عندما شنت إسرائيل عدوانا غاشما على مطار أبو الضهور السوري القريب من الحدود التركية الأسبوع الماضي خرج السفير توم براك مهندس العلاقات الأمريكية - التركية والعلاقات الأمريكية - التركية مع سوريا ولبنان والعراق في عهد ترامب ليقول إن حربا إقليمية بين إسرائيل وتركيا كانت على وشك الاندلاع. 

استعادت بعدها خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي عبارة تليفزيونية شهيرة للأستاذ محمد حسنين هيكل يجزم فيها بشكل قاطع بأنه «لن تنشب حرب بين تركيا وإسرائيل مطلقا وإن كل ما يتبادلونه من حملات سياسية وإعلامية هي مجرد مؤثرات صوتية». 

يظل تقدير الأستاذ هيكل رغم وفاته منذ أكثر من عقد من الزمن أقرب إلى الدقة من مبالغة السفير براك -التي قد تكون متعمدة- عن الحرب التي دقت طبولها ولكن بما أن هذا التوقع كان منذ سنوات عديدة قبل سقوط نظام الأسد حليف إيران وصعود النفوذ التركي في سوريا عبر عملية منسقة تركيا وأمريكيا -أحيطت إسرائيل بها علما مسبقا- فإن من الواجب الحذر نسبيا واستبدال نفي احتمال الحرب من نفي مطلق إلى جعله احتمالا بعيدا. 

هناك نطاقان تحليليان يمكن من خلالهما توقع مسار العلاقات المستقبلية بين أنقرة وتل أبيب على الأقل في المديين القصير والمتوسط. 

النطاق الإقليمي: بتخلي مصر عن دورها العربي والإقليمي بعد معاهدة كامب ديفيد نشأ فراغ استراتيجي في العالم العربي تقدمت فيه بالترتيب الزمني إسرائيل ثم إيران ولحقت بهما تركيا. بعد طوفان الأقصى انتقلت إسرائيل والولايات المتحدة للسعي للقضاء التام على التمدد والنفوذ الإيراني عسكريا واقتصاديا بما في ذلك حلفاؤه في الإقليم وحققا أكبر إنجاز في هذا السياق بإسقاط نظام الأسد حليف إيران والمعادي لإسرائيل والذي كان يمثل الممر الاستراتيجي لطهران للمشرق العربي أو الجسر البري لمحور المقاومة في العقود الثلاثة الماضية. اللافت استراتيجيا هنا أن التخلص من نظام الأسد ونقل السلطة لمعارضيه من المتشددين الإسلاميين السابقين تم بمساعدة حاسمة من تركيا صاحبة النفوذ الحاسم على السلطة الجديدة في دمشق وبتنسيق تام مع واشنطن وعلم مسبق من تل أبيب التي زامنت وصول «الثوار» للحكم في عاصمة الأمويين بتدمير ممنهج وساحق لما لدى جيش سوريا من أنظمة دفاع جوي وأسلحة ثقيلة واندفعت وراء الجولان المحتل في جنوب سوريا لتحتل مناطق تبعد ٢٠-٢٥ كلم عن قصر الحكم في دمشق. إخراج الإيرانيين الذي اعتبره الرئيس الشرع مكسبا حقيقيا - ولكن غير متعمد - لإسرائيل - من انتصار الثورة السورية خلق فراغا تنافست عليه تركيا وإسرائيل ومن طرفان لهما مصلحة في إسقاط النظام السوري السابق إلى متنازعين بشدة على من تكون له الكلمة العليا على سوريا الجديدة. 

النطاق الدولي الإقليمي: ضاعف من هذا التنافس فقد وصلت الولايات المتحدة الحليف الاستراتيجي للأتراك والإسرائيليين تحت قيادة ترامب إلى استنتاج مفاده أن أهمية تركيا الاستراتيجية كعضو في حلف الناتو لم تتناقص بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانحسار المد الشيوعي بل زادت أهميتها مع ضعف العالم العربي وتحول المواجهة مع إيران لمواجهة شاملة وعودة الطموحات التركية في عهد أردوغان إلي إحياء الروابط مع العالم العربي ومناطق الخلافة العثمانية السابقة في الشرق. بعبارة أوضح توصل ترامب إلى قناعة أن قدرة القوة العسكرية الإسرائيلية الصلبة أو الخشنة لها حدود في ضمان الهيمنة الأمريكية على المنطقة فهي عاجزة حتى الآن عن إخضاع حزب الله وتحويل لبنان كلية نحو التطبيع وأن هذه التدخلات التدميرية لم تؤمن نصرا حاسما ولكن مكروهة شعبيا عربيا وتضع حلفاء أمريكا من الحكومات العربية في حرج بالغ. في المقابل تبدو تركيا المسلمة السنية صاحبة الروابط التاريخية والعاطفية مع العالم العربي أكثر قبولا وتعتمد وسائل القوة الناعمة وليس الخشنة المستفزة. توم براك كان عنوان هذا التصور وتمثل وظيفته غير المسبوقة دبلوماسيا سفيرا في تركيا ومبعوثا رئاسيا في سوريا والعراق ما تعلق به واشنطن من آمال على أردوغان في المساعدة في هندسة ما يعرف بإقليم الهلال الخصيب أي الشام والعراق وتحويلهما للمعسكر الأمريكي كلية ونقلهما تدريجيا لمعسكر السلام العربي القائم مع إسرائيل. تقاطع مصالح أنقرة الطامحة لنفوذ إقليمي يحمي أمنها ويعزز اقتصادها وتجارتها مع الخليج والعالم العربي مع مصالح واشنطن في هندسة الإقليم واندراج تل أبيب وأنقرة في مسارات أمريكا وحلف الناتو الاستراتيجية يجعل من خيار حرب مباشرة بين تركيا وإسرائيل مستبعدة على المدى القصير والمتوسط. بل إنه لولا تطرف نتنياهو الأيديولوجي الذي يضاعف من حماقته مزايدات الانتخابات الإسرائيلية بين المتنافسين لكانت تصورات ترامب - براك البراجماتية لتقاسم النفوذ بين تركيا وإسرائيل تحت مظلة الناتو و«سنتكوم» لبدأت واشنطن في جني ثمارها. وهو تقاسم عبر عنه استراتيجيون إسرائيليون أكثر حنكة من نتنياهو فورا بعد وصول نظام سوري حليف لتركيا والغرب بصيغة فلتكن الهيمنة العسكرية على الجو فيما يعرف بالشام أو سوريا الكبرى لنا ويكون النفوذ المدني والقوة الناعمة للأتراك على الأرض. 

مع جنون نتنياهو المفرط خاصة في ظل موقفه الضعيف في الانتخابات ستتأجل فقط، ولكن لن تلغي، خطة تقاسم النفوذ بين حليفي واشنطن التي هندسها توم براك وتسبقها مرحلة انتقالية لضبط التنافس ومنع وقوع أي خطأ في الحسابات قد يجر لمواجهة مسلحة لا يريدها الطرفان المباشران ولا تريدها واشنطن بالطبع. هذه المرحلة اسمها مرحلة ضبط التنافس عبر آلية لعدم الاشتباك بإبلاغ مبكر يمنع التصادم يستفيد من آلية سابقة حدث بين روسيا وإسرائيل في سوريا نفسها وفيه واصلت إسرائيل غاراتها على سوريا من وقت لآخر على الإيرانيين ولم تقف ضدها روسيا وسمحت إسرائيل وقتها لروسيا بالحفاظ على حليفها نظام الأسد وقواعدها في الموانئ السورية على البحر المتوسط. كان لافتا أن أول اقتراح لبراك بعد الغارة الإسرائيلية على مطار أبو الظهور هو الإسراع بإنشاء آلية ثلاثية أمنية سورية تركية إسرائيلية لمنع الاشتباك الذي بمنتهي الذكاء حولت واشنطن الأزمة لمكسب في مسار استراتيجيتها لهندسة الهلال الخصيب وتجاوبت سوريا مع الدعوة فورا وأعلن وزير خارجيتها عن بدء العودة لاجتماعات مفاوضات اللجنة الأمنية مع إسرائيل بعد أن كانت فشلت وتعثرت وتحدث الجانب الإسرائيلي عن تفضيله عدم التصعيد وحل الأمور دبلوماسيا مع أنقرة الحليفة القديمة منذ لقاء بن جوريون وعدنان مندريس الشهير في الخمسينات. 

حسين عبد الغني إعلامي وكاتب مصري