فيليب هـ. غوردون

يصعب على من لم يبلغ الثلاثين أن يقدّر تمامًا حجم الخوف الذي استبد بالولايات المتحدة عقب 11 سبتمبر 2001. ففي ذلك اليوم المروّع، شاهد ملايين الأمريكيين طائرات ترتطم بمبانٍ، وأشخاصًا يقفزون من ناطحات السحاب، وبرجي مركز التجارة العالمي ينهاران وفي داخلهما آلاف الأبرياء. ثم شهدت الأشهر والسنوات التالية هجمات قاتلة بجراثيم الجمرة الخبيثة، ومحاولات لتفجير طائرات ركاب بمتفجرات خُبئت في الأحذية والملابس الداخلية وعبوات المشروبات الغازية، وفظائع إرهابية في بالي وإسطنبول وجاكرتا ولندن ومدريد ومومباي وغيرها، واستخدام مركبات لدهس المارة، وسلسلة متواصلة من حوادث إطلاق النار والطعن. وخلال جانب كبير من العقد الذي أعقب هجمات 11 سبتمبر، لم يكن السؤال الذي يشغل معظم الأمريكيين: هل سيقع هجوم إرهابي كبير آخر على الأراضي الأمريكية؟ بل: متى سيقع؟

يروي كتاب بيتر بيرغن «حروب الرؤساء جميعًا» (All the Presidents’ Wars) القرارات والأحداث المصيرية التي صاغتها تلك المخاوف. فالإرهابيون لم يختطفوا الطائرات وحدها، بل اختطفوا أيضًا وجهة السياسة الخارجية الأمريكية. كان جورج دبليو بوش قد انتُخب رئيسًا عام 2000 على برنامج يرفض اضطلاع واشنطن بدور «شرطي العالم»، ويتعهد بسياسة خارجية وصفها بأنها «متواضعة». واختزلت مستشارته للأمن القومي كوندوليزا رايس تلك النزعة الواقعية بقولها: «لسنا في حاجة إلى أن ترافق الفرقة 82 المحمولة جوًا الأطفال إلى رياضهم». لكن بحلول عام 2003، لم تكن الفرقة نفسها ترافق الأطفال، بل تتصدر غزوًا للعراق استهدف تغيير الشرق الأوسط برمته وإرساء الديمقراطية فيه. وبتركيزه المطلق على منع تكرار 11 سبتمبر، حوّل بوش مقاربته المتواضعة للشؤون العالمية إلى ما سُمّي «الحرب العالمية على الإرهاب»، التي غدت الإطار الحاكم للسياسة الخارجية الأمريكية، على نحو يماثل الدور الذي أدته الحرب الباردة بين عامي 1947 و1989.

أطلق بوش الحرب على الإرهاب، لكنه لم يكن آخر رئيس يخوضها. فباراك أوباما، على الرغم من تشككه في التدخل العسكري الأمريكي وانتخابه جزئيًا بسبب معارضته حرب العراق، وجد نفسه لا يخوض حرب أفغانستان فحسب، بل يوسّعها أيضًا؛ إذ أمر بين عامي 2009 و2012 بزيادة القوات الأمريكية بنحو 50 ألف جندي، ليرتفع مجموعها إلى قرابة 100 ألف، وحوّل حرب الطائرات المسيّرة القاتلة من تكتيك مستحدث إلى أداة اعتيادية. وفي مايو 2011، قتلت القوات الخاصة الأمريكية أخيرًا أسامة بن لادن، مهندس هجمات 11 سبتمبر، لكن الحرب على الإرهاب ظلت بعيدة عن نهايتها. وبعد ثلاثة أعوام، أعلن تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، المعروف بداعش، «الخلافة». وكان أوباما قد قلّل في البداية من شأن التنظيم ووصفه بأنه «فريق من الدرجة الثانية» بين الجماعات الإرهابية. ثم شنّ التنظيم حملة وحشية من القتل والتطهير العرقي والخطف والاغتصاب، ما قاد إلى تدخل عسكري آخر في المنطقة بقيادة الولايات المتحدة استمر أعوامًا.

