يواجه الفن التّشكيلي اليوم تحوّلًا بنيويًّا يتجاوز خلالَه تبدّل الأدوات وتطوّر التّقنيات وتغيّر الأساليب، إنّه تحوّلٌ يمسّ جوهر العمل الفنيّ وماهيته الفلسفيّة، فقد تغيّرت الأسئلة التي تدور في ذهن الفنان والمتلقي في عصر الذّكاء الاصطناعي القادر على إنتاج العمل الفنيّ بكفاءة مطلقة وسرعة فائقة، وطباعته بشكل ثنائي الأبعاد كلوحة أو ثلاثيها كمنحوتة ليكون قادرا على التّأقلم مع صالات العرض الفنيّة التّقليديّة ولا يبقى حبيس الشّاشات فقط، فانتقل السّؤال من أنماطه الكلاسيكيّة: ماذا نرسم؟ لماذا نرسم؟ هل نحاكي الواقع بدقّة عاليّة أم نجرّده بخطوط مكثّفة؟ كيف نوصل الفكرة ونصل للمتلقي؟
وصارت الأسئلة الأكثر إلحاحًا هي:
من الفنان؟ هل هو صاحب الفكرة، أم منفّذ العمل الفنّي القادر على التعامل مع التقنيات الحديثة، أم المشرف على إنتاجه؟
من أين تأتي قيمة العمل الفنيّ اليوم؟ حيث لم يعد الاشتغال بالجمال داخل العمل الفنيّ هو المعيار، ولا حتّى فكرته، اليوم صار الانبهار بما ينتجه الذّكاء الاصطناعي هو المسيطر من حيث الدّقة والسّرعة، لكن في القريب ستصبح أهمية العمل الفنيّ قائمة على (بشريّة صنعه) فنجد بجانب اللّوحة ملاحظة «صناعة يدويّة» لتمييزها عن اللّوحات الأخرى، سترفع هذه الملاحظة من قيمة العمل، كما في الكثير من المنتوجات كالتّطريز وصياغة الذّهب والمجوهرات، وصناعة الحقائب وغيرها من المجالات التي تحتفي بالجهد والذّوق البشريين وكذا بالأخطاء والهفوات التي تفرضهما طبيعة الإنسان على عمله، فيكون الاكتمال بالنّقص الذي قد يحمله.
سيُعاد الاعتبار للحرفة «Craft» والجهد العضلي للفنان، سيصبح امتشاق الإزميل أمام الحجر كالسّيف في وجه التّكنولوجيا، وحملُ الفرشاة ومزج الألوان ومواجهة بياض القماش العاري دون الحاجة للتّدرجات اللّانهائيّة الرّقميّة عملٌ يتطلّب الإيمان والجرأة كذلك، ستصير هذه الأفعال العاديّة ثوريّة، تنقل الفن التّشكيلي من كونه وسيلة لصنع الجمال البصري إذ إن الآلة تفعل ذلك بكفاءة أعلى، ليصبح الفن من خلال العمل الفنيّ شاهدا على خصوصية التّجربة الذاتية للإنسان بكل ما تحمله من شغف وهشاشة ورغبة وسعادة أثناء ممارسته الإبداعيّة.
وكما تعتمد كلّ نماذج الذكاء الاصطناعي على نماذج تدريبيّة ضخمة LLMs كذلك برامج توليد المحتوى البصري الفني تعتمد على تحليل ملايين الصّور واللّوحات التي أنتجتها البشريّة عبر العصور، وتحويل كل ذلك إلى لغة رياضيّة تعمل على صيغ رقميّة تقوم بتحليلٍ احتمالي ليخرج منتجٌ «سريع»، يمكن أن نتلمس فيه مواضع جماليّة وإبداعيّة.
فالعملية إذن تحويل الإبداع الفنيّ من عملية تأملية عقليّة الى رقمنة تقوم على المزج بين مدارس فنيّة مختلفة وأنماط لفنانين من حقب متباعدة، فتكون الأعمال هجينة تتعلّق هويتها بالأوامر التي تم توجيهها لنموذج الذكاء الصناعي المستخدم.
