شهدت اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، بما فيها البحرين والكويت وسلطنة عُمان وقطر والسعودية والإمارات، نموًا وتحولًا في صناديقها السيادية خلال العقد الماضي، وذلك في إطار جهودها لتنويع مصادر دخلها بعيدًا عن تقلبات أسعار الطاقة، وتضم المنطقة اليوم بعضًا من أكبر الصناديق السيادية في العالم، حيث يدير نحو اثني عشر صندوقًا بقيادة السعودية والإمارات أصولًا تتراوح قيمتها بين 4 و6 تريليونات دولار أمريكي، وفقًا لتقديرات جهات تتبع الصناديق السيادية وصندوق النقد الدولي.

وفي العام الماضي وحده، تشير التقديرات إلى أن الصناديق السيادية في المنطقة استثمرت أكثر من 120 مليار دولار أمريكي، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية المستفيد الأكبر من ذلك.

لكن يواجه الاقتصاد الأمريكي ضغوطًا متزايدة بسبب تفاقم الديون الأمريكية، فقد كسرت حاجز الـ40 تريليون دولار، وتزداد كل عام، فعوائد الحكومة الأمريكية حوالي 5.5 تريليون سنويًا، وإنفاقها السنوي حوالي 7.5 تريليون دولار. هذه الزيادة في الإنفاق بسبب الدعم المستمر للشركات الكبيرة، وتكلفة الحروب الخارجية، إضافة إلى الارتفاع المتصاعد في تكلفة خدمة الدين. ولا حل في الأفق، كما يقول المراقبون، إلا بطباعة المزيد من العملة، أو زيادة إصدار سندات الدين الأمريكية.

إن ارتفاع عوائد سندات الدين ينعكس على الصناديق السيادية الخليجية عبر مخاطر تراجع قيم الأصول المقومة بالدولار، وتضخم تكاليف التمويل، وضغوط تسييل بعض الاستثمارات لدعم الميزانيات المحلية في ظل تقلبات أسواق الطاقة. وترتبط استثمارات وحيازات واسعة للصناديق والبنوك المركزية الخليجية بالسندات والأصول الأمريكية، مما يجعلها عرضة للخسائر الدفترية عند ارتفاع عوائد الخزانة، واضطراب أسواق الدين. كما أن ارتباط معظم العملات الخليجية بالدولار يفرض استيراد السياسة النقدية للفيدرالي الأمريكي تلقائيًا، مما يرفع الفائدة محليًا. وتؤدي أسعار الفائدة المرتفعة المرتبطة بالسياسة النقدية الأمريكية إلى زيادة تكاليف تمويل المشاريع الكبرى وبرامج التنويع الاقتصادي داخل دول الخليج العربي.

ومع تداخل تقلبات أسواق الطاقة بالتوترات الإقليمية، توضع أعباء إضافية على الميزانيات العامة، مما دفع بعض السندات السيادية الخليجية لمواجهة ضغوط بيعية وعوائد أعلى.

وللخروج من هذا المأزق الاقتصادي، يحتاج الأمر إلى توجيه أغلب استثمارات الصناديق السيادية نحو الداخل لدعم البنية التحتية الصناعية قدر الإمكان، التحول الرقمي الذي يخدم حل مشكلات الصناعة الداخلية، الأمن الغذائي، والطاقة المتجددة. وضرورة الاتجاه المتزايد نحو الأسواق الناشئة سريعة النمو في آسيا، كالصين ودول جنوب شرق آسيا. بالإضافة إلى التركيز على الأصول الحقيقية غير المرتبطة مباشرة بالتقلبات النقدية، مثل صناعات أشباه الموصلات، والمعادن الحيوية.