كان دونالد ترامب من منتقدي التدخلات الخارجية، لأغراض انتخابية على الأقل، وانتُخب رئيسًا للمرة الأولى عام 2016 آملًا في خفض أولوية الحرب على الإرهاب، لكنه أخفق في ذلك مثل سابقيه. ففي أغسطس 2017، قال إن «غريزته الأولى» كانت الانسحاب الكامل من أفغانستان، لكنه أضاف أن «القرارات تختلف كثيرًا عندما تجلس خلف المكتب في المكتب البيضاوي». ووافق مستشاروه العسكريون على التحول إلى انسحاب «مشروط بالظروف»، وهي الاستراتيجية نفسها التي أبقت القوات الأمريكية في أفغانستان منذ عام 2011. وفي سوريا كذلك، أعلن ترامب مرتين خططًا لسحب القوات الأمريكية، لكنه لم ينفذها كاملة قط، ويرجع ذلك أساسًا إلى مقاومة مؤسساتية قادها القلقون من استمرار الحاجة إلى احتواء داعش. وواصلت إدارته غارات الطائرات المسيّرة وعمليات القوات الخاصة في أفغانستان والعراق والصومال وسوريا واليمن، وغالبًا وفق قواعد اشتباك أقل تقييدًا من السابق.

وهكذا أصبح جو بايدن، في يناير 2021، رابع رئيس أمريكي منذ هجمات 11 سبتمبر يجد أن مكافحة الإرهاب، وحرب أفغانستان خصوصًا، تقتحم برنامجه الأول للسياسة الخارجية، في وقت كان يحاول فيه التعامل مع تحديات استراتيجية كبرى أخرى. ورث بايدن من ترامب اتفاقًا مع طالبان يتضمن التزامًا بسحب جميع القوات الأمريكية من أفغانستان، لكن تنفيذ الاتفاق تُرك له. وقد نفذه، بكلفة فادحة. فمن دون إسناد القوات الأمريكية وقوات الحلفاء الأخرى، انهارت الحكومة الأفغانية سريعًا، فسيطرت طالبان على البلاد بعد نحو عشرين عامًا تمامًا من طردها من السلطة. وأسفر الانسحاب الأمريكي الفوضوي عن مقتل 13 عسكريًا أمريكيًا ومئات الأفغان، وترك آلاف الأفغان الذين عملوا مع الولايات المتحدة عالقين، وأضر بصورة بايدن لدى الرأي العام الأمريكي؛ وكانت ضربة لم يتعافَ منها قط.

بات الأمريكيون ينظرون إلى سياسة بلادهم في العقود التي أعقبت 11 سبتمبر بوصفها سجلًا متصلًا من الإخفاقات. ويعرض بيرغن، في سرد يستند إلى عمل صحفي متعمق، تفاصيل حية لسوء التقدير والأخطاء المكلفة التي لازمت الجهود الأمريكية. غير أن الخطأ الأكبر كان الشروع أصلًا في حملة بهذا الاتساع، والاعتقاد أن الولايات المتحدة تستطيع استخدام القوة العسكرية لتغيير الشرق الأوسط على هواها.

والآن، في إدارة ترامب الثانية، تبدو الحرب على الإرهاب قريبة من نهايتها. فقد صوّر ترامب تدخلاته في منطقة البحر الكاريبي وفنزويلا على أنها حملات ضد «إرهابيي المخدرات»، وبرر هجومه على إيران في فبراير 2026 بأنه ضربة إلى «أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم». لكن عمليًا، تأتي مكافحة ما تسميه الإدارة «التنظيمات الموروثة»، مثل القاعدة وداعش، في مرتبة أدنى بكثير من أولويات ترامب الاستراتيجية الأخرى، ولا تستنزف من الموارد والاهتمام إلا قدرًا أقل مما استنزفته في أي وقت خلال الأعوام الخمسة والعشرين الماضية. وبعيدًا عن إعطاء الأولوية لمواجهة الجهادية العالمية، تكاد استراتيجية الأمن القومي التي أصدرها ترامب في نوفمبر 2025 لا تذكرها، وتركز بدلًا من ذلك على التخلص من «الأعباء العالمية التي لا تنتهي».