ومهما اجتهد من يعطي الأوامر بتحرّي الدّقة إلا أنّه لن يحصل على عمل فيه أصالة الفكر القائم على جهد إنسانيٍّ محض.
إنّ هذه الطّريقة في عمل الذّكاء الاصطناعي تمكّنه من توليد العديد من الصّور في ثوانٍ معدودة، ولا يمكن اعتبار هذا الإنتاج المتقن والغزير إبداعا فنيّا حقيقيا كاملا، لأنّه مجرد عمل آلي مقارنته بالعمل الفنيّ الإنساني كمقارنة قطعة من السّجاد اليدوي بقطعة سجاد آلية الصّنع، فالفن القائم على الإبداع البشريّ في عمقه يكون استجابة ذاتية واعية لشروط نفسيّة واجتماعيّة وتاريخيّة يعيشها الفنان في لحظة محدّدة، ومن الصعب تمثيل تلك الظروف بشكلها الرقمي والكهربائي الذي يستوعبه الكومبيوتر.
إضافةً إلى أنّ هذا الازدحام البصريّ يُفقد الفنّ قيمته ويجرده من هيبته، فالفن صار سلعةً سهلة الاقتناء وسهلة الإنتاج بعد أن كان يمتلك وجودا غير مكررٍ زمانيّا ومكانيّا، وكانت له مكانةٌ دينيّةٌ، سياسيّةٌ أو اجتماعيّةٌ، يحافظ من خلالها على مسافة بين العمل الفنيّ وبين المتلقي إن كان في المعرض أو المتحف، مما يمنحه هيبة وقد يحاط بالسلاسل أحيانا لئلا يتجرّأ أحدٌ على الاقتراب منه ولمسه مما يزيد من وقاره أمام روّاد صالات العرض والمتاحف والمهتمين بالفن وعوالمه.
ولا تتوقف خطورة الفن التّوليدي عند حدود وفرة الإنتاج فقط، إنّما تمتد لتشمل بنية التّلقي لدى الجمهور، لقد عوّدتنا الحياة الرّقميّة في عصر السّيولة على الاستهلاك السّريع لكلّ شيء، ومع تدفق ملايين الصّور الفنيّة عالية الجودة يوميا عبر منصات التّواصل الاجتماعي، يصاب المتلقي بما يمكن تسميته التّخمة البصريّة، ويصبح الجمال مجانيّا ومتاحًا بنقرة من السّبابة وبلا أدنى جهد، فيفقد قيمته وأهميته التي قد تأتي من صعوبة الوصول إليه، أو من طول مدة تأمله والتي انكمشت لتصير ثوانيَ لا أكثر.
فاللّوحة بمفهومها الكلاسيكي تفرض على المشاهد طقسا من التّباطؤ، إنّها تطالبه بالوقوف الفيزيائي أمامها، والتّحرك والتلفّت يمنة ويسرة لرصد انعكاس الضّوء واكتشاف التّفاصيل المخفيّة عبر تأملٍ طويل، وهذا الطّقس هو الفعل المعاكس تماما لثقافة التّمرير السّريع «Scrolling» التي تهيمن على العصر الحالي، فقيمة العمل الفنّي تكمن في قدرته على إيقاف الزّمن وخلخلة وعي المتلقي ودقّ ناقوس الأسئلة في ذهنه.
ومن الممكن أن نسقط على ما يعيشه الفن اليوم مفهوم الفيلسوف الألماني والتر بنيامين «أفول الهالة» الذي طرحه والتر بنيامين في أطروحته التّأسيسية «العمل الفني في عصر إعادة إنتاجه آليا» عام ١٩٣٦ والذي شكّل منعطفا في مسار الفلسفة الجماليّة، وكان السّبب المباشر لهذا الطّرح حينها إعادة إنتاج الفن آليا عبر الفوتوغراف والسّينما، فمع ظهور تقنيات إعادة الإنتاج تنبّأ بنيامين بتراجع هالة الفن وتحرّره من سلطة الطّقس المرافق لإنتاج العمل الفني ولعرضه لاحقا وتلقيه.
