حوار: حمود المحرزي:
على غرار وادي السيليكون وسنغافورة والمدن التقنية الأخرى الرائدة عالميا، تستعد سلطنة عمان لإنشاء أول منطقة اقتصادية للذكاء الاصطناعي في مسقط، لمواكبة التحولات الاقتصادية العالمية، وتحقيق طموحاتها في بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار، وتطوير القدرات الوطنية في مجال الإبداع، وإنتاج الأفكار والحلول الرقمية وتحويلها إلى مشروعات ومنتجات قابلة للتوسع والمنافسة عالميا.
وفي حوار لـ "عمان" أبدت الدكتورة سهام بنت أحمد الحارثي، رئيس مجلس إدارة شركة أفق للاستثمار، المطور والمشغل لمنطقة الذكاء الاصطناعي، تفاؤلها بمستقبل المنطقة كمنظومة متكاملة تجتذب الشركات العالمية والناشئة ورواد الأعمال، وتحول سلطنة عمان من مستهلك إلى مُنتج ومطور للحلول والتقنيات، وتعزز تنافسية الاقتصاد الرقمي وصولا إلى المستهدف برفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 10 بالمائة بحلول 2040.

**media[3488896]**


وأشارت سهام الحارثي إلى أنه من المتوقع بدء الأعمال الانشائية في المرحلة الأولى للمنطقة خلال الربع الأخير من 2027، حيث سيتم تطويرها على ثلاث مراحل بتكلفة استثمارية إجمالية نحو 106 ملايين ريال عماني.
ووفق مخطط المشروع، تضم المنطقة مراكز بحثية، ومختبرات للروبوتات والأتمتة الصناعية، ومركز بيانات وحوسبة سحابية، ومرافق للفعاليات، ومختبرات لتجربة النماذج الأولية للشركات الناشئة. كما يجري التفاوض مع شركاء عالميين في مجال التشغيل، وبعض الصناديق الاستثمارية وشركاء من داخل عمان وخارجها للشراكة في مراحل البناء والتطوير، والتفاوض مع جامعات عالمية لإنشاء جامعة متخصصة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، واستقطاب شركات عملاقة مثل مايكروسوفت وجوجل وهواوي لتطوير الكفاءات والقدرات الوطنية.. فإلى تفاصيل الحوار:
بداية، ما الرؤية التي تنطلق منها شركة "أفق" في تطوير منطقة الذكاء الاصطناعي؟
تطوير منطقة الذكاء الاصطناعي يتم وفق رؤية الحكومة وتطلعاتها للتحول نحو الاقتصاد الرقمي وتعزيز مكانة سلطنة عُمان كمركز إقليمي للتقنيات من خلال منطقة اقتصادية على مستوى عالمي تجتذب المواهب وتزدهر فيها ريادة الأعمال والشركات الناشئة والكبرى.
وتسعى شركة أفق من خلال هذا المشروع إلى تقديم نموذج استثنائي على غرار المناطق التقنية العالمية التي تضم عشرات الشركات التقنية، مثل وادي السيلكون في الولايات المتحدة، وفي دول أخرى كبيلاروسيا، وسنغافورة والهند.
تقديم نموذج استثنائي يبدأ من المخطط العام للمشروع، فما أبرز المرافق والمكونات التي ستجعل المنطقة بيئة متكاملة للشركات والابتكار وبناء المهارات؟
المنطقة تتمتع بتصميم عصري يتوافق مع المدن التقنية العالمية، وتحتل موقعا استراتيجيا قرب مطار مسقط الدولي، وتبلغ مساحتها نحو 104 آلاف متر مربع. والتطوير سيتم عبر ثلاث مراحل يضم كل منها مجموعة من الخدمات والمباني والمكاتب والفنادق وغيرها من المرافق الأساسية، واستخدامات الأراضي المقترحة وفق المخطط العام تشمل حاضنات ومسرعات الأعمال ومختبرات لتجربة النماذج الأولية الخاصة بالشركات الناشئة، التي لا تزال في مرحلة البحث والتطوير، ومكاتب مخصصة للشركات الناشئة، ومركز للبحوث والتطبيقات يطور حلولًا للمدن الذكية والعقارات الذكية والرعاية الصحية، ومختبرات للروبوتات والأتمتة الصناعية، ومركز بيانات وحوسبة سحابية، ومرافق الفعاليات. وهناك اهتمام كبير بالمرافق التدريبية والمؤسسات التعليمية المعنية بريادة الأعمال وتنمية المهارات، من بينها معهد تقني متكامل بالشراكة مع شركات عالمية لتدريب الكفاءات العُمانية على مشروعات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، ونسعى لشراكات مع شركات مثل مايكروسوفت وجوجل وهواوي لتطوير الكفاءات الوطنية.