وعندما يحيي الأمريكيون هذا الخريف الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر، لن يكون خطر الإرهاب الإسلاموي قد اختفى بالتأكيد. أما «الحرب على الإرهاب»، التي شكّلت الإطار الناظم للسياسة الخارجية الأمريكية طوال ربع القرن المنصرم، فستكون قد انتهت.

ثمن النصر

قلّما يوجد كاتب أقدر من بيرغن على تقويم الحرب على الإرهاب. فقد كان واحدًا من آخر الصحفيين الغربيين الذين التقوا بن لادن؛ إذ أجرى فريقه مقابلة مع زعيم القاعدة في كوخ طيني بأفغانستان عام 1997. وظل بيرغن يتابع بن لادن وتنظيمه عن كثب، سواء في عمله محللًا لدى شبكة «سي إن إن» أو خلال أبحاثه لكتبه الممتازة العديدة عن القاعدة والتطرف والسياسة العسكرية الأمريكية وسياسة مكافحة الإرهاب.

يسرد بيرغن قصة آسرة تمتد من 11 سبتمبر إلى يومنا هذا. وهو يوجّه نقدًا حادًا إلى كثيرين ممن خاضوا الحرب على الإرهاب، لكنه لا يغفل نجاحاتها الكبرى. فقد أدت عقود من العمل الاستخباراتي الدقيق الذي أنجزته الولايات المتحدة وحلفاؤها، والتقدم في وسائل الاستهداف القاتل، إلى إضعاف هياكل القيادة في القاعدة وداعش إلى حد بعيد؛ فلم يعد أي منهما يسيطر على أراضٍ ذات شأن أو يهدد حكومات غربية أو إقليمية كما كان في ذروة قوته. ولا تزال هذه الجماعات وفروعها قادرة على تنفيذ هجمات توقع أعدادًا كبيرة من الضحايا، كما برهنت تفجيرات نفذها فرع لداعش في موسكو وإيران عام 2024، لكنها غدت أشباحًا لما كانت عليه، بعد أن فقدت القادة ذوي الكاريزما والزخم الأيديولوجي والموارد. وفي أواخر عام 2001، لم يكن سوى قلة من الأمريكيين يتوقعون أن تمر الأعوام الخمسة والعشرون التالية من دون هجوم إرهابي واسع النطاق وفتّاك تنفذه جماعة أجنبية على الأراضي الأمريكية. كان ذلك الهدف الأساسي للحرب على الإرهاب، وقد تحقق.

لكن كلفة هذا الإنجاز كانت هائلة أيضًا، وأعلى مما كان ينبغي، بسبب تكرار سوء التقدير والإفراط في التمدد. ووفق تقديرات بيرغن، كلّفت حربا العراق وأفغانستان الولايات المتحدة ما لا يقل عن 4 تريليونات دولار، ترتفع إلى 6 تريليونات إذا أُضيفت معاشات العسكريين. وقُتل نحو 7000 من أفراد القوات الأمريكية، إلى جانب ما يُقدّر بنحو 8000 من المتعاقدين. وتشير التقديرات المتحفظة إلى مقتل 200 ألف عراقي وعشرات الآلاف من الأفغان. وإلى جانب الخسائر البشرية والمالية، أضر بسمعة واشنطن العالمية ضررًا بالغًا ما تكشف من تلاعب إدارة بوش بالمعلومات الاستخباراتية لتسويق حرب العراق، والاستخدام المنهجي للتعذيب، وانتهاك القانونين الداخلي والدولي، وسقوط مدنيين في الشرق الأوسط وجنوب آسيا جراء عقدين من غارات الطائرات المسيّرة. وفاقمت الحروب انعدام ثقة الأمريكيين بالحكومة، ونفّرت جيلًا كاملًا من فكرة أن الولايات المتحدة قوة تعمل للخير في العالم.

