في علم الفلسفة يعد الجذر هو الجوهر الذي لا يتغير، والجذور العريقة لسلطنة عُمان ليست سردا تاريخيا وحسب، بل بنية عميقة ورأسمال ناعم تشكلان وعي الجمهور عن الجذور العريقة العُمانية على مر العصور، التي تعدُّ إرثا من قيم التسامح وحسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الغير، وجسرا للحوار في عالم متغير مستقطب ومعقد الأحداث ومبهم الغايات من الحروب وإثارة القلاقل، وأيضا تعدُّ الجذور العريقة لسلطنة عُمان رصيدا دبلوماسيا عظيما يمنح المجتمع العُماني ثباتا وتماسكا. لا تتعارض الأصالة مع الحداثة، فالحديث عن الجذور العريقة اليوم لا يكفي في عالم متغير ويشهد تحولات باستمرار، ولذلك كان الحرص على الابتكار ضرورة في «رؤية عُمان 2040» عبر تحديد أهداف لتحقيق الرؤية من بينها اقتصاد متنوع مبتكر من الاعتماد على النفط الخام إلى صناعات التعدين، والسياحة المستدامة، والاقتصاد الرقمي، والطاقة المتجددة مثل مشاريع الهيدروجين الأخضر.
الفيلسوف الألماني هايدغر طرح سؤالا «كيف يمكن للكائن أن يكون أصيلا وهو متغيّر؟»، وفي عصر السيولة إما أن تختار الأمم الأصالة أو التحديث، أما عُمان فاستفادت من البنية العميقة للهوية في تشكيل الأساس الفلسفي الناتج عن الجذور العريقة إلى النمو والازدهار والابتكار، فمثلا الوجود البحري للعُماني منذ القدم لم يكن مبنيا على استغلال البحر، بل هي علاقة معرفية بالنجوم وربطها بحركة الرياح ما أسهم في تنمية الاقتصاد الأزرق وازدهار الموانئ، أما الجذر العريق الآخر الذي عرفت به عُمان منذ سنوات طويلة فهو سياسة الحياد الإيجابي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ويعد تجسيدا لفلسفة الوسطية والاتزان والحكمة في الخطاب العُماني، مما أكسب سلطنة عُمان شرعية أخلاقية نادرة في النظام الدولي، أما الجذر العريق المهم فهو توظيف المعرفة من علم الفلك وفلسفة نظام الري في الأفلاج إلى نظام هندسي بيئي، وبالتالي نستطيع القول إن المعرفة العُمانية كانت تطبيقية تهدف إلى تسخير الطبيعة، وبالتالي نتفق مع رأي الفيلسوف برغسون في أن الجذور هي اللاحاضر، ويقصد الماضي الذي لا يزال فاعلا في الحاضر.
إن العلاقة بين الجذور والابتكار أساسها التكامل وليس التضاد، فالجذور نستلهم منها العمق، والابتكار يعطينا الامتداد، وبين العمق والامتداد تُبنى الأوطان، والجذور العريقة لسلطنة عُمان هي رأس المال الذي نعتز به ونستلهم منه الأفكار للمستقبل، وهو ما نشهده من توظيف الجذور العُمانية في النهضة المتجددة من خلال تحويل الجذور وترجمتها في «رؤية عُمان 2040» عبر الاستفادة من الصحراء والرياح الموسمية في إنشاء أكبر مشاريع الهيدروجين الأخضر في سلطنة عُمان، والاستفادة من تجربة الشورى في حكومة رقمية، ومشاركة مجتمعية، أما الضيافة والكرم اللذان يُعدان من سمات ومميزات العُمانيين منذ القدم، فقد صنعا الهوية العُمانية والسياحة التجريبية، وأسهما في سرد القصة عن عُمان والعُمانيين ومن يزورها للعالم أجمع، أما الجذر التاريخي للبحارة العُمانيين وتجارتهم على مر العصور، فتُرجم إلى ريادة أعمال ومؤسسات صغيرة ومتوسطة، وأعمال لوجستية، وموانئ عالمية، وبالتالي من المهم أن نضع الجذور والابتكار في كفة واحدة فهما يشكلان اليوم الأصالة التي يعتز بها العُمانيون والحداثة التي يعيشها العُمانيون؛ لأن الجذور تعطينا الثبات والعمق، والابتكار يعطينا الامتداد والحياة.
وبالنظر إلى «رؤية عُمان 2040»، فإن الجذور العريقة تمثّل المحاور الأربعة الوطنية، وهي: الإنسان والمجتمع، ويعكس هذا المحور صفة العُماني الحكيم والمتعلم، وتُترجم من خلال الاستثمار في التعليم والصحة والمهارات إلى مهارات المستقبل؛ والاقتصاد والتنمية، ويعكس قدرة العُماني على صناعة الاقتصاد الأزرق وتنميته من خلال التجارة البحرية إلى موانئ حديثة متطورة وصناعات لوجستية وسياحة تجريبية؛ والحوكمة، وتعكس تطبيق العدل والشورى في حوكمة الأداء المؤسسي من خلال استلهام العمق والثبات في الجذور العريقة، من مجلس الشورى إلى حكومة رقمية، وشفافية، وكفاءة في الأداء، ومكافحة الفساد؛ والبيئة والموارد، وتعكس خبرة العُمانيين في إدارة الأفلاج ومعرفتهم التطبيقية بنظام الري وخبرتهم في البحر من خلال معرفة حركة الرياح ورمزية النجوم إلى ابتكار نظام هندسي للأفلاج وأمن غذائي ومائي، وطاقة متجددة مثل مشاريع الهيدروجين الأخضر.
أما الابتكار فتمثّل في الأولويات الـ 12، وهي التنويع الاقتصادي والاستدامة المالية، والرفاه والحماية الاجتماعية، والقيادة والإدارة الاقتصادية، وسوق العمل والتشغيل، والقطاع الخاص والاستثمار والتعاون الدولي، والمواطنة والهوية والتراث والثقافة الوطنية، والتعليم والتعلم والبحث العلمي والقدرات الوطنية، والصحة، وتنمية المحافظات والاستدامة، وحوكمة الجهاز الإداري للدولة والموارد والمشاريع، والتشريع والقضاء والرقابة، والبيئة والموارد الطبيعية.
أرى أنّ توظيف الجذور العريقة لسلطنة عُمان والابتكار هو الحل للمساهمة في تحقيق «رؤية عُمان 2040» من خلال ترجمة الابتكار لهذه الجذور، ومن الأفكار المساندة لتحقيق ذلك، استحداث منهج دراسي عن الهوية والابتكار، واستحداث مسارات مهنية مرتبطة بـ«رؤية عُمان 2040»، وكذلك الاشتغال أكثر على صناعة المنتجات العُمانية بدل الاستيراد، وبالتالي دورنا اليوم جميعا أن نستفيد من الربط بين الجذور العريقة لسلطنة عُمان والابتكار إلى مصانع ومدارس وتطبيقات تقنية، وكذلك وظائف.