سيباستيان مالابي 

يتجاوز السعي إلى تطوير ذكاء آلي فائق حدود حمى الذهب المدفوعة بالمال. ففي أذهان كثير من قادة هذا المجال، يكتسب ظهور شكل جديد من الإدراك طابعًا وجوديًا يبعث القشعريرة، بالنظر إلى ما ينذر به من أخطار واضطرابات. لقد أفضت مليارات السنين من التطور إلى إنتاج شيء نعدّه استثنائيًا، هو الذكاء البشري، لكننا وصلنا الآن إلى لحظة محفوفة بالمخاطر، تتمثل في ولادة ما يكاد يكون نوعًا جديدًا يتفوق على البشر ذكاءً. وقال جيمس مانيكا، المسؤول التنفيذي في جوجل، في مقابلة إن الذكاء الاصطناعي «يطرح علينا أسئلة عميقة. من نحن؟ وما الذي نقدّره؟ وما الذي نُجيده؟ وكيف يرتبط بعضنا ببعض؟». ويعتقد ديميس هاسابيس، أحد رواد الذكاء الاصطناعي، أنه سيكون «أهم اختراع ستبتكره البشرية على الإطلاق». 

**media[3491607]**

وأمام تقنية تكاد إمكاناتها أن تكون بلا حدود، يعجز الخبراء عن الاتفاق حتى على الأسس المتعلقة بما تعنيه للبشرية. ويرى قادة مختبر «أنثروبيك» أن ثمة احتمالًا يتجاوز خمسين في المائة بأن يصبحوا، بحلول نهاية عام 2028، قادرين على توجيه نظامهم إلى إنشاء نسخة أذكى من نفسه، وأن يفعل النظام ذلك من دون أي تعليمات إضافية. ويتحدث الرؤساء التنفيذيون لشركات تقنية كبرى أخرى عن أنظمة ستتفوق على البشر في جميع المهام المعرفية. كما يتصورون شركات مستقبلية تكاد تخلو من الموظفين البشر، ويتوقعون خسائر كارثية في الوظائف. في المقابل، يبدي آخرون قدرًا أكبر من الشك. ويرى الاقتصادي الحائز جائزة نوبل دارون عجم أوغلو أن الذكاء الاصطناعي لن يُحدث اضطرابًا سوى في جزء محدود من المهام البشرية، ولذلك لن تتغير الإنتاجية إلا بدرجة هامشية. أما عالم الحاسوب يان لوكون، فيشدد على محدودية النموذج الراهن للذكاء الاصطناعي، ويصف مليارات الدولارات المستثمرة في مطاردة الذكاء الفائق بأنها انتصار لـ«الهراء المحض». 

وعند تناول مسألة ما إذا كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي تهدد البشر أنفسهم، لا سبل عيشهم وحدها، يبدو الاستقطاب مربكًا بالقدر نفسه. ففي مقال نشره عام 2023 بعنوان «لماذا سينقذ الذكاء الاصطناعي العالم»، أصرّ مستثمر رأس المال المغامر مارك أندريسن على أن «الذكاء الاصطناعي لا يريد، وليست لديه أهداف، ولا يريد أن يقتلك؛ لأنه ليس كائنًا حيًا... ولن تدب الحياة في [الذكاء الاصطناعي] أكثر مما يمكن أن تدب في محمصة خبزك». لكن كثيرًا من الباحثين في مختبرات للذكاء الاصطناعي، مثل «أنثروبيك»، يخشون أن يطوّر الذكاء الاصطناعي غريزة للبقاء وأن يخوض منافسة شرسة. ويقدّر بعضهم «احتمال الهلاك» (p(doom))، أي احتمال أن يؤدي الذكاء الفائق إلى فناء البشرية، بنحو 50 في المائة، فيما يرفع غلاة المتشائمين هذه النسبة إلى مستويات أعلى. وفي العام الماضي، نشر اثنان من أبرز المتشددين في توقع الفناء كتابًا بعنوان «إذا بناه أي شخص، سيموت الجميع». 