أين وصلت الأعمال التحضيرية للمنطقة حاليا؟ ومتى نتوقع الانتقال إلى مرحلة الإنشاءات؟ وكم يبلغ حجم استثمارات المشروع؟
الاعداد لمنطقة الذكاء الاصطناعي بدأ منذ أكثر من عامين، وقد فازت شركة أفق للاستثمار والتطوير المتحدة بمناقصة إنشاء وتطوير وتشغيل المنطقة التي طرحتها وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات. وخلال الدورة الماضية من معرض كومكس تم إبرام الشراكة بين الوزارة والهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة وشركة أفق. وبدأت التجهيزات لتطوير المنطقة، والبحث عن الشراكات والاستعانة ببيوت خبرة من داخل سلطنة عمان وخارجها، وحتى الآن، تم إعداد منظومة متكاملة للمنطقة، ويجري العمل على المخطط العام، والبنى الأساسية من حيث احتياجات المنطقة من الطاقة ومراكز المعلومات وشبكات الاتصالات وغيرها من المرافق حتى تكون بيئة جاذبة للشركات التقنية والناشئة.
وبعد الانتهاء من التصاريح اللازمة والمخطط العام واعتماد الخرائط، نتوقع بدء الأعمال الانشائية للمرحلة الأولى في الربع الأخير من 2027. وحسب الدراسة المالية، يقدر إجمالي استثمارات تطوير المشروع بحوالي 106 ملايين ريال عماني أي ما يقارب 276 مليون دولار، وتتضمن استثمارات نحو 34 مليون ريال في المرحلة الأولى و43 مليون ريال في المرحلة الثانية و28 مليون ريال في المرحلة الثالثة.
ما الأسس التي تقوم عليها منظومة المنطقة، وكيف تضمن موثوقية تطبيقات الذكاء الاصطناعي؟
سلطنة عُمان تستهدف بناء منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي تدعم مستهدفات رؤية عُمان 2040، وتعزز المعرفة والابتكار، وترسخ مكانتها كمركز إقليمي للذكاء الاصطناعي الموثوق. والمنظومة ترتكز على ثلاثة مبادئ أساسية هي الأمن، والموثوقية، والاستدامة. وتركيز المنظومة لا يقتصر على تبني أحدث التقنيات، وإنما يمتد إلى تطوير إطار تشريعي وتنظيمي يضمن الاستخدام المسؤول للتقنيات، ويحمي البيانات، ويرسي الثقة في تطبيقاتها المختلفة، ويعزز التكامل والشراكة الفاعلة بين الجهات الحكومية والخاصة ورواد الأعمال والمستثمرين، بما يسهم في تطوير القدرات الوطنية والانتقال من مرحلة استخدام التقنيات إلى إنتاجها وتطويرها.
يوجد تنافس كبير على استقطاب شركات التكنولوجيا العالمية، فما الذي سيميز منطقة الذكاء الاصطناعي في سلطنة عُمان؟ وما الحوافز والمزايا التي تجعلها أكثر جاذبية للمستثمرين؟
وجود منطقة للذكاء الاصطناعي في سلطنة عمان هو في حد ذاته ميزة، فهي تتمتع بموقع استراتيجي فريد، وشراكات مثمرة مع دول العالم، وتمثل بيئة مستقرة وآمنة للمستثمرين. وجاء المرسوم السلطاني رقم 50 / 2026 بإنشاء المنطقة الاقتصادية الخاصة بالذكاء الاصطناعي ليضعها ضمن منظومة المناطق الحرة وبذلك تستفيد المشروعات التي تقام فيها من الحوافز والتسهيلات المنصوص عليها في قانون المناطق الاقتصادية الخاصة والحرة، والتي تتضمن إعفاءات ضريبية، وملكية بنسبة 100 بالمائة للمستثمرين الأجانب، وحرية تحويل رؤوس الأموال، وخدمات المحطة الواحدة لإجراءات الاستثمار، وتسهيلات في تخصيص الأراضي والعقارات، وإمكانية منح المستثمرين غير العمانيين وأزواجهم وأقاربهم من الدرجة الأولى إقامة في سلطنة عمان وفق شروط وإجراءات برنامج الإقامة الذهبية.