يوجّه بيرغن نقدًا قاسيًا إلى جميع من خاضوا «الحرب على الإرهاب»، وفي مقدمتهم أعضاء إدارة جورج دبليو بوش الذين أطلقوها. فقد استبد الخوف من هجوم إرهابي كبير آخر ببوش وفريقه، فـ«بالغوا في رد الفعل بصورة هائلة»، ولا سيما حين شنوا حرب العراق من دون أي دليل على ضلوع صدام حسين في هجمات 11 سبتمبر، على الرغم من محاولاتهم المحمومة للعثور على مثل هذا الدليل. ثم ضاعفت أخطاء تكتيكية أثر الخطأ الاستراتيجي المتمثل في غزو العراق بذريعة زائفة. وكان أبرزها قرارا بول بريمر في مايو 2003؛ وهو الذي كثيرًا ما وُصف بأنه «مندوب واشنطن السامي» في بغداد: حل الجيش العراقي بأكمله، وتسريح عشرات الآلاف من مسؤولي حزب البعث. وأسهم القراران في إنشاء قوة تمرد مدججة بالسلاح ومفعمة بالسخط، انتهى الأمر بالقوات الأمريكية إلى قتالها أعوامًا في شوارع المدن العراقية. ولم يتحمل أحد في إدارة جورج دبليو بوش مسؤولية تلك الأخطاء، كما لم يستعد الجيش الأمريكي ولا قياداته المدنية بما يكفي للفوضى التي ستنجم عنها.

اضطر جميع خلفاء بوش إلى التعامل مع عواقب قراراته: حرب في أفغانستان عانت نقص الموارد وأخفقت في القضاء على القاعدة، وحرب في العراق تحولت إلى حرب أهلية طائفية وتمرد مناهض للولايات المتحدة. وبعد إطلاق الحرب المترامية الأطراف على الإرهاب، وجد أوباما وترامب وبايدن أنفسهم عاجزين عن تغيير المسار، وغير واثقين من السبيل الصحيح لخوضها. وتولى كل منهم منصبه عازمًا على الخروج من العراق وأفغانستان وإعادة توجيه الموارد إلى أولويات أخرى في السياسة الخارجية، لكن أحدًا منهم لم ينجح، على الأقل حتى الانسحاب الفوضوي من أفغانستان في عهد بايدن.

هل كان ثمة بديل لهذه الحصيلة المكلفة؟ لا يقول بيرغن ذلك صراحة، لكن الخلاصة المعقولة من سرده هي أن بديلًا كان متاحًا. كان لزامًا على الولايات المتحدة أن ترد عسكريًا على أسوأ هجوم تتعرض له أراضيها في التاريخ. لكنها لم تكن مضطرة إلى شن حرب عالمية مترامية الأطراف على الإرهاب، تجاوزت كثيرًا القضاء على الإرهابيين الذين هددوا الولايات المتحدة، واستهدفت محو الإرهاب بوصفه أداة سياسية وتغيير الشرق الأوسط برمته. ولو ركز بوش على القاعدة وبن لادن، بدلًا من طالبان والعراق، لربما استطاع تدمير التنظيم وقيادته وتبديد التهديد الإرهابي العالمي قبل أن تنجر الولايات المتحدة إلى صراع مكلف امتد 25 عامًا.