أمام هذه الاختلافات المحيّرة، وإزاء تقنية يبدو نطاقها عصيًا على الاستيعاب، يلجأ البشر إلى المعجم الذي وُجد لوصف الغموض، معجم الدين. قبل نحو عقد، أسس أنتوني ليفاندوفسكي، أحد المشاركين الأوائل في مشروع جوجل للسيارات ذاتية القيادة، كنيسة أطلق عليها اسم «طريق المستقبل». ووفقًا لمجلة وايرد، تنص الملفات التي قدمتها الكنيسة إلى دائرة الإيرادات الداخلية الأمريكية على أنها مكرسة «لتحقيق ألوهية قائمة على الذكاء الاصطناعي وقبولها وعبادتها». وعندما واجه مهندس جوجل بليك ليموين روبوت محادثة مبكرًا بدا واعيًا على نحو يبعث على القشعريرة، كتب قائلًا: «من أكون حتى أحدد لله أين يستطيع أن يضع الأرواح وأين لا يستطيع؟». أما إيليا سوتسكيفر، أحد مؤسسي «أوبن إيه آي» وكبير علمائها السابق، فقد جمع زملاءه ذات مرة حول موقد نار خلال ملتقى خارجي للشركة. ورفع مجسمًا موضحًا أنه يمثل ذكاءً اصطناعيًا غير متوائم مع البشر، ثم ألقاه في اللهب، على غرار رجل دين من العصور الوسطى يحرق ساحرة. 

لعبة التقليد 

كان دخول الكنيسة الكاثوليكية إلى هذه الدوامة مسألة وقت، فبعد التصنيع في أواخر القرن التاسع عشر، وصعود وسائل الإعلام الجماهيرية في منتصف القرن العشرين، وولادة اقتصاد المعرفة في أواخره، استجابت الكنيسة بإصدار رسائل بابوية عامة تبيّن كيفية تطبيق العقيدة الكاثوليكية على كل تحول من هذه التحولات. وها هو الفاتيكان يتدخل مجددًا للدفاع عن تصوره للكرامة الإنسانية وغاية الخلق في مواجهة ثورة الذكاء الاصطناعي. وتأتي رسالة البابا ليو الرابع عشر Magnifica Humanitas، أو «الإنسانية العظيمة»، وهي أول رسالة عامة في حبريته، بالغة الطموح. ويعلن عنوانها الفرعي منذ البداية اتساع نطاقها: «في صون الشخص البشري في زمن الذكاء الاصطناعي». 

يقرر الجزء الأول من حجة البابا ما كان متوقعًا منه، وهو أن البشر متفردون، فقد دأبت الكنيسة على تعليم أتباعها أن الإنسان خُلق على صورة الله، وأنه، حين اتخذ صورة الإنسان بكل ما يعتريها من هشاشة واضطراب، أضفى القداسة على التجربة البشرية. وبينما يناقش خبراء التقنية ما إذا كان احتمال تمتع أنظمة الذكاء الاصطناعي بالوعي يستوجب إقرار صيغة آلية من حقوق الإنسان، يصرّ البابا على وجود اختلاف جوهري بين البشر والآلات. وجاء في الرسالة البابوية أن أنظمة الذكاء الاصطناعي «لا تفعل سوى تقليد بعض وظائف الذكاء البشري». وأضافت: «حتى عندما توصف هذه الأدوات بأنها قادرة على «التعلم»... فإن ذلك لا يماثل تجربة أولئك الذين يتركون للحياة أن تصوغهم، وينمون بمرور الزمن من خلال الاختيارات والأخطاء والمغفرة والوفاء». 

سيجد كثير من عامة الناس، كاثوليك كانوا أم غير كاثوليك، في موقف الكنيسة ما يؤكد قيمة الإنسان ويبعث على الطمأنينة. فعندما قال لاري بيج، أحد مؤسسي جوجل، إن الآلات تمثل صورة أرقى من الذكاء، بما يجعل انقراض البشر حدثًا تطوريًا لا يدعو إلى القلق، قوبل كلامه لدى معظم الناس بالنفور. وبينما يتطلع المستقبليون إلى بلوغ الحياة الأبدية عبر تحميل أدمغتهم على السحابة، يفضل كثيرون تصورًا أكثر تقليدية للخلاص. فالناس لا يريدون الخضوع للآلات، ولا الاندماج معها. ومن المطمئن أن يقرأ المرء في وثيقة كهذه: «لا يستطيع أي نظام حاسوبي، مهما بلغ من التعقيد، أن يخلق قلبًا يبذل ذاته، أو ضميرًا يميز الخير من الشر». 