أيضا، نطمح لتعزيز التنافسية بإنشاء جامعة متخصصة في تقنيات الذكاء الاصطناعي لمختلف القطاعات، ونتفاوض حاليا مع عدة جامعات لديهم كليات متخصصة ويرغبون في تحويلها الى جامعة، وهي فرصة سانحة لعمان للتميز بوجود مثل هذه الجامعة.
هذه الحوافز تمنح المنطقة ميزة تنافسية، ولكن كيف ستوظفونها لاستقطاب الشركات العالمية؟ وما خطتكم للترويج للمنطقة والوصول إلى المستثمرين المستهدفين؟
هناك حملة ترويجية متكاملة سيتم تنظيمها للمنطقة تتضمن التعريف بالفرص المتاحة والحوافز، والجهات المعنية بهذا المشروع تواصل جهودها بشكل حثيث لتهيئة المنطقة لجذب الاستثمار، بما في ذلك تطوير البنية الأساسية التقنية والتوسع في إنشاء حاضنات الأعمال، واستقطاب شركات عالمية بهدف نقل الخبرات محليا، ومن شأن ذلك أن يوسع هذا المجال ويعزز الجدوى الحقيقية لهذه المنطقة.
والمنطقة تستهدف كافة الشركات ذات العلاقة بالتقنية والابتكار ومهام المستقبل، وقد أعددنا قائمة بالشركات المستهدفة التي نسعى لاستقطابها عبر حزم متخصصة وحوافز استثنائية، ونتواصل حاليا مع شركات عملاقة من بينها "مايكروسوفت" و"آي بي ام". وقد نظمنا زيارات لفريقنا في شركة أفق للتفاوض مع شركات في الولايات المتحدة وسنغافورة وروسيا، ونستعد حاليا لزيارة الصين. ولدينا ثقة في جذب شركات مرموقة، فسلطنة عمان واعدة في الاستثمار، وتتوجه نحو ترسيخ قطاعات متقدمة مثل الهيدروجين الأخضر والتقنيات، وهذا محل اهتمام لدى المستثمرين نظرا للخطوات الجادة التي تتحول من خلالها الخطط إلى واقع ومشروعات فعلية.
ومؤخرا، كان من الملاحظ زيادة ملموسة في عدد المستثمرين الذين يزورون سلطنة عمان لاستكشاف فرص الإقامة والاستثمار، نظرا لما تتمتع به من استقرار أمني وسياسي، وحوافز جاذبة للمستثمرين، وتقدمها في تسهيل إجراءات الاستثمار وتشجيع القطاع الخاص، ومنذ صدور المرسوم السلطاني بإنشاء منطقة الذكاء الاصطناعي نلمس إقبالا واهتماما من المستثمرين بشأن هذا المجال النوعي الواعد للاستثمار في عُمان.
مع التوسع في ابتعاث الطلبة لدراسة الذكاء الاصطناعي والتخصصات التقنية المتقدمة، كيف تستعد المنطقة لاستيعاب هذه الكفاءات عند عودتها وتحويل معارفها إلى ابتكار وشركات ناشئة قادرة على المنافسة؟
التركيز على الابتعاث في التخصصات التقنية المتقدمة يعطي انطباعا واقعيا لتكاملية المسارات في تنفيذ طموحات رؤية عمان 2040، ويعكس اهتماما ببناء القدرات الوطنية من خلال برامج ومبادرات التدريب والبعثات العلمية. والمبتعثون للدراسة سيعودون بالأفكار التي تقودنا نحو المستقبل، وسيصنعون التغيير، وعلينا أن نوفر لهم البيئة المواتية للإبداع والعمل. ووجود كيانات تقنية متخصصة مثل منطقة الذكاء الاصطناعي، يعد محفزا لاجتذاب المواهب وقيام رواد الأعمال بتأسيس شركات قادرة على المنافسة إقليميا وعالميا، وهناك تعاون وثيق مع وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، و"ريادة" لتحفيز الشركات الناشئة التي لها علاقة بالذكاء الاصطناعي للانضمام للمنطقة والاستفادة مما توفره من المزايا والحوافز والبيئة التقنية المتطورة.
