استطلاع - أسيد بن أحمد البلوشي


عندما نستمع إلى كلمة "تقسيط" تتبادر إلى أذهاننا مباشرة، تلك المشتريات باهضة الثمن التي ربما لا يستطيع متوسط الدخل أن يشتريها دفعة واحدة، كالسيارة والبيت وهذه المشتريات بلا شك من أساسيات الحياة التي تفرض عادة على الإنسان أن يُقدم عليها، ولكن اليوم مع توسّع خيارات الدفع أمام المستهلكين أصبحت الكلمة تتردد أمامنا في كل تفاصيل الحياة تقريبًا في كل المنتجات صغيرها وكبيرها، في السفر وفي الملابس وفي الاستهلاك اليومي حتى أصبح الأمر طبيعيًا عند البعض
وفي هذا الاستطلاع لا نحاكم الفكرة ولا نصنفها ولكن نراقبها من جهتين، من جهة الخبراء الذين يراقبون تطورات السلوك الاستهلاكي لدى الأفراد ومن جهة الشباب الذين أصبحت هذه الخدمة واقعًا ماثلًا أمامهم فماذا يقول الخبراء؟ وكيف ينظر الشباب؟ ... إلى التفاصيل.

**media[3490136]**


يقول عبدالله العبري، باحث في الاقتصاد السلوكي، إن التحول الأهم ليس ظهور التقسيط، فهو قديم، ولكن الفرق يظهر في طريقة عرض السعر، إذ إن «المستهلك لم يعد يرى: سأدفع 60 ريالًا، وإنما: سأدفع 15 ريالًا أربع مرات. الرقم واحد اقتصاديًا، والإحساس بكلفة القرار مختلف. وهذا ما يسمّيه الاقتصاد السلوكي تأطير القرار (Framing)، وتخفيف ألم الدفع (Pain of Paying)، وهذه الخدمة أداة مالية قد تكون نافعة، لكن تصميمها قد يجعل الاقتراض والالتزام يبدوان أخف بكثير مما هما عليه فعلًا».
ويضع العبري تراكم الأقساط الصغيرة ضمن أبرز المخاطر المرتبطة بهذا النموذج، فيقول: «الخطر ليس في القسط الواحد، وإنما في تراكمه. أربعة التزامات يبدو كل واحد منها بسيطًا، ثم خامس، ثم اشتراك شهري، ثم بطاقة ائتمانية، ثم التزام آخر. كل قرار منفرد معقول، ومجموع القرارات عبء، ويرتبط ذلك بما تصفه أدبيات الاقتصاد السلوكي بـ«التأطير الضيق»، أو «العمى عن المجموع»، حيث يقيّم الإنسان كل قرار على حدة، فيما تتأثر ميزانيته بمجموع تلك القرارات، ولذلك فإن السؤال الصحيح ينبغي أن يكون: كم صار مجموع التزاماتي الشهرية بعد إضافة هذا القسط؟ بدلًا من الاكتفاء بسؤال: هل أستطيع دفع هذا القسط؟ لأن الفرق بين السؤالين قد يكون الفرق بين ميزانية منضبطة وأخرى تنكشف فجأة».
وللاستفادة من خدمات التقسيط في إدارة السيولة، يطرح العبري قاعدة أساسية هي: استخدم التقسيط لإدارة التوقيت، لا لصناعة قدرة شرائية غير موجودة. فمن يملك المال أصلًا ويريد الاحتفاظ بجزء من سيولته لحاجة ضرورية أو طارئة، يكون التقسيط بالنسبة إليه أداة لإدارة التدفق النقدي، أما من كان التقسيط هو ما جعل الشراء ممكنًا أصلًا، فعليه أن يسأل نفسه: هل أدير سيولة، أم أستدين لتمويل استهلاك؟
ويقترح على المستهلك ثلاث قواعد عملية: «احسب إجمالي الالتزام، لا قيمة القسط، وضع سقفًا شهريًا واضحًا لكل الالتزامات الاستهلاكية المؤجلة مجتمعة، ولا تشترِ بالتقسيط ما لم تكن تنوي شراءه قبل أن ترى خيار التقسيط، باختصار لا تجعل طريقة الدفع هي التي تصنع قرار الشراء».