ولا ضمان، بطبيعة الحال، أن اتفاقًا مع طالبان كان سيصبح ممكنًا لو هُزمت القاعدة وأُسر بن لادن عام 2001، أو حين قُتل بن لادن وكانت طالبان على شفا الهزيمة عام 2011. لكن يصعب القول إن اتفاقًا كهذا كان سيفضي إلى نتيجة أسوأ من النتيجة التي سلّمت البلاد في نهاية المطاف إلى طالبان، بعد عشرين عامًا من إطاحتها. وكان الاتفاق الذي تفاوض عليه ترامب ونفذه بايدن يلزم طالبان، ظاهريًا، بمنع استخدام أفغانستان قاعدة للإرهاب العالمي، لكنه خلا من آلية حقيقية لإنفاذ ذلك الالتزام، ومن أي وسيلة لاستبعاد المتطرفين من حكومة طالبان التي سيطرت على البلاد وأعادت فرض حكم متشدد. لا شك أن القوات الأمريكية وقوات الحلفاء قضت، طوال عقدين في أفغانستان، على إرهابيين كثيرين وحرمتهم من الملاذ، لكن الصحيح أيضًا أن الاحتلال الأمريكي وما خلّفه من ضحايا مدنيين دفع آخرين إلى الانضمام إلى صفوفهم.

وبالمثل، يستحيل معرفة ما كان سيحدث لو لم يشن بوش غزو عام 2003 لإسقاط صدام حسين. لكن يصعب القول إن كلفة إبقائه في السلطة كانت ستفوق كلفة حرب أنفقت تريليونات الدولارات، وأودت بحياة آلاف العراقيين والأمريكيين، وعززت قوة إيران، وأججت الطائفية، وأفضت إلى صعود داعش وإلى حملة دموية استمرت أعوامًا لهزيمته. ويمنح سرد بيرغن القارئ أسبابًا وجيهة لاستنتاج أن حملة لمكافحة الإرهاب أضيق نطاقًا وأقل طموحًا كان يمكن أن تحمي الأمريكيين بكلفة أدنى كثيرًا.

خطأ تصنيفي

كثير من انتقادات بيرغن القاسية لقرارات صانعي السياسة وجيه، وهو يوثّق قدرًا وافرًا من التفكير الرغائبي والأخطاء المكلفة وسوء النية والعواقب غير المقصودة.

لكنه يقع أحيانًا في الفخ المألوف المتمثل في الإيحاء بأن المشكلات الرئيسية في الحرب على الإرهاب كانت أخطاء تكتيكية في الحساب أو عيوبًا في التنفيذ، لا الخطأ الاستراتيجي الجوهري الكامن في إعلان حرب شاملة على أسلوب من أساليب العنف، ومحاولة تغيير منطقة بأسرها بالقوة العسكرية.

والواقع أن شكواه المتكررة من إخفاق صانعي السياسة في «التخطيط لليوم التالي» تثير سؤالًا: كيف كان يمكنهم أن يخططوا له بفاعلية وسط فراغات سياسية وانقسامات طائفية وتدخلات من دول الجوار واستياء من التدخل الأجنبي؟ وكما اكتشفت إدارات عدة، فإن نشر قدر ضئيل جدًا من القوة العسكرية الأمريكية بعد إسقاط حكومة قد يسمح للخصومات بأن تستفحل وللتنظيمات الإرهابية بأن تنمو، بينما قد يقود الإفراط في القوة إلى مقاومة محلية، وغضب من سقوط المدنيين، وكلفة يتعذر تحملها.

وحين تُزاح حكومة من السلطة، لا يُرجح أن تنجح أي «تكتيكات» أو «خطط» في إرساء الاستقرار. وعلى الرغم من أخطاء الأعوام الخمسة والعشرين الماضية، كان معظم صانعي السياسة الأمريكيين يحاولون حقًا فعل ما رأوه صوابًا لحماية مواطنيهم من تهديدات حقيقية. ولم يكن أحد منهم يملك علم الغيب، كما أن الطريق الذي لم يُسلك كان سينطوي، في كل حالة تقريبًا، على كلفة جسيمة هو الآخر.

ومن الأمثلة الحديثة الجيدة على ذلك قرار بايدن، في مستهل رئاسته، تنفيذ التزام إدارة ترامب سحب جميع القوات الأمريكية من أفغانستان عام 2021 تنفيذًا كاملًا، من دون إبقاء قوة محدودة.

