جيس رو
ترجمة: أحمد شافعي
أجلس إلى طاولة في آخر مقهى متجر الكتب ومعي كومة كتب وقهوة مثلجة، وعلى الطاولة المجاورة امرأة، في الثلاثينيات تقريبا، بضفيرتين، ونظارة أمينة مكتبة، وقرط في الأنف، مالت عليّ وقالت «دعك من هذا».
تومئ إلى الطبعة الشعبية ذات الغلاف البنفسجي الساطع فوق كومة كتبي.
أتكلم عن الرواية الإثارية الجديدة للكاتب الاسكندنافي التي يحلف الجميع أن عليّ أن أقرأها. في اسمه الأخير حرف Ø فلا أحسب أنني قادر على تخمين نطقه. وينتابني شيء من الخجل إذ يظهر الكتاب معي. لكنني أظن أن بوسعي أن أتصفح الفصل الأول وألقي نظرة على الغلاف الخلفي فيصبح لديَّ ما أقوله في المرة القادمة حينما يتعين علي أن أتحدث مع كرستين عمة زوجتي.
تعيش كرستين في ماريون العليا، متقاعدة وسعيدة، برفقة كلاب اللابرادور، وعضوية في أربع مجموعات قراءة: الكلاسيكيات، والروحانيات، وأوبرا وينفري، وجرائم القتل في أوسلو. وحينما تراني، تلمع عيناها لمعة كرتونية، وتكاد تلعق شفتيها. ها هو كاتب العائلة.
تقول صديقتي الجديدة «شوف يا سيدي. في نيويورك كاتب روايات ألغاز كبير السن، ممرور، يريد أن ينهي حياته. فينشر كتابا عن مؤلف روايات ألغاز كبير السن، ممرور، ينشر كتابا غلافه أرجواني فاقع، وكلما رأى شخصا يقرأ كتابه هذا، يقتفي أثره، ويقتله. ثم يبدأ فعليا في عمل ذلك. وفي وضح النهار. فكلما رأى من يقرأ الكتاب، في المترو، أو في حديقة سنترال بارك، أو في أي مكان، يتبعه حتى بيته ويقتله. ولا يحاول أن يخفي آثاره. بل يترك الآثار والبصمات في كل مكان. أسوأ سلوك إجرامي يمكن تخيله».
أنحني ملقيا نظرة على الغلاف وأقرأ: مفتش في هدأة الأصيل.
«وبالطبع لا يقبضون عليه مطلقا. يتصل بصديق له في الشرطة، هو أحد مصادر كثير من معلوماته، يقول له ’أنا فلان، لقد تحولت إلى قاتل متسلسل‘، فلا يصدقه صديقه. ويقول له ’أنت بحاجة إلى إجازة‘. فيمضي إلى بيت له في ساج هاربر، ويبدأ في تمشيات طويلة على الشاطئ، وأينما يذهب يرى الغلاف الأرجواني الساطع. لا يستطيع أن يمنع نفسه. يتلقى دعوة للحديث في مجموعة قراءة في دار مسنين، فيأخذ معه طبق كعك فيه سم الستريكنين. وفي نهاية المطاف يدبر لموته هو، تاركا الكتاب فقط دليلا عليه».
«ذلك أشبه بمزيج من بول أوستر وباتريشيا هايسميث».
«أشبه بمزيج من أجاثا كريستي وبورخيس»
تتراجع في مقعدها في هيئة من تقول «معذرة، أنا لا أقصد التطفل»، ثم تأتي بأروع ما يمكن: تدير مقعدها لتواجهني، فإذا بها ترتدي فستانا صيفيا أحمر، وفي أحد ذراعيها أغصان لبلاب طالعة، وتضع ساقا على ساق وتميل للأمام قائلة «أظن أن الطريقة الوحيدة لينجح الأمر هي أن يكون الكاتب قد جاب نيويورك بالفعل قاتلا الناس».
أقول «وهذا احتمال بعيد، حتى بمعايير المهنة في أيامنا هذه».
تقول «لا أعرف. عموما، هل لا تزال تريد الكتاب؟ يجب أن أذهب، سآخذه لأرجعه إلى الطاولة إن شئت. صدقا. رواية سيزار آيرا هذه تحفة».
تنهض، ولا يخجلني أن أقول إنني تتبعت كل حركة من حركاتها، رأيت حقيبة باريس ريفيو المعلقة كيفما اتفق على كتفها، وضبطها الرقيق لإحدى ضفائرها، وطريقتها في فرد جيبتها، وارتعاشة عضلات ربلتيها، ثم الرجل الذي يرقب من مقعد الركن عند الطاولة العالية المواجهة للشباك، بشعره الأشيب القصير وشحمتي أذنيه البارزتين، وسترته السوداء المهترئة ذات اللمعة الباهتة على قميصه البولو الأزرق. تمسك الكتاب بتراخ، بيدها اليسرى، لاهية عنه، بينما تنظر إلى هاتفها في يدها اليمني، منسابة باتجاه المدخل، ويقف الرجل، ويمتص في صمت آخر قطرات قهوته المثلجة، ثم تتفقد نفسها وتضع الكتاب بدقة فوق كومة على الطاولة الأولى، كومة واضحة أتم ما يكون الوضوح، بكعوبها الأرجوانية، وتخطو إلى مربع من ضوء الشمس، وتمد يدها فتحك منتصف ظهرها، وتخرج السماعات من حقيبتها، وتمضي باتجاه شارع إليزابث، ويعاود هو الجلوس. كلانا يرقبها، يرقب قارئتنا، قارئتنا الأخيرة، يشاهدها وهي تمضي.