كان يرى أن فرادة اللّوحة التّقليدية تنبع من حضورها الملموس في زمانٍ ومكانٍ محدّدين، وهو ما يمنحها سحرا سرعان ما يزول عندما تُنسخ اللوحة آلاف المرات بواسطة الكاميرا أو داخل فيلم سينمائيّ، فالنّسخة المتعددة تلغي فرادة الأصل، وما يقصد بالهالة هو ذلك المزيج الفريد بين الزّمان والمكان والحيّز الذي يحيط بالعمل الفني ويخلق البعد بينه وبين المتلقي مانحا إيّاه القدسيّة.
ويعتبر بنيامين أنّ التّطور التّكنولوجي في القرن العشرين واحدا من أسباب أفول هالة الفن، فقد أدّى بشكل مباشر إلى تدميرها من خلال النّسخ الآلي للوحات وتحوّل العمل الفني من نسخة فريدة كالموناليزا إلى ملايين النّسخ المطبوعة أو الرّقمية المتاحة للجميع، والتي صارت تطبع وتباع بأرخص الأسعار حتّى اقتربت لأن تكون من الكيتش بعد سنواتٍ من كونها من أهم اللّوحات في العالم وعليك أن تصطف في دورٍ طويل لتشاهدها.
إضافة إلى إلغاء المسافة بين العمل الفني والجمهور الذي صار عنده رغبة بالتمّلك والاستحواذ على أغلب ما يشاهده، فلم يعد يكتفي بالاستمتاع والتّأمل والمغادرة بعدها، سابقا كان المقتنون للأعمال الفنيّة قلّة، وذلك يحمل نقيضين بيدٍ واحدة، فقد تحرّر الفن من قيوده النّخبوية والطّبقيّة وأصبح متاحا للجمهور بشريحته الواسعة، لكنّه تحوّل لبضاعة تجاريّة جردّته من قيمته ومكانته.
وإذا كان بنيامين يظنّ أنّ الطّباعة والصّور الفوتوغرافيّة هي من ستضيّع هالة الفن، فإنّ الفن التّشكيلي المعاصر يقف أمام موجةٍ أعتى مما مرّ به في ذاك الوقت، تتمثّل في التّدفق الرّقمي للأعمال الفنيّة، فقد أصبحت اللّوحة التّشكيلية المعاصرة تُستهلك كصورة رقميّة عبر الشّاشات الذّكية، معروضة ضمن خوارزميات التّصفح السّريع، وتحوّل بذلك العمل التّشكيلي من كيان مادي قائم بذاته إلى رمز سيميائيّ عابر، فتتلاشى الحدود بين الأصل والنّسخة فلا فرق بين النّسخة الأولى والنّسخ التي بعدها، وتحت ثقل الوفرة تسقط الهالة التّقليدية.
وهنا تتجلّى مفارقةٌ بأوضح صورها من خلال ظهور الرّموز غير القابلة للاستبدال NFTs في بيئةٍ رقميةٍ تتسم بالوفرة المطلقة وقابلية النّسخ بضغطة زر حفظ save، لكن رغم ذلك نستطيع إثبات الندرة «Scarcity» حتى لو كان الملف الرّقمي قابلا للنّسخ لملايين المرات، فإن الـ NFT يحدّد صاحب «النّسخة الأصلية الموثّقة» رسميّا، من خلال شهادة ملكيّة رقمية موثّقة على موقع Blockchain.
يحاول سوق الفن الرّقمي المعاصر استخدام هذه التّقنية لخلق ندرة اصطناعية، لحماية حقوق الفنانين ويمكّنهم من بيع الأعمال الفنيّة الرّقمية التي يصنعونها، وذاك ليس سوى محاولة يائسة لإعادة إلباس الملف الرّقمي المشاع هالة الملكية الخاصة والأصالة، مما يثبت أن الرّغبة في امتلاك الهالة لا تزال محرّكا اقتصاديا حتّى في العصر الرّقمي المنفتح.