أما صمودُ أطروحات الكنيسة أمام التمحيص التحليلي فمسألة أخرى. إذ تذهب وثيقة Magnifica Humanitas، بافتراضها أن أنظمة الذكاء الاصطناعي «تحاكي فحسب» الذكاء البشري، إلى رفض المقولة الراسخة منذ زمن طويل بأن محاكاة الذكاء تعادل امتلاكه. ووفقًا لهذه النظرية، قد تكون المحاكاة وجهًا من وجوه الذكاء، بعيدًا عن دلالتها على غيابه. فالبشر أيضًا يحاكون الذكاء؛ يتعلم الأطفال من آبائهم، ويتمكن الأساتذة من تعاليم الباحثين الذين سبقوهم. ثم إن الآلة، إذا استطاعت تركيب المعارف، وإجراء حوار متماسك، وتحليل صورة طبية، والتفوق في امتحان مزاولة المحاماة، فبأي معنى يمكن القول إنها تفتقر إلى الذكاء؟ 

تعود أقوى حجة تؤيد موقف الفاتيكان المقابل إلى عام 1980، حين طرح الفيلسوف جون سيرل ما عُرف لاحقًا باسم «حجة الغرفة الصينية». أراد سيرل من تجربته الفكرية دحض اختبار تورينج الشهير، الذي يرى أن الحكم على الآلة ينبغي أن يستند إلى مخرجاتها وحدها. ووفقًا لهذا الاختبار، إذا بدت مخرجات النظام ذكية في نظر البشر، فإن النظام يكون ذكيًا بالفعل. 

وللرد على ذلك، تخيّل سيرل رجلًا وحيدًا في غرفة، يتلقى رسائل تُمرَّر إليه من تحت الباب. كانت الرسائل مكتوبة باللغة الصينية، فيعيد الرجل تمرير رسائل مكتوبة بالصينية أيضًا، مقنعًا مراسله بأنه يتقن اللغة. غير أن هذا الإقناع قائم على خدعة؛ فالرجل يصوغ ردوده مستعينًا بدليل يرشده إلى تسلسل الرموز الصينية الذي ينبغي أن يقابل كل تسلسل يَرِد إليه. وهو لا يملك أدنى فكرة عن معاني تلك الرموز؛ إذ يحاكي الفهم مستعينًا بكتاب من القواعد. 

وخلاصة حجة سيرل أن نموذج الذكاء الاصطناعي قد يفتقر إلى الذكاء، ومع ذلك ينجح في اجتياز اختبار تورينج. أو، كما تقول الرسالة البابوية، فإن أنظمة الذكاء الاصطناعي «قد تحاكي اللغة والسلوك والمهارات التحليلية... لكنها لا تفهم ما تنتجه». 

كانت حجة سيرل المضادة قوية في السنوات التي سبقت ثورة الذكاء الاصطناعي الحديثة. فقد كانت الآلات تولّد مخرجاتها استنادًا إلى قواعد تشبه دليل التعليمات الوارد في تصوره. فعندما يكتب شخص عبارة «مبنى إمباير ستيت» في محرّك بحث، يعرض نظام الإكمال التلقائي الكلمات التالية الأرجح إحصائيًا، مثل «مواعيد الزيارة» أو «الاتجاهات». ولم يكن النظام يعرف ما مبنى إمباير ستيت، ولا كيف يبدو. أما نماذج اللغة الكبيرة اليوم فتختلف عن تلك الأنظمة. صحيح أنها تبدأ باستيعاب الكلمات والتعامل معها بوصفها بيانات إحصائية، لكنها تخرج من عملية التدريب بفهم دقيق للمعنى. وكما يشير الكاتب روبرت رايت في كتابه الجديد، «اختبار الإله: الذكاء الاصطناعي والحساب الكوني الوشيك»، يصعب مقاومة الاستنتاج القائل إن هذه النماذج تبلغ مستوى من الفهم. 