مشروع بهذا الطموح يضع المطوّر أمام مسؤوليات كبيرة في البناء والتشغيل واستقطاب الشركاء، إلى أي مدى يمكن الرهان على قدرة شركة "أفق" على تنفيذ المشروع؟ وكيف تعزز قدراتها لضمان نجاحه على المدى الطويل؟
شركة أفق للاستثمار والتطوير المتحدة لها عظيم الشرف أن تكون أول شركة عمانية تحوز على الثقة في تطوير وتشغيل أول منطقة اقتصادية تقنية في سلطنة عمان، ونأمل ان نسهم في تحقيق طموحات وطنية مهمة للوصول لاقتصاد المعرفة ومكانة متقدمة لعُمان بين الأمم المتطورة تقنيا. فالشركة لديها خبرة واسعة في السوق المحلي والاقليمي، وشبكة ممتدة من الشراكات الدولية. ومع إدراكنا لأهمية هذا المشروع الوطني الاستراتيجي، ندرس حاليا مجموعة من هذه الشراكات وتحديد الأسس التي ستقوم عليها، ونستهدف تعزيز قدراتنا في مجال التشغيل بشراكة مع إحدى الشركات العالمية الكبرى المتخصصة، وبدأنا التواصل مع شركات عالمية في هذا المجال. كما بدأنا في تلقي عروض لمشاركة بعض الصناديق الاستثمارية وشركاء من داخل عمان وخارجها في مراحل البناء والتطوير.
كيف تنظرون إلى دور منطقة الذكاء الاصطناعي في الارتقاء بالقطاعات الحيوية والخدمات، والدفع بالابتكار وانتاج التقنيات في سلطنة عمان؟
منطقة الذكاء الاصطناعي مشروع وطني حضاري وليست مجرد مشروع اقتصادي واستثماري، ومن شأنها ان تعزز ربط المجتمع العُماني بالمعرفة والتكنولوجيا وغيرها من المجالات، ومن ينظر إليه كمشروع عقاري فهو مخطئ، لأن جدواه أوسع نطاقا، اذ يعد قيمة اقتصادية ومعرفية لسلطنة عمان التي تسعى لاقتناص الفرص في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو من أهم التقنيات خلال القرن الحالي. ومن المستهدف ان تتحول المنطقة خلال سنوات إلى مركز لتحفيز الإبداع والبحث العلمي وتوطين التقنيات المتقدمة. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم في تحسين مختلف المجالات والقطاعات بدءا من الزراعة والصيد وحتى الصناعة واللوجستيات والسياحة والصحة والتعليم.
واليوم، أي شركة خاصة أو جهة حكومية تستخدم أو تضيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل عملها، تستعين بشركات خارجية أو تتعاقد مع شركة تمتلك الخبرة والتقنيات، ووجود المنطقة يعني إنتاج فعلي للتقنيات عبر شركات تعمل من داخل عُمان وتستخدم تقنياتها على مستوى العالم.
وعلى المدى الطويل، العائد الذي ستحققه المنطقة كبير بما في ذلك زيادة القيمة المضافة وتنويع روافد الاقتصاد ومصادر دخل الدولة. ونحن كمستثمرين من القطاع الخاص نرى أن سلطنة عمان لديها من الحوافز والإمكانات ما يؤهلها لمكانة مرموقة على خارطة الدول الداعمة والمحفزة للشركات العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي. ونأمل أن تصبح عُمان وجهة رائدة للتقنيات، وأن تستضيف المؤتمرات العالمية المتخصصة في هذا المجال، وأن تسهم المنطقة في تطوير الشركات الناشئة العمانية من خلال برامج متقدمة لتحويلها إلى شركات مليارية وتعزيز مكانة سلطنة عُمان عالميا.