**media[3490137]**


التمويل والدفع
من جانبه، قال خالد الحارثي، مستشار ومدرب في الثقافة والكفاءة المالية، إن انتشار خدمات «اشترِ الآن وادفع لاحقًا» يمثل تطورًا في طريقة الوصول إلى التمويل والدفع، وله جوانب إيجابية عندما يُستخدم بوعي، لكنه في الوقت نفسه يغير طريقة اتخاذ المستهلك لقرار الشراء.
ويرى الحارثي أن سهولة الحصول على المنتج وفورية إشباع الرغبة من أبرز العوامل التي تدفع المستهلك إلى تقسيط المشتريات الصغيرة، موضحًا أنه عندما يستطيع المستهلك الحصول على المنتج الآن ودفع قيمته لاحقًا، يصبح قرار الشراء أسهل نفسيًا، خصوصًا عندما يكون القسط صغيرًا.
وأضاف: تظهر هنا أيضًا مسألة التمييز بين الاحتياجات والرغبات؛ فقد يكون الشخص قادرًا على دفع قيمة المنتج نقدًا، لكنه يختار التقسيط رغبة في الاحتفاظ بالسيولة أو لأنه يرى أن القسط الشهري بسيط. الحالة الأولى قد تكون قرارًا منطقيًا إذا كانت هناك خطة واضحة لإدارة السيولة، بينما يمكن في الحالة الثانية أن يتحول التقسيط إلى وسيلة لتسهيل شراء رغبات لم تكن ضمن الخطة المالية أصلًا، ولذلك ينبغي أن يسبق سؤال: كم قيمة القسط؟ سؤال آخر: هل أحتاج هذا المنتج فعلًا، أم أن سهولة التقسيط جعلتني أرغب في شرائه الآن؟
ويفضل الحارثي أن ينظر الفرد إلى ما يسميه «إجمالي الراتب المحجوز»، موضحًا: «إذا كان راتب الشخص 800 ريال، وعنده 200 ريال من الأقساط والالتزامات، فهذا يعني أن 25 بالمائة من راتبه أصبح مرتبطًا مسبقًا بالتزامات قائمة. وهنا يجب أن نسأل: ماذا بقي من الراتب للإنفاق، والادخار، والاستثمار، والطوارئ؟ لذلك قد يكون القسط الصغير خطيرًا عندما يتكرر، وليس لأنه صغير».
ويرى أن التقسيط ينبغي أن يُستخدم أداة لإدارة السيولة، وليس وسيلة لزيادة القدرة الشرائية بشكل دائم، ويقترح على المستهلك قبل أي عملية تقسيط أن يسأل نفسه خمسة أسئلة: هل هذا المنتج حاجة أم رغبة؟ هل أحتاجه الآن أم يمكنني تأجيله؟ ما التكلفة الإجمالية للشراء وليس فقط قيمة القسط؟ كم يبلغ مجموع أقساطي والتزاماتي الحالية؟ وما تأثير القسط الجديد على ادخاري وأهدافي المالية؟
وقال الحارثي إن الأهم هو عدم النظر إلى القسط الجديد منفردًا، وإنما جمع جميع الأقساط والالتزامات الشهرية ومقارنتها بصافي الراتب، مع تخصيص جزء من الدخل للمستقبل، مثل الادخار والاستثمار، وعدم السماح للأقساط باستهلاك هذا الجزء بصورة مستمرة. واختصر رؤيته بقوله: استخدم التقسيط عندما يخدم خطتك المالية، وليس عندما يصنع لك قدرة شرائية أكبر من قدرتك الحقيقية.
وفي المقابل، تتباين نظرة الشباب إلى خدمات «اشترِ الآن وادفع لاحقًا» بين من يراها وسيلة مناسبة لإدارة السيولة وتنشيط القوة الشرائية، ومن يتحفظ عليها خشية تحولها إلى باب للاستهلاك المتكرر وتراكم الالتزامات.

**media[3490138]**


دعم القوة الشرائية
ويرى حسين اللواتي أن هذه الخدمات أدوات ممتازة لتحريك السوق ودعم القوة الشرائية، بشرط استخدامها بذكاء وألا تكون سببًا في استنزاف جيب المستهلك، فهي تسهل الحياة وتنشط المبيعات، لكن سهولة استخدامها قد تتحول إلى زيادة في الإنفاق عندما يشتري الشخص دون أن يحسب قراراته بصورة صحيحة.
ويقول اللواتي إن استخدام التقسيط في مجالات مثل السفر والملابس والمشتريات اليومية أمر عادي ومقبول إذا ساعد الشخص على إدارة مصروفاته وتوزيع الأعباء، خاصة في الأعياد والمناسبات. فالتقسيط في الأساس أداة مالية تدعم السوق، والمشكلة مثل أي وسيلة أخرى تظهر عندما لا يعرف الشخص كيف يخطط لها ويضبط مشترياته.
ويكون التقسيط منطقيًا لدى اللواتي عندما يحافظ على السيولة النقدية للطوارئ أو لفرص أفضل، ويكون الشخص قد وضع له خطة صحيحة، فيما يتحول إلى قرار غير مدروس عندما يصبح طريقة لشراء أشياء غير ضرورية لمجرد أن قيمة القسط صغيرة، في حين تكون تلك المشتريات في الأساس أكبر من قدرة الشخص ودخله.