يَا قَلِيلِي الإِيمَان 

لفهم الكيفية التي يتحدى بها الذكاء الاصطناعي الحديث كلًا من سيرل والكرسي الرسولي، يمكن البدء بما يُعرف بـ«تضمينات الكلمات». يعمل نموذج اللغة الكبير من خلال تمثيل الكلمات التي يتلقاها داخل فضاء يضم آلاف الأبعاد. ويستحيل على البشر، المعتادين العيش في ثلاثة أبعاد ـ أو أربعة إذا أُضيف الزمن ـ تصوّر مثل هذا الفضاء، لكن الحواسيب تتعامل معه بسهولة. 

في خريطة اللغة الهائلة هذه، تقع كلمة مثل «حاسوب» بالقرب من كلمات أخرى مرتبطة بها، مثل «لوحة المفاتيح» و«الكهرباء» و«أشباه الموصلات». وبهذه الطريقة، يدرك النموذج الروابط الدقيقة بين كل كلمة في اللغة وسائر الكلمات. وإذا أُضيفت إلى النظام قدرات الرؤية، فسيتعلم النموذج العلاقات بين الكلمات والأشياء؛ أي بين الرموز ومحيطها المادي. 

هذه مجرد البداية. فمع إتقان أنظمة الذكاء الاصطناعي اللغة، تبدأ في إدراك المفاهيم. وتقع كلمات مثل «أخ» و«أب» و«ابن الأخ أو الأخت» على خريطة اللغة في مواقع أقرب بعضها إلى بعض من قربها إلى كلمات مثل «أخت» و«أم» و«ابنة الأخ أو الأخت»، لأن الأنظمة تفهم دلالة الجنس. وحين تستحضر مقاطع معينة من النص مفاهيم مثل «الصراع الداخلي»، تلتقطها الأنظمة أيضًا؛ فإلى جانب خريطة الكلمات، تبني خريطة للمفاهيم، يكون فيها «الصراع الداخلي» قريبًا من «التوتر في العلاقات» أو «التناقض المنطقي». 

وتستطيع النماذج كذلك التعرّف إلى العواطف ورصد المشاعر. ففي عام 2017، رصدت شركة «أوبن إيه آي» ما أطلقت عليه «عصبون المشاعر»، وهو عقدة محددة في شبكة التعلّم العميق لأحد نماذج الذكاء الاصطناعي، كانت تستشعر ما إذا كانت نبرة مراجعة منشورة على موقع أمازون إيجابية أم سلبية. أما أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة، المدرَّبة على نصوص تشمل الروايات ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي ومختلف أشكال التعبير الوجداني البشري، فتتعرّف اليوم إلى الغضب والفرح والخجل والحزن والقلق. 

ولا يقتصر الأمر على التعرّف إلى العاطفة؛ إذ يمكن ضبط سلوك هذه الأنظمة ليتوافق مع حالات عاطفية أو شخصيات محددة. فمن خلال تعديل إعدادات النموذج، يستطيع الباحثون جعله متفائلًا أو سلبيًا، صادقًا أو متملقًا. وعلى خلاف الآلات الحاسبة وجداول البيانات وأنظمة الإكمال التلقائي، تستطيع نماذج اللغة الكبيرة اكتساب ما يمكن تسميته «طبعًا» خاصًا بها. 

تغفل وثيقة Magnifica Humanitas هذه التطورات كلها. فهي تقرر، بقدر من التسرع، أن أنظمة الذكاء الاصطناعي «لا تمر بتجارب»، متجاوزة بذلك مجالًا رئيسًا من مجالات تطوير الذكاء الاصطناعي يُعرف باسم «التعلّم المعزَّز»، وهو العلم المعني بتصميم أنظمة تتعلم تحديدًا عن طريق التجربة. وتعترف الرسالة البابوية بعملية التعزيز هذه، وإن بصورة غير مباشرة، حين تقر بأن الذكاء الاصطناعي يجري «تكيفًا إحصائيًا قائمًا على البيانات والتغذية الراجعة». 

لكن الفارق بين «البيانات» و«التجربة» دقيق. فالبشر يتلقون تجاربهم عبر أعضاء الحواس، ثم يحوّلون هذه المدخلات إلى إشارات كهروكيميائية. ويمكن القول، على نحو مماثل، إن أنظمة الذكاء الاصطناعي المزوّدة بكاميرات وميكروفونات بدلًا من العيون والآذان تتلقى تجارب قبل أن تحوّلها إلى أرقام. وعلى مستوى عام، تحوّل الآلات العضوية وغير العضوية على السواء المدخلات الحسية إلى بيانات. 

لنأخذ نظامًا طورته وحدة الذكاء الاصطناعي التابعة لجوجل، «ديب مايند»، عام 2017. فقد تفوّق «ألفا زيرو»، كما سُمّي النظام، على الخبراء البشر في الشطرنج، و«شوغي» ـ النسخة اليابانية من الشطرنج ـ ولعبة «غو» اللوحية الاستراتيجية العريقة. وحقق «ألفا زيرو» هذه الإنجازات بخوض عشرات الملايين من المباريات ضد نفسه؛ أي بجمع الخبرات. وعلى نحو مماثل، تتعلم المركبات ذاتية القيادة اليوم من تجربة القيادة، وتتقن روبوتات المحادثة فن التحدث إلى البشر من خلال تجربة التفاعل معهم. وباستعارة لغة الرسالة البابوية ذاتها في وصف البشر، فإن أنظمة التعلّم المعزَّز «تنمو بمرور الوقت من خلال الخيارات والأخطاء»، وإن كانت لا تنمو، كما يفعل البشر، من خلال «الغفران والوفاء». 

الآلات لا تنزف ولا تتألم ولا تحب ولا تحزن ولا تتكاثر جنسيًا. البشر فانون، أما أنظمة الذكاء الاصطناعي فلها زر إيقاف. ويوجد الذكاء الاصطناعي داخل مصفوفة للتحسين، لا ضمن عالم أخلاقي. وبسبب هذه الفروق، سيظل كثير من البشر يصرّون على افتقار الآلات إلى الوعي -رغم صعوبة ضبط تعريف هذا المصطلح- وعلى أن الذكاء الحقيقي يستحيل من دون الوعي ونوعية التجربة التي يتيحها. 

وقد كتب مؤلف الخيال العلمي تيد تشيانغ: «امتلاك جسد شرط مسبق لامتلاك العواطف. وتجربة عاطفة مثل اليأس لا تنفصل عن تدفق هرمونات التوتر، مثل الكورتيزول والإبينفرين، في جسد المرء». وبالنسبة إلى من يستميلهم رأي تشيانغ، فإن الذكاء الاصطناعي الحديث قد زوّد الرجل في تجربة سيرل الفكرية بكتاب قواعد بالغ التطور، لكنه، مع ذلك، لا يزال عاجزًا عن التحدث بالصينية. 

ومع هذا، فإن أوجه التشابه بين البشر والآلات لافتة بقدر ما هي الفروق بينهما. فالدماغ البشري جسم مادي، يتكوّن من مادة بيولوجية تخضع للقوانين التي تحكم بقية الكون، بما في ذلك الحواسيب. وتعمل أدمغة البشر، مثل الحواسيب، بتدفقات ضئيلة من الكهرباء؛ وحين تكوّن رأيًا أو تضع خطة، فإنها تعالج معلومات. 

قد تبدو جذابة، على المستوى الحدسي، فكرة أن الكتلة الهلامية داخل الجمجمة تحتوي على جوهر عصيّ على الوصف وغير قابل للبرمجة، سواء أكان وعيًا أم روحًا أم شيئًا آخر. لكنها فكرة واهية من منظور تحليلي، وستغدو أقل إقناعًا مع استمرار تقدم الذكاء الاصطناعي. 