الواقع المعاصر معقّد ويكشف عن ازدواجية فمن ناحية هناك محاولات للبحث عن هالة للعمل الرّقمي بعد أن تسبّبت الوفرة الهائلة للأعمال التّشكيلية وسهولة إنتاجها وتداولها في تفكيك الهالة الفيزيائيّة التقليدية، فأصبحت اللّوحة مجرد صورة رقميّة من بين ملايين الصّور التي تستهلك يوميا.
ومن ناحية أخرى، فإنّ الهالة التقليديّة لم تتلاشَ بالحقيقة بل شهدت عملية إعادة تشكيل، لقد انتقلت من كيان العمل الفني وحضوره إلى تجربة العمل الفنيّ، انتقلت من طقسيّة الكنّائس، المتاحف والمعارض التقليديّة، إلى طقسيّة مساحات العرض التّفاعلية؛ حيث يحاول الجمهور البحث عن تجربة حيّة لا يمكن نسخها، فيكونون جزءا من العمل الفنيّ، يستطيعون أن يضيفوا ويحذفوا وأن يصبحوا فاعلين وفنانين إن صحّ القول ولو لوقتٍ قصير.
إذن المفهوم الذي يجب أن يبرز الآن ليس أفول الهالة للأعمال الفنيّة إنّما أفول الهالة للفنانين، فبداية إطلاق المصطلح كان بنيامين يتوقّع أن يفقد الفن هيبته بعدما صار قابلا للاستنساخ، لكنّ الفنان حينها بقي له هيبته واحترامه تبعا للشّهرة التي حقّقها، يُنظر له بعين الغيرة لما يملك من موهبة وقدرة على إنتاج أعمال أصيلة يسارع السّوق إلى تقليدها، أما اليوم مع تمكّن أيٍّ كان من إنتاج عملٍ فنيّ فقد الفنان شيئا من هيبته وهالته وضاعت الشّروط التي كان من المتوجب وجودها في الفنان، صار أي شخص يستطيع أن يكون فنانا بلا تأنيبٍ للضّمير، رغم وجود فنانين رقميين يصنعون نتاجا خاصا ويتركون بصمة في عالم الخوارزميات لكن هذا لا يمنع من يملك برنامجا مختصّا بتوليد الصّور أن ينازعهم على اللّقب هم والفنانون التقليديون كذلك.
على الرّغم من كلّ ما سبق إلا أنّ معارض الفن التّشكيلى ستقام والمتاحف لن تندثر وتغلق أبوابها لصالح الشّاشات الرّقميّة والجولات الافتراضية في أروقتها وبين دهاليزها، بل على العكس، ستكتسب مشروعيّة وجوديّة مختلفة لأنّ هذه الفضاءات ستتحوّل إلى ما يشبه المحميّات الإنسانيّة الأنثروبولوجية، تحفظ إرثا عظيما نذهب إليها لأكثر من مشاهدة اللّوحات، نقف هناك نتأمل الفنّ متجسّدا في لوحة أو منحوتة بعد أن استغرق سنوات طويلة ليتجسّد بمساعدة إبداع الفنانين وشغفهم.
اللّوحات ستظل حيّة لأنها تحمل نبضا بشريا لا يمكن لأيّ خوارزميّة مهما بلغت عبقريتها الرّياضيّة، أن تحاكيه أو تختزله في شيفرة من صفر وواحد.
إنّ الذّكاء الاصطناعي التّوليدي أسدى معروفا للفنّان التّشكيلي فقد خلّصه من عبء المهارة التّقنية المحضة والكمال الشّكلي للفكرة التي تدور في ذهنه ويرغب بتجسيدها، ليعيده إلى مربعه الأول والأصيل مربع الرّوح مقابل المادة، يقف الفنان هناك ويفكّر هل ينفّذ فكرته عبر الذّكاء الاصطناعي وتقنياته فترجح كفّة المادة، أم يضع من روحه وينجز العمل الفنيّ بنفسه دون إقامة اعتبار للكمال التّقني الذي سيخسره والجهد العضلي والوقت الذي سينفقه.
الفنان هو صاحب القرار في النّهاية وهو من يحدّد قيمة عمله الفنّي ويصنع له المكانة التي يريدها.
بسمة شيخو باحثة سورية في الفن التشكيلي