**media[3490140]**


أما أيمن الحراصي، فيفضل الدفع المباشر للمشتريات الصغيرة، موضحًا أنه تعرض لعروض التقسيط بصورة غير مباشرة من خلال الإعلانات الموجهة عبر الإنترنت للسلع التي يبحث عنها، إلا أنه يفضل الدفع المباشر لارتباط خدمات التقسيط بإدمان التسوق القهري وتبعاته الاقتصادية والنفسية على الفرد، ولذلك يفضل تجنب المشكلة من جذورها، مع ترك الباب مفتوحًا لاستعمالها في أوقات الطوارئ والحاجة الملحة، وللأشياء الضرورية فقط.
ويعود تحفظ الحراصي تجاه خدمات «اشترِ الآن وادفع لاحقًا» إلى اعتقاده بأنها قد تدفع الإنسان إلى الإدمان على التسوق واستسهال الاقتراض، مما يؤدي إلى تآكل دخل الشخص وتعرضه لمخاطر العجز المالي في أوقات الطوارئ والأزمات، وتجعل البعض عاجزًا عن الادخار، فيما يستسهلها آخرون ويفضلونها على الادخار الشخصي.
ويفضل الحراصي تأجيل شراء المنتج حتى يتوفر ثمنه كاملًا إذا لم يكن أساسيًا أو كانت الحاجة إليه غير عاجلة، حيث يقول: لأن ذلك يجعلني أكثر قدرة على التحكم فيما أملك من مال، ويعطيني خيارات أكثر لمواجهة أي أزمة مالية قد تطرأ، وأن ادخار قيمة المنتج بصورة شخصية يجعل المستهلك يفكر أكثر في حاجته الحقيقية إليه، ويمنحه في بعض الأحيان وقتًا للاستماع إلى آراء الآخرين حول جدوى المنتج قبل اتخاذ قرار الشراء.
أما إذا كان الشخص مصممًا على الشراء، فيرى الحراصي ضرورة تجنب التقسيط بصورة عشوائية، لأن خدمات التقسيط مفيدة وتعطيك خيارات أكثر، لكن استعمالها بشكل خاطئ قد يسبب لك عجزًا ماليًا ويجعلك تستسهل شراء ما لست بحاجة إليه.

**media[3490139]**


خدمات التقسيط
من جهته، يرى عاصم السعدي أن خدمات التقسيط أصبحت جزءًا من طريقة الشراء اليومية، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف المعيشة وثبات كثير من الرواتب عند مستوياتها، موضحًا أن الشخص قد يكون محتاجًا إلى المنتج فعلًا، لكن دفع قيمته كاملة دفعة واحدة يشكل ضغطًا على وضعه المالي، فيجد في التقسيط حلًا أسهل.
وقال السعدي إن سهولة التقسيط قد تدفع الشخص في الوقت نفسه إلى شراء أشياء أو احتياجات لم يكن مخططًا لها من الأساس، معتبرًا أن التقسيط يجمع الأمرين؛ فمن جهة يسهل حياة الشخص، خاصة إذا كان المنتج ضروريًا وسعره مرتفعًا مقارنة براتبه، لكن المعضلة تبدأ عندما ينظر الشخص إلى القسط فقط، مثل 10 ريالات في الشهر، وينسى أن قيمة المنتج 120 ريالًا مثلًا. هنا يمكن أن يتحول التقسيط من وسيلة تسهل الشراء إلى وسيلة تشجع على زيادة الاستهلاك.
ويرى السعدي أن طريقة تفكير الناس في الإنفاق بدأت تتغير، حيث يحاول كثيرون الحفاظ على السيولة النقدية الشهرية وتقسيم المصروفات بدلًا من دفع مبلغ كبير دفعة واحدة، خصوصًا مع الإيجار والبترول وفواتير الإنترنت والكهرباء والمصاريف اليومية، ولذلك قد تكون الـ20 أو 30 ريالًا الإضافية أسهل بالنسبة إلى الشخص من دفع 200 ريال دفعة واحدة.
ويرى أن وصول التقسيط إلى السفر والملابس وغيرها ظاهرة تستحق الانتباه، بعدما كان التقسيط يرتبط في السابق بالأشياء الكبيرة مثل السيارات أو المنازل. وفيما يتعلق بالسفر، يعد التقسيط منطقيًا في بعض الحالات، خصوصًا عندما يكون السفر للعلاج أو الدراسة ويكون الشخص مضطرًا إليه، أما إذا كان السفر للترفيه فقط، فيرى أن الشخص ينبغي أن يقيّم قدرته ووضعه المالي قبل الدخول في التزام إضافي، خاصة مع محدودية بعض الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة.