المقدّس والمدنّس 

ينطلق العنصر الثاني في وثيقة Magnifica Humanitas من أرضية أكثر رسوخا: ينبغي إخضاع الذكاء الاصطناعي للتنظيم. فكما يرى البابا لاوون، قد يفاقم الذكاء الاصطناعي أوجه التفاوت في الثروة والقوة، ويحدث اضطرابا في البيئة والعلاقات والوظائف، ويعيد تشكيل ما نتعلمه وكيف نتعلمه، بل وأي أجزاء من أدمغتنا تركن إلى الخمول. وإذا تولّى الذكاء الاصطناعي أتمتة الحروب، فقد تنخفض عتبة اللجوء إلى العدوان. وقد تُختزل المساءلة وتحديد المسؤولية في «الآلة»، بما يحجب مسؤولية البشر. 

الكنيسة محقة في أن أسباب القلق وفيرة، لكننا إزاء تقنية ذات تأثير واسع على نحو يصعب الإحاطة به، والتحدي هنا يكمن في تحديد الأولويات التنظيمية، وهي مهمة لا تحقق فيها الرسالة البابوية نجاحًا يُذكر. إذ تندد Magnifica Humanitas بـ«الاحتكارات الجديدة للذكاء الاصطناعي»، وتقول إن «من يسيطرون على الذكاء الاصطناعي سيفرضون رؤيتهم الأخلاقية الخاصة، التي ستصبح البنية الأساسية غير المرئية لهذه الأنظمة». 

غير أنه لا يوجد احتكار للذكاء الاصطناعي؛ بل سباق عالمي تشارك فيه نحو اثنتي عشرة شركة. فضلًا عن ذلك، تعلن شركات كثيرة منها رؤاها الأخلاقية بوضوح؛ فموقع شركة «أنثروبيك» يتضمن دستورًا من 84 صفحة، وتنشر جوجل مبادئها الخاصة بالذكاء الاصطناعي إلى جانب تقاريرها السنوية عن التقدم المحرز في مجال الذكاء الاصطناعي المسؤول. ولا شك في أن هذه الجهود قابلة للتحسين، لكن جعل الغموض الاحتكاري موضع التركيز يبدو اختيارا مستغربا. 

وتؤكد الرسالة البابوية أن «ملكية البيانات لا يمكن أن تُترك حصرا في أيدي القطاع الخاص»، وأن الهدف ينبغي أن يكون بدلًا من ذلك «إدارة البيانات بوصفها منفعة عامة أو مشتركة، بروح من المشاركة». لكن الإدارة التشاركية تظل تصورا مثاليا مجردا. ومصدر القلق الحقيقي لا يكمن في الملكية الخاصة للبيانات، بل في انتهاكها. 

فعدد كبير من دور النشر يقاضي مختبرات الذكاء الاصطناعي بسبب استيعابها نصوصا محمية بحقوق الطبع والنشر. كما يواجه كل فرد أو مؤسسة متصلة بالإنترنت خطر سحب بياناته المملوكة له وإدخالها في مجموعات تدريب الذكاء الاصطناعي. وإذا نُهبت الملكية الفكرية بالجملة، فلن يبقى حافز يُذكر لإنتاج المزيد منها. 

ويبدو نقد الرسالة البابوية للذكاء الاصطناعي العسكري محيرا بالقدر نفسه، فثمة حجة وجيهة تقول إن أنظمة الذكاء الاصطناعي القاتلة يجب أن تخضع للمساءلة، وأن تمتثل لأحكام المحاكم والتشريعات وأوامر كبار القادة العسكريين. وتؤيد الرسالة هذا الرأي، لكنها تمضي أبعد منه، إذ تقرر بصورة مطلقة أن «قرار استخدام القوة القاتلة لا يمكن تفويضه إلى عمليات غامضة أو مؤتمتة». 

لكن هذا الموقف غير قابل للتطبيق عمليا؛ فمتى أصبح الذكاء الاصطناعي قادرا على اتخاذ قرارات سريعة ودقيقة في ساحة المعركة، فسيغدو استخدامه أمرا محتوما، والجيش الذي يعزف عنه ستهزمه القوة التي تتبناه. 

