بيروت- وفاء عواد:في 12 من اغسطس الجاري، عمدت آلة الحرب الإسرائيلية الى تفجير "مدرسة الشيخ نعيم مهدي الرسمية" في وسط بلدة زوطر الشرقيّة، وحوّلتها الى ركام. وذلك، بفعل بضعة "غالونات زهريّة" حطّمت معالمها حجراً حجراً ولم تبقِ منها أثراً: لا جدار يحمل إسم مدرسة، كانت حتى اليوم القريب منارةً للعلم، لا شبّاك، لا باب، لا صفّ، لا صوت إلا صدى انفجار ذاك اليوم، ولا لون إلا لون الرماد في الأرض المحروقة.
وما بين مضامين هذا الخبر، الذي كان وقعه ثقيلاً وموجعاً على المبعدين قسراً عن بلدتهم المحتلّة حتى تاريخه، ومنهم مديرة المدرسة غادة أيّوب الذي أكدت أن "هدم البناء لن ينجح أبداً في تدمير الرسالة"، تجدر الإشارة الى أن جذور المدرسة الرسمية في زوطر الشرقية تعود الى العام 1949، حين بدأت بغرفة واحدة ومعلّم واحد. وذلك، قبل أن تعايش إحتلاليْن إسرائيليّين: الأوّل كان في العام 1982، حيث بقيت عصيّة على التدمير، والثاني خلال العام الجاري، حيث أصبحت عبارة عن ردمٍ سُوّي بالأرض، وذاكرة تتشبّث بمواقف محفوظة، وليس بحجر يشهد على حدوثها.
"لم أبكِ حجارة، بل بكيتُ زمناً كان له مكان، وذاكرة تسكن فيها".. عبارة يقولها صبحي اسماعيل، الطالب حتى اليوم البعيد والأستاذ فيها حتى اليوم القريب، واصفاً المدرسة المدمّرة بأنها "جزء من روح زوطر الشرقية". وما بين مضامين هذا الكلام أسئلة حقيقية، مفادها: ماذا يحدث لجيل يتعلّم في بلد تتكرّر فيه القطيعة بين الطفل والمدرسة، حتى تصبح القطيعة نفسها جزءاً من حياته؟
-معطيات.. وأرقام-
وفي معرض الإجابة عن هذا السؤال، فإن ثمّة معلومات تشير الى أن المدارس في لبنان عموماً، وفي الجنوب خصوصاً، باتت من أكثر المؤسّسات تضرّراً بفعل القصف والدمار، بالرغم من كونها محميّة بموجب القوانين والمواثيق الدولية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر مجمع عبد الرؤوف فضل الله التربوي والرعائي في بلدة عيناثا في قضاء بنت جبيل، الذي تمّ استهدافه وتدميره أواخر يوليو الفائت، وكان يضمّ "ثانوية الإشراق" و"مبرّة الخير" و"دار الرأفة". علماً أن لبنان كان صادق، في العام 2015، على "إعلان المدارس الآمنة"، وهو التزام سياسي دولي يهدف الى حماية التعليم في أوقات الحرب، من خلال تعزيز منع الهجمات على الطلاب والمعلّمين والمدارس والجامعات والإستجابة لها. وبموجب الإعلان، تتعهّد الحكومات بأن تمتنع جيوشها عن استخدام المدارس والجامعات لأيّ غرض يدعم الجهود العسكرية. أمّا إسرائيل، فلم تصادق على هذا الإعلان.
ومن بوّابة المدارس المستهدفة، أطلقت منظّمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) تحذيراً، مفاده أن ما لا يقلّ عن 100 ألف طفل في لبنان يواجهون خطر عدم العودة إلى مقاعد الدراسة مع انطلاق العام الدراسي المقبل، إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة قبل سبتمبر المقبل لإصلاح المدارس المتضرّرة وتأهيلها.
وبلغة الأرقام، أشارت "اليونيسيف" الى أن أكثر من 340 مدرسة، رسمية وخاصّة، تعرّضت لأضرار متفاوتة، في حين طاول الدمار أكثر من 17 مدرسة في محافظات النبطية والجنوب والبقاع وبعلبك- الهرمل وبيروت وجبل لبنان. أمّا أرقام وزارة التربية والتعليم العالي، فأظهرت اتساع حجم الدمار الذي أصاب القطاع التربوي نتيجة الحرب، إذْ بلغ عدد المدارس الرسمية والخاصّة المتضرّرة 352 مدرسة، بينها 26 مدرسة مدمّرة كلياً، في حين تجاوز عدد الطلاب المتأثرين 125 ألف طالب.
-مفارقة.. وسؤال "معلّق"-
وفيما الأرقام الرسمية ترسم صورة شاملة لحجم الخسائر على مستوى لبنان، فإن بيانات الوزارة تبيّن أن الدمار الكامل في المدارس الرسمية تركّز في الجنوب، وتحديداً في القرى الأمامية: 8 مدارس في قضاء بنت جبيل، 7 في مرجعيون، 4 في صور، ومدرسة واحدة في النبطية؛ ما يجعل هذه الأقضية الأكثر تضرّراً على مستوى البنية التربوية. وهنا، لا يقتصر القلق على حجم الدمار، بل يمتدّ إلى انعكاساته على مستقبل آلاف التلاميذ.
أمّا على المقلب الآخر من الصورة، فكشفت الحرب الأخيرة مفارقة شديدة الدلالة: المدرسة التي يُفترض أن تكون المكان الأكثر انتظاماً في حياة الطفل تحوّلت الى ملجأ، فيما أصبح الطفل نفسه خارجها. ذلك أن تحويل المدارس الرسمية الى مراكز إيواء لم يكن فعلاً عبثياً، بحسب قول مصادر تربوية لـ"عُمان". ففي لحظة النزوح، كانت العائلات تحتاج إلى سقف وحماية، والمدرسة كانت واحدة من الأماكن القليلة القادرة على استيعاب أعداد كبيرة بسرعة. وفي ذروة الحرب، تحوّلت نصف المدارس الرسمية تقريباً إلى مراكز إيواء، ما عطّل تعليم أكثر من ربع مليون تلميذ. وهذا هو المعنى الأعمق لعبارة "الجيل الضائع"، في "بلد إعتاد أن يتعامل مع أزماته بالتأجيل والترميم المؤقت"، وفق تعبير أحدهم.. أمّا مع الحياة المعلّقة على خطّ النار هنا، والمعلّقة بين عودة مؤجلة وتصعيد قد يتجدّد في أيّ لحظة هناك، فيبقى السؤال: من يملك فرصة التعلّم مع بدء العام الدراسي الجديد؟!