تقدم أرقام الأداء المالي حتى نهاية يونيو صورة أقوى للمالية العامة للدولة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. فقد ارتفعت الإيرادات بنسبة 13 بالمائة إلى 6.602 مليار ريال، بينما زاد الإنفاق بنسبة 9٪ إلى 6.619 مليار ريال. وبذلك انخفض العجز من 259 مليون ريال في النصف الأول من 2025 إلى 17 مليونا فقط هذا العام.
هذه نتيجة مهمة قياسا إلى العجز المقدر في موازنة العام كله بنحو 530 مليون ريال. ومع ذلك، يصعب استقراء النتيجة السنوية من بيانات ستة أشهر، نظرا إلى اختلاف مواعيد تحصيل الإيرادات وتنفيذ الإنفاق خلال العام. لكن الأرقام تمنح الحكومة هامشا ماليا أفضل مما افترضته الموازنة عند إعدادها.
توضح بنية الإيرادات مصدر هذا التحسن، فقد بلغت إيرادات النفط والغاز معا 4.496 مليار ريال، وشكلت نحو 68٪ من إجمالي الإيرادات. كما قدم القطاعان قرابة 78٪ من الزيادة المسجلة مقارنة بالعام الماضي. وارتفعت الإيرادات النفطية رغم تراجع متوسط السعر المحقق من 75 دولارا إلى 74 دولارا للبرميل، مدفوعة بزيادة متوسط الإنتاج اليومي من 988 ألف برميل إلى مليون و74 ألفًا. أما إيرادات الغاز فارتفعت بنسبة 32٪.
يعكس ذلك استمرار الدور الحاسم للإيرادات الهيدروكربونية في تحديد وضع الموازنة. ويمثل ارتفاعها فرصة لتمويل أولويات خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة من موقع مالي أكثر استقرارا. وتبقى قيمة هذه الفرصة مرتبطة بالطريقة التي توزع بها الإيرادات الإضافية بين الالتزامات الجارية، والاستثمار العام وإدارة الدين.
ارتفعت المصروفات الجارية بنحو 251 مليون ريال، بينما زادت المصروفات الإنمائية بمقدار 110 ملايين. كما ارتفعت المصروفات قيد التسوية من 130 مليونا إلى 320 مليون ريال. وهذا البند الأخير يمثل أكثر من ثلث الزيادة في الإنفاق العام.
وبلغ الإنفاق الإنمائي 798 مليون ريال، بما يعادل 61٪ من المخصص السنوي البالغ 1.3 مليار ريال. وتضمن هذا المبلغ 146 مليون ريال لمشروعات التحول الاقتصادي. ويشير مستوى الصرف إلى تقدم التنفيذ، إلا أن تقييمه الاقتصادي يحتاج إلى بيانات تربط الإنفاق بمراحل إنجاز المشروعات وبمؤشرات الخطة الخمسية. ومن شأن نشر هذه البيانات أن يوضح مساهمة الاستثمار العام في رفع الإنتاجية وجذب الاستثمار الخاص وتوسيع القاعدة الاقتصادية.
في جانب الإيرادات الأقل ارتباطا بالطاقة، ارتفعت الإيرادات الجارية بنسبة 6٪ إلى 2.045 مليار ريال. ويمثل استمرار نمو هذا البند عنصرا مهما في بناء موازنة أكثر قدرة على تحمل تقلبات سوق النفط، بشرط أن يأتي نموه من اتساع النشاط الاقتصادي وتحسن كفاءة التحصيل، وأن تظل الرسوم والضرائب متوافقة مع القدرة التنافسية للاقتصاد.
كما حافظت الموازنة على التزاماتها الاجتماعية، فبلغ دعم منظومة الحماية الاجتماعية والكهرباء والمنتجات النفطية 773 مليون ريال. ويكشف ذلك عن محاولة للجمع بين حماية القوة الشرائية وتمويل التحول الاقتصادي، وهي معادلة ستزداد صعوبة كلما اتسع حجم الالتزامات الدائمة.
أما الدين العام فاستقر تقريبا عند 14.16 مليار ريال، مقابل 14.12 مليار قبل عام. ويوحي هذا الاستقرار بأن تحسن الإيرادات لم يصاحبه توسع كبير في الاقتراض، لكنه يضع أمام السياسة المالية خيارا واضحا في النصف الثاني من العام: توجيه أي أداء يفوق تقديرات الموازنة إلى تقوية المركز المالي وتمويل استثمارات ترفع قدرة الاقتصاد على توليد الإيرادات في السنوات المقبلة.
لقد نجحت عُمان خلال الأعوام الأخيرة في استعادة قدر معتبر من الانضباط المالي. ويبدأ الاختبار التالي من جودة توزيع الموارد: مقدار ما تضيفه الإيرادات الهيدروكربونية الحالية إلى أصول الدولة، وإنتاجية الاقتصاد، وقوة الإيرادات العامة في المستقبل.