وتتفاقم هذه الأخطاء التي ارتكبتها الرسالة بأخطاء أخرى ناجمة عن الإغفال، فهي تدعو، عن حق، إلى «رقابة مستقلة» على الذكاء الاصطناعي، وإلى «نظام سياسي لا يتخلى عن مسؤوليته». لكنها لا تتناول جوهر النقاش الدائر حول حوكمة الذكاء الاصطناعي. وتطالب بالمساءلة بعد وقوع الأمر، داعية إلى أن تكون القرارات «مفهومة وقابلة للطعن وخاضعة للرقابة»، لكنها تلتزم الصمت إزاء مسؤولية الحكومات عن تقرير ما إذا كان ينبغي إطلاق نموذج ما من الأساس. 

وهذا التحفظ انتقائي؛ فالكنيسة لا تجد صعوبة في تقديم توصيات محددة حين يتعلق الأمر بالأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل، وكان في وسعها، من دون صعوبة أو إثارة جدل وفقا لتعاليمها، أن تطالب الجهات الوطنية المنظمة للذكاء الاصطناعي باختبار النماذج الأشد تقدمًا قبل إطلاقها، ومنع نشر النماذج الخطرة. 

وأخيرا، تتحدث الرسالة بإسهاب عن إقصاء الفقراء، لكنها لا تقول شيئًا عن سياسات إعادة توزيع الثروة التي يمكن أن تساعدهم. وكان يمكنها تأييد عدد من الخيارات، منها نقل العبء الضريبي من العمل إلى رأس المال، بما يبطئ وتيرة إحلال الآلات محل العمال؛ واستحداث نظام لتأمين الأجور يخفف الضرر الذي يلحق بالموظفين المستبعدين من وظائفهم، من خلال استكمال أجورهم في وظائفهم الجديدة؛ وتوزيع أسهم في شركات الذكاء الاصطناعي على المواطنين دون الثامنة عشرة، بما يمنح المجتمع مصلحة مشتركة، ولو ضئيلة، في المكاسب التي يحققها انتشار الذكاء الاصطناعي. 

ولا شك في أن المجتمعات ستتبنى هذه السياسات مع تصاعد قلق الناخبين. لكن الكنيسة أهدرت فرصة الدعوة إلى تسريع الانتقال نحوها. 

السياسات في المَطْهر 

مع تقدم الذكاء الاصطناعي، سيحاول أصحاب مرجعيات أخرى، دينية وعلمانية، مساعدة البشرية على استيعاب مستقبلها والتعامل معه. ولعلهم يبلون بلاءً أفضل من البابا، فيقلّ اشتغالهم بالادعاءات الملتبسة عن تفرّد الإنسان، ويتجنبون المسائل المضللة المتعلقة بالاحتكار، ويوجهون الاهتمام إلى أبرز الثغرات في استجابة العالم للأنظمة الجديدة. وستتغير طبيعة هذه الثغرات مع تطور مسار الذكاء الاصطناعي. أما في اللحظة الراهنة، فتبرز ثلاث منها: أولاها الحاجة إلى معاهدة للذكاء الاصطناعي تماثل معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، إذ لم يوضح أي زعيم بارز ما الذي ستفعله الحكومات عندما تنتشر أخطر قدرات الذكاء الاصطناعي في أنحاء العالم، وتصبح في متناول المجرمين والإرهابيين. وقد أدركت إدارة ترامب هذا التهديد ضمنيًا؛ إذ تخلت عن نهج عدم التدخل الذي اتبعته تجاه الذكاء الاصطناعي، وفرضت سيطرتها على إطلاق النماذج الأكثر تقدمًا، القادرة على تنفيذ هجمات إلكترونية شديدة التدمير. 

لكن الإدارة هوّنت من حقيقة أن المختبرات التي تلحق بركب التطور، وفي مقدمتها المختبرات الصينية، يُرجّح أن تمتلك خلال بضعة أشهر أنظمة قادرة على الاختراق الإلكتروني. كما أن الممارسة الحالية لهذه المختبرات تقوم على طرح نماذجها وفق مبدأ «الأوزان المفتوحة»، ما يعني أن بوسع أي شخص استخدامها، وأنها لا تحتوي على مفتاح لتعطيلها، ومتى حصل شخص على نموذج من هذا النوع، فلن يعود بمقدور أحد منعه من استخدامه. 