تراكم الالتزامات
في حين قالت أميرة السعيدي: أرى أن الإشكالية تبدأ عندما يصبح التقسيط مدخلًا لتراكم الالتزامات على الشخص، بحيث يصل إلى مرحلة لا يعود فيها قادرًا على الاستمتاع براتبه بسبب كثرة الأقساط. ومع مستوى الرواتب الحالي لدى كثير من الشباب، أعتقد أن المسألة مرتبطة أيضًا بالقدرة المالية؛ فالفكرة في ذاتها قد تكون جيدة، لكن الدخل أحيانًا لا يسمح بتحمل التزامات متكررة.
وتابعت أميرة: قبل أيام ذهبت لشراء مكنسة، وفوجئت بأنها تُباع بالتقسيط أيضًا، وحتى السفر أصبح متاحًا بالأقساط. ربما تكون هذه الخدمات مفيدة لبعض الأشخاص، لكنني شخصيًا لا أتوقع أن ألجأ إليها؛ لأن الإشكالية في النهاية تعود إلى قدرة الفرد على أن يقول لنفسه: توقف، هذا قرار تقسيط غير مدروس.

**media[3490141]**


من زاويتها، ترى زينب العبري أن انتشار خدمات «اشترِ الآن وادفع لاحقًا» وتقسيط المنتجات الصغيرة يمثل سلاحًا ذا حدين، وأن التقسيط قد يكون مفيدًا في حالة المنتجات مرتفعة السعر، مثل الأجهزة وغيرها، لأنه يمنح المستهلك مرونة في الدفع ويجنبه تحمل مبلغ كبير دفعة واحدة، إلا أن استخدامه في المشتريات الصغيرة قد يسهم تدريجيًا في بناء عادة استهلاكية غير جيدة، حين ينتقل تفكير المستهلك من سؤال: هل أحتاج هذا المنتج فعلًا؟ إلى فكرة أن القسط بسيط ويمكن تحمله.
وتبدي زينب تحفظًا تجاه وصول التقسيط إلى مجالات مثل السفر والملابس والمشتريات اليومية، وتقول: أتفهم استخدامه في المنتجات الكبيرة أو الضرورية، لكن تقسيط هذه الأنواع من المشتريات يستدعي أن يسأل الفرد نفسه عما إذا كان يحتاج فعلًا إلى تقسيطها، خشية أن يعتاد نمط الشراء الآن والتفكير في الدفع لاحقًا، بما قد يسهم في تكوين عادات مالية غير صحية.
من جانبها، ترى خلود الخنبشي أن خدمات «اشترِ الآن وادفع لاحقًا» ليست سلبية في ذاتها، وقد تمثل حلًا مناسبًا في بعض الحالات، إلا أن سهولة الوصول إليها تتطلب مستوى عاليًا من الوعي لدى المستهلك؛ لأن بعض الأشخاص ينظرون إلى قيمة القسط أكثر من نظرهم إلى السعر الحقيقي للمنتج، وهنا تبدأ الإشكالية.
وترى الخنبشي أن لهذه الخدمات أثرين متوازيين؛ فهي قد تسهل حياة المستهلك عندما يكون المنتج ضروريًا ويدخل ضمن ميزانيته، لكنها قد تشجعه على زيادة الإنفاق عندما يصبح مبرر الشراء أن القسط بسيط. ومع تكرار هذا القرار أكثر من مرة، قد يجد الشخص أن مجموع التزاماته أصبح أكبر مما كان يتوقع، رغم أن كل قسط بدا صغيرًا عند اتخاذ قرار الشراء.
وتضع الخنبشي جوهر المشكلة في طريقة استخدام التقسيط أكثر من الأداة نفسها، فالتقسيط قد يساعد شخصًا على تنظيم سيولته، وقد يضع شخصًا آخر تحت ضغط مالي نتيجة سوء التخطيط، ولذلك ترى أن المسؤولية مشتركة بين الشركات في وضوح تقديم الخدمة وشروطها، وبين المستهلك في معرفة قدرته المالية وحدود إنفاقه.