعي الحثيث وراء الأمل»، فيأس زاهر ليس يأسَ انكفاءٍ وتقاعس وإنّما يأس عمل وطموح في تغيير الواقع موضوع اليأس، والغضب هنا يحضر بوصفه شكلًا من الأشكال الأولى للوعي، فهو بما يحتويه من كثافة في الرفض والاحتجاج يدفعه إلى طرح مزيد من الأسئلة، جميعها يدور في فلك السؤال الأساسيّ: «ما العمل؟». كما أنّ الحوار الذي جرى في المدرسة بين زاهر وأستاذه الفلسطيني المعجب به وبخطه، حين سأله عن عمل أبيه فأجابه زاهر: «والدي يشتغل كاتب في برزة السيد»، فلم يفهم الأستاذ وقال ممازحًا: «والله يا ابني أنت هيك رجعتني لأيام الخلفاء وكتاب الدواوين، مش مهم، المهم أنك ورثت عن الوالد هالخط البديع». ما كان يبدو للأستاذ غير مهمًّا هو ما كان يشغل بال زاهر، هذه المسافة الزمنيّة التي تغرق فيها بلاده دون أفق أو مشروع للنجاة والخروج إلى الزمن الجديد. ولعل أهم ما يجمع بين المشاهد الثلاثة، مشهد الميناء وضابط الجوازات وكلمة الأستاذ الفلسطينيّ، هو حدة التناقضات التي تكتنزها، وبحسب الرؤية الماركسيّة، فإنّ إدراك التناقضات هو الخطوة الأولى نحو الوعي؛ ولذا فإنّ وعي زاهر المتشكّل وإدراكه لموقعه وموقع بلاده من العالم هو ما سيدفعه إلى شقّ طريقه الإيديولوجيّ الذي يرى فيه وسيلة لتحرر بلاده من الاستبداد وظلمة الجهل، ورغم أنّ همّ زاهر قد بدأ شخصيًّا ومرتبطًا بألمه الخاص تجاه بلده؛ إلا أنه انتهى عامًّا ومشتركًا مع هموم أخرى في العالم من حوله، من بينها همّ أستاذه الفلسطينيّ المهجّر من مدينته حيفا، وهو ما يتكشّف في الأسئلة الآتية التي كان يحدّث نفسه بها:
«هل سيكون تحرير عمان من هيمنة الإمبريالية هو الطريق إلى تحرير القدس من الصهاينة فعلًا؟ أم أن تحرير عمان هو الطريق إلى عمان؟ إلى حيث على عمان أن تكون كما يراها، ويشتهيها. هل ستمتد الثورة من الجنوب فتعمَّ البلاد؟ هل سيتحرر كل الخليج من الإنجليز، فيتحول إلى كتلة واحدة تصبح شوكة في حلق الإمبريالية؟ هل ستتحرر البلاد من جهلها وفقرها، فتصبح غنية ومزدهرة مثل بلاد الآخرين؟».
إنّ في الأسئلة السابقة جلاءً للهواجس الإيديولوجيّة التي كانت تحرّك زاهرًا، فهو من ناحية مشغول بعمان بلده الذي ولد وعاش فيه طفولته، ومن ناحية أخرى مشدود إلى قضايا محيطه العربيّ، من «الخليج إلى فلسطين»، وهي تشترك معه أيضًا في هاجس التحرّر من الاستعمار ومقاومة أشكاله كافة. ولذا فإنّ زاهرًا بعد إرهاصات الوعي الأولى يندفع في المعرفة فيطالع الكتب والصحف ويشكّل مساره الإيديولوجيّ الذي ينطلق من مقولات العروبة والكفاح الوطنيّ من أجل التحرّر والناصريّة واليسار الماركسي، وهي جميعها إيديولوجيّات تحضّ على مقاومة الاستعمار، رغم المسوّغات المختلفة التي تسوقها كلّ إيديولوجيّة لتبرير ذلك، وتظهر في بنيات لغوية تبرز في سيادة لغة إيديولوجيّة للشخصيّة مثل: «العروبة، الناصريّة، الوطن، الطبقة، الإمبرياليّة...» وتمثّل هذه اللحظة الإيديولوجيّة في المسار الخطابيّ لشخصيّة زاهر تحوّلًا في الشخصيّة من «الرائي» إلى «التقنيّ»، أي من العين إلى اليد ومن القلم إلى البندقيّة، فبعد أن يحدّد زاهر خياره الإيديولوجيّ يلتحق بالمقاتلين في ظفار الذين يواجهون الإنجليز وجيش السلطان سعيد، لينتقل من النظريّة الإيديولوجيّة إلى الفعل، ويحمل بندقيته بما تمثّله من حمولة إيديولوجيّة في وجه بندقيّة خاله راشد بما تمثّله من حمولة إيديولوجيّة أيضًا.
أحمد الحوسني باحث عماني