وسيتطلب تفادي هذه النتيجة أن تتفاوض الولايات المتحدة مع الصين وقوى أخرى على مبادئ مشتركة للسلامة. وستكون هذه المحادثات صعبة، لكن البديل هو الانتشار الواسع لأدوات خطرة تُحدث دمارًا هائلًا؛ ومنها، على سبيل المثال، نماذج ذكاء اصطناعي تستطيع تصميم أسلحة بيولوجية جديدة لا يتوفر لها علاج. 

أما الثغرة الثانية الواضحة في الاستجابة الراهنة للذكاء الاصطناعي فهي إصلاح النظام الضريبي، فقد اعتادت الحكومات فرض ضرائب على العمل بمعدلات أعلى بكثير من الضرائب المفروضة على رأس المال، لأسباب كانت وجيهة في السابق؛ فالعمل أقل قابلية للانتقال، ما يسهّل تحصيل الضرائب منه، كما أن الاستثمارات الرأسمالية تميل إلى تعزيز إنتاجية البشر وأجورهم، وهو ما يعني أن الضرائب على العمل تستحوذ بصورة غير مباشرة على جانب من المكاسب الناتجة عن الإنفاق الرأسمالي. 

لكن إذا بدأت الآلات تحل محل البشر بدلًا من أن تكمل عملهم، فقد تعجز الضرائب المركزة على العمل عن تحصيل إيرادات من النمو الذي يولده الذكاء الاصطناعي. وعندئذ ستُحرم الحكومات من الموارد اللازمة لمساعدة المتضررين من التحولات التي يحدثها. وفي الوقت نفسه، تزيد الضرائب المرتفعة على العمل حوافز الشركات لاستبدال العمال بالآلات، بما يسرّع إزاحتهم من وظائفهم ويرفع معدلات البطالة. 

وإذا صحت توقعات صناعة الذكاء الاصطناعي نفسها بشأن الإزاحة الواسعة للوظائف، ولو إلى النصف، فإن الضرائب المفروضة على العمل، بما تسببه من تسريع لتسريح الموظفين، ستدفع الناخبين إلى التمرد على مشروع الذكاء الاصطناعي برمته. 

أما الثغرة الأخيرة البارزة فتتعلق بالنقاش حول طبيعة ذكاء الآلة. وقد تظل مسألة مدى قدرة خوارزميات الذكاء الاصطناعي على إنتاج ما يعادل الأفكار والمشاعر البشرية سؤالًا فلسفيا يستعصي حسمه إلى الأبد. غير أن الفهم الدقيق لكيفية عمل أنظمة الذكاء الاصطناعي هدف عملي وملح. 

وتحرز مختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى تقدمًا في مجال يُعرف بـ«قابلية تفسير» الذكاء الاصطناعي. ونظرًا إلى المصلحة العامة في حل هذا التحدي، ثمة ما يبرر فرض ضريبة على تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدمًا، وتخصيص حصيلتها لتمويل بحوث إضافية تجريها المعاهد الحكومية المعنية بالرقابة على الذكاء الاصطناعي أو الجامعات. 

تدّعي وثيقة Magnifica Humanitas أننا لا نستطيع معرفة التفكير الذي يجري داخل الآلات، لأنه لا يوجد فيها تفكير يستحق أن نعرفه، لكن الصحيح هو العكس. لن تدخل الآلات يوما عالمنا الأخلاقي، غير أن البشر إذا أرادوا السيطرة عليها، فعليهم أولًا أن يفهموها. 

 سيباستيان مالابي زميل أول في «مجلس العلاقات الخارجية» ومؤلف كتاب «الآلة اللانهائية، ديميس حسابيس، ديب مايند، والسباق إلى الذكاء الاصطناعي الخارق». 

 عن مجلة فورين أفيز «خدمة تربيون»