ينتقد بيرغن القرار بشدة، ويقول إن قوة من 2500 جندي أمريكي فقط، إلى جانب عدد يناهز ضعف ذلك من الأوروبيين والمتعاقدين وقوات الأمن الوطني الأفغانية، كانت ستكفي «لكبح طالبان». لكن هذا النقد يغفل أن طالبان لم تكن تهاجم القوات الأمريكية إلا لأن ترامب التزم عام 2020 بسحبها جميعًا.

ولو تراجع بايدن عن ذلك الالتزام وأبقى قواته في أفغانستان، لاستأنفت طالبان حتمًا هجومها العسكري، وربما انهار الجيش الأفغاني على أي حال بمرور الوقت.

وكان ذلك سيعني تمديد الحرب الأمريكية في أفغانستان إلى عقدها الثالث واستنزاف موارد شحيحة، في وقت كانت الولايات المتحدة تتعامل فيه مع صراعات كبرى أخرى في أوروبا والشرق الأوسط. ثم كان خليفة بايدن سيواجه الخيار المألوف: إرسال تعزيزات جديدة أو المجازفة بهزيمة عسكرية.

يقدّم كتاب «حروب الرؤساء جميعًا» عرضًا تاريخيًا أكثر منه محاولة لتقديم جديد، لكن بيرغن يسهم إسهامًا قيّمًا في الفهم العام لمحطات رئيسية في الحرب على الإرهاب. فهو يحاجج على نحو مقنع بأن بن لادن كان موجودًا، على وجه شبه مؤكد، في مجمع كهوف تورا بورا بشرق أفغانستان أواخر عام 2001، على الرغم من إصرار مسؤولي إدارة بوش على أن مكانه لم يكن محسومًا.

كما أن عدم زج عدد كافٍ من القوات الأمريكية، لأسباب منها أن الاهتمام العسكري والسياسي كان يتحول بالفعل نحو العراق، أتاح له الفرار إلى باكستان.

ويراجع بيرغن أيضًا أدلة جديدة على علاقة السعودية بالقاعدة، ويخلص إلى أنه، مع عدم وجود ما يدل على ضلوع حكومي مباشر في هجمات 11 سبتمبر أو علم مسبق بها، فإن أجهزة حكومية سعودية كانت قد اختُرقت واستُغلت من عناصر مرتبطة بالقاعدة أو متعاطفة معها، بدرجة أكبر مما كان مفهومًا على نطاق واسع.

وأخيرًا، وخلافًا للرأي الشائع بأن بن لادن اعتقد أن هجمات 11 سبتمبر ستجر الولايات المتحدة إلى حرب دموية في الشرق الأوسط، كان الرجل يعتقد العكس: أن الضربات على الأراضي الأمريكية ستدفع الولايات المتحدة إلى سحب قواتها من المنطقة، مثلما دفع تفجير ثكنات مشاة البحرية في بيروت عام 1983 وواقعة «سقوط بلاك هوك» في مقديشو عام 1993 واشنطن إلى سحب قواتها من لبنان والصومال، على الترتيب.

واتضح أن قادة الإرهاب، شأنهم شأن المسؤولين الأمريكيين، قد يخطئون هم أيضًا خطأ فادحًا في الحساب.

إذا كانت الحرب على الإرهاب التي دامت 25 عامًا قد انتهت حقًا، فإن تبعاتها باقية. فقد تركت الولايات المتحدة أكثر أمنًا من بعض الوجوه، لكنها تركتها أيضًا أفقر، وأشد انقسامًا، وأقل احترامًا في العالم، وأكثر سأمًا من الانخراط في شؤونه، وأضعف ثقة بنفسها.

وعلى كل مواطن، ولا سيما من سيصوغون السياسة الأمريكية في المستقبل، أن يستوعب الدرس الأساسي في كتاب «حروب الرؤساء جميعًا»: أن المخاوف المشروعة والسعي إلى أمن مطلق قد يدفعان قوة عظمى إلى الإفراط في التمدد، فتترتب عواقب لا يستطيع أحد التنبؤ بها أو عكس مسارها بسهولة.