(1)
وجوه تحمل جنائز وضغائن هي نفسها حمَّالة أوجه.
وجوه تتسبَّبُ في اكتظاظٍ هائل في اليوم العظيم الذي نحن به موعودون.
(2)
يتخثَّر الهواء في نظرة هذا التمثال الذي لم يعد له اسم في ذاكرتي (أتصفح الليلة صورًا فوتوغرافيَّة التقط بعضها في متاحف خلال رحلة إلى إيطاليا في 1988؟ 1989؟).
(3)
لا تكمن المشكلة فيما هو مفروغ منه: أنت وحدك أيها الوحيد، الجديد، الفريد.
الكارثة تقبع في أنهم لا يزالون في وارد وريدك (وبصورة خاصَّة، حين يكونون وحيدين، وتكون كذلك).
ننتظر، وسنرى فيما إذا كان لهم أن يكونوا في واردِ وارِدِك.
ننتظر، كي يصير القتل حدثاً موازياً (فحسب) كما في التقنيَّة السِّينمائيَّة (parallel action).
(4)
يصيبني الوجد بما لا أفهم ولا أستطيع (في الليلة التالية، غالبًا وليس غالبًا).
(5)
كل هذه الحياة أصغر من ليمونة، وأكثر من بداية.
هذه الحياة خشنة أكثر من كل ما في الضَّباب، والفردوس، والجحيم.
هذه الحياة شيء وشأن ليس بآخر دومًا، وأبدًا، إذا ما كنتَ قادرًا على الذاكرة، أو النِّسيان.
(6)
أغاني الأمس في الطَّباشير، وكل الدُّروس صارت خلف المناقير.
(7)
عامدًا متعمِّدًا، لم يمر الجَراد بتلك القصعة.
(8)
صارت تتفتَّق الحياة في هموم أضال، وخيانات أكبر (لا تستطيع الحياة أن تكون صريحة أكثر من هذا في ضرورة ألا تكون هنا).
(9)
لم تأخذني الغيبوبة إلى الألوان (إلى الآن).
(10)
يتشبث الحب بكل شيء، لكنه يستكين في التلاشي، في نهاية اللطف والطَّيف.
بيدَ أنه ليس النسيان الذي نعرفه باعتباره نقيضاً للتَّذكر؛ بل هو نسيان خاص به هو وحده فحسب، وينحته بطريقته الفريدة التي لا يحسنها حُبٌّ سواه، وسواي («النِّسيان مَلَكَة»، نيتشه).
(11)
في الماء أو في الشَّراب، يتنافسون بآخر أنفاسهم على كل هذا السَّراب.
(12)
الرِّيح لا تتوقَّف، والمطار لا يؤشِّر، والقوم لا يسافرون، والمناديل لا تنشج، والثَّلج عظيم وشامل على كل إيرلندا في نهاية تحفة جيمس جويس «الأموات» (بل وخاصة في نسختها السِّينمائيَّة على يد جون هيوستن).
(13)
يا لهم من متبطِّلين، وعديمي ضمائر، وشُذَّاذ آفاق، أولئك الذين جاءوا بنا إلى هنا، ثم ذهبوا إلى الفردوس من غير استشارة، أو وداع.
(14)
نعم، إنني أؤمن بالجن، والشَّعوذة، و«المغيبين» (واحد منهم رأيته شخصيًّا)، والسِّحر، والعِرافة، والهرطقة، والشِّعر (خاصة من «الميدان» و«المسبّع»)، وقراءة الكف، والتَّنجيم، والزَّار، والوَسْم، والسِّينما، وإمكانية انبثاق الشَّمس من فنجان قهوة تركيَّة في أول الليل، و«عين الحسود فيها عود»، وخرافات وأساطير الأولين والآخرين، والطُّبول العُمانيَّة الرَّهيبة مثل «الكاسر» و«الرَّحماني»، والكائنات الفضائيَّة القادمة من الكواكب الأخرى (aliens)، ومصباح علاء الدين، وكل ما تقوله «خالوه عوشوه» و«حبّوه أمُّون» في موضوع بدايات الكون، والجاذبيَّة الأرضيَّة والسماويَّة، والنُّشوء والتَّطور، والحركة، والزَّمن، والكتلة، والحجم، والسرعة، ودوران الأفلاك، والإزاحة، وحقيقة أن الخسوف والكسوف إنما يحدثان بسبب دابَّة عملاقة وشرِّيرة تريد أن تبتلع شمسنا وقمرنا في مجز الصغرى، بينما تتركهما على حالهما من دون ضرر أو عدوان في مجز الكبرى التي على مرمى حجر، وذلك ضد كل ما أتت به أطروحات نِكُلَس كوبرنِكُس، وألبرت آينشتاين، وتشارلز داروِن، وإسحاق نيوتن، ومن هم على شاكلتهم وفي مقامهم، وإمكانية خروج النَّاس إلى الشَّوارع مطالبين بالخبز، والكرامة، ورفع الرأس بأيَّة لحظة في قيام الثَّورات العاتية خارج كل قانون «موضوعي»، و«تاريخي»، و«علمي»، و«سياسي»، و«طبقي»، إلخ.
والله على ما أقول شهيد.
(15)
لو كان لهذا الليل آخِر لأحببتكِ (أقل، أو أكثر، في مغادرتك نواميس العتمة، وتلعثم القواميس، وارتباكات الضوء).
لكن ليس لهذا الليل آخَر.
(16)
دوماً، الأغاني تأتي بعد ما تقوله في أثناء ما حَدَث.
دوماً، في انتظار أغانٍ قديمة قادمة.
(17)
في تلك الغمزة الاضطراريَّة الناجمة عن وقوع ذبابة على العين لا أكثر، والتي أطلقتها صديقة طفولتك، يكمن تلاشيك إلى الأبد.
(18)
الصَّفح، والغفران، والمسامحة، الخ.. كل هذه العروض المقيتة والبائسة تصير، في كل عرض، مقيتة وبائسة أكثر.
لكن، هل أنتَ أنتَ؟
نعم؛ إذ ينبغي التِّكرار والتَّيقن في كل يوم من مثل هذه الأشياء التي تعنيك، ولا تعني الآخرين في شيء.
(19)
كل عشق لوثة كبيرة واعتذار المكابح. وكل شوارع المدينة ضيِّقة، حتَّى/ خاصة في ليلة كهذه.
(20)
أحتاج إليكِ في النُّكران (فقط)، وأحبُّكِ في النُّكران (فحسب).
(21)
ثمَّة علاقة فظيعة بين الواقع والشجاعة: الأول يتحول في كل لحظة، والثانية تلهث.
(22)
لا جديد في الرَّغيف والثياب: الآثمون في الطريق إلى أمِّي.
(23)
يتَّخذ القوس شكل انحناء الحب في نفسه، ولا يستطيع الاستقامة بعد ذلك أبدًا.
(24)
إلى متى هذا الذي ليس منه بد: إضمار النَّار وإظهار الرَّغيف؟
(25)
كارثة اليوم «من صباح الله خير»:
يكذب عليك، وهو يدري أنه يكذب عليك، ومع ذلك فإنه يكذب عليك.
يكذب عليك، وهو يدري أنه يكذب عليك، وأنت تدري أنه يكذب عليك، ومع ذلك فإنه يكذب عليك.
يكذب عليك، وهو يدري أنه يكذب عليك، وأنت تدري أنه يكذب عليك، وهو يدري أنك تدري أنه يكذب عليك، ومع ذلك فإنه يكذب عليك.
يا إلهي، تُرى ما الذي يمكن أن أفعل به «من صباح الله خير»؟!
عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني