تشنج جييونج - ترجمة - نهى مصطفى
كما يتزايد التنسيق الأمني بين اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة، مما يضغط على الصين.
ويثير الوضع النووي الراسخ لكوريا الشمالية مخاوف أمنية لدى اليابان وكوريا الجنوبية، وقد يدفعهما في نهاية المطاف إلى السعي لامتلاك أسلحة نووية.
أصبحت بيونج يانج أكثر غموضًا مع ازدياد جرأتها بفضل برنامجها النووي. لم تدفع سنوات من العقوبات الدولية والإدانات والعزلة كوريا الشمالية إلى التخلي عن برنامجها النووي، بل زادتها إصرارًا على التمسك به.
ورغم استمرار اعتماد كوريا الشمالية على الصين في الحصول على الدعم الاقتصادي، فإن تنامي علاقاتها الأمنية مع روسيا قلل اعتمادها على بكين مقارنة بالماضي. تخشى الصين، في حال اندلاع أزمة تشمل كوريا الشمالية، أن تجد نفسها مهمشة مع خروج الصراع عن السيطرة.
لا تريد بكين أن تنهار كوريا الشمالية، إحدى الدول الشيوعية القليلة المتبقية في العالم، والتي تمثل نموذجًا محتملًا لكيفية إدارة الصين علاقاتها مع حلفائها بفاعلية. كما لا تريد التخلي عن هدف نزع السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية على المدى الطويل.
لكنها تدرك حاجتها إلى وسائل أفضل لتجنب المفاجآت التي قد تأتي من بيونج يانج، وتزعزع استقرار الصين أو تدفع اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة إلى توسيع وجودها العسكري في المنطقة.
كما تغير نهجها، فلم تعد تجعل نزع السلاح النووي شرطًا أساسيًا للتواصل مع بيونج يانج، لكنها تركز على الحد من المخاطر التي قد تؤدي إلى نشوب صراعات. ومع تزايد حالة عدم اليقين عالميًا، تأمل الصين أن يساعد تعزيز التواصل مع كوريا الشمالية وتنظيمه على تحقيق هدفها الأهم: الحفاظ على الهدوء في جوارها المباشر.
قامت العلاقة بين البلدين طويلًا على الصداقة الدبلوماسية والذكريات الثورية المشتركة وشبكات العلاقات الشخصية بين القادة. تقاربت الدولتان خلال الحرب الكورية، لكن التوترات أدت في فترات أخرى إلى تباعدهما. بعد تولي كيم جونج أون قيادة كوريا الشمالية أواخر عام 2011، تدهورت العلاقات مع الصين بشدة بسبب خلافات حول سياسات بيونج يانج، من بينها سعي كيم إلى امتلاك أسلحة نووية واعتقال عمه وإعدامه.
لم تتعارض تلك التجارب مع معارضة الصين المعلنة للبرنامج النووي لكوريا الشمالية فحسب، بل سببت أيضًا إحراجًا سياسيًا لبكين، إذ تزامنت مع استضافتها قمة قادة مجموعة البريكس.
صوتت الصين في ذلك العام لصالح خمسة قرارات في مجلس الأمن الدولي لفرض عقوبات مشددة على كوريا الشمالية وتشديد إجراءات المراقبة.
دفع قلق بكين من احتمال تصعيد الصراع بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة إلى دعوة رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية جوزيف دانفورد إلى الصين لمناقشة البرنامج النووي لكوريا الشمالية والأمن الإقليمي.
وقبيل لقاء كيم وترامب في سنغافورة في يونيو من ذلك العام، أراد الزعيم الكوري الشمالي استشارة شي جين بينج بشأن خبرته في التعامل مع الرئيس الأمريكي، فسارعت بكين إلى دعوته لزيارة الصين.
زار كيم الصين في مارس، ثم مايو ويونيو من العام نفسه. ورد شي الزيارة بزيارة كوريا الشمالية في صيف 2019، لتنتعش التجارة عبر الحدود وتعود العلاقات الثنائية إلى سابق عهدها.
يمثل هذا الدعم عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على سبل عيش الكوريين الشماليين واستقرار حدود الصين الشمالية الشرقية. لكن روسيا زادت دعمها لكوريا الشمالية بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية.
فبعد توقيع معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين في يونيو 2024، قدمت موسكو لبيونج يانج ضمانات أمنية وتكنولوجيا عسكرية وإمدادات طاقة وأسواقًا للعمالة، وساعدتها على التحايل على العقوبات. في المقابل، أرسلت كوريا الشمالية ذخائر وجنودًا للقتال إلى جانب روسيا في حربها في أوكرانيا.
انتقلت استراتيجية بيونج يانج من الاعتماد على الصين لموازنة الضغوط الأمريكية إلى استراتيجية ثلاثية المحاور، تستخدم فيها الصين لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وروسيا لتعزيز أمنها، والضغط الأمريكي لتبرير برنامجها النووي.
من خلال تعزيز علاقاتها مع الصين وروسيا، مع الحفاظ على قدرتها النووية الرادعة للولايات المتحدة، تبدو كوريا الشمالية عازمة على محاكاة نمط المناورة الذي ساد بين الصين والاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة، بما يتيح لها تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب.
وقد يؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى تشكيل تحالف عسكري رادع ومنظم يستهدف كوريا الشمالية والصين، ويفرض عليهما ضغوطًا من جبهات عدة، ويزيد التوتر حول مناطق مثل مضيق تايوان.
تحرص الصين على تجنب أي صراع عسكري غير ضروري مع الولايات المتحدة، لكن استفزازات كوريا الشمالية النووية والصاروخية المستمرة، وتعميق تعاونها العسكري مع روسيا، وتزايد عدم القدرة على التنبؤ بسلوكها، كلها عوامل قد تدفع بكين إلى الانجرار إلى أزمة. يعكس حرص الصين على تجنب عدم الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية رغبتها في الحفاظ على استقرار علاقاتها مع الولايات المتحدة، وتجنب أي تصعيد قد يقود إلى صراع مباشر.
بعبارة أخرى، تحتاج الصين إلى نهج مؤسسي يولي أهمية أكبر لآليات التعاون الرسمية وقنوات الاتصال.
ففي الأشهر الأربعة الماضية، التقى وزير الخارجية الصيني ورئيس أعلى هيئة استشارية سياسية مع كيم جونج أون في بيونج يانج، كما زار رئيس وزراء كوريا الشمالية الصين والتقى بالرئيس شي جين بينج.
وتأمل بكين في إشراك كوريا الشمالية في منصات متعددة الأطراف، مثل مبادرة تومين الكبرى، وهي إطار للتعاون الاقتصادي بين حكومات شمال شرق آسيا، ومنظمة شنجهاي للتعاون، إلى جانب تطوير آليات حوار إقليمية بقيادة الصين تتيح لبيونج يانج المشاركة فيها.
لذلك، أصبح منع الأزمات والحفاظ على الاستقرار من أهم أولويات الصين في شبه الجزيرة الكورية.
لا يمثل الدعم الاقتصادي مجرد ثمن تدفعه الصين للحفاظ على استقرار كوريا الشمالية، لكنه أداة عملية للتأثير على بيونج يانج ومنع تهميش بكين في المنطقة.
ويمكن للصين ربط المساعدات الإنسانية، وتوسيع التجارة الحدودية، وإمدادات الطاقة، وتطوير البنية التحتية باستعداد كوريا الشمالية للحد من تهديداتها العسكرية.
لن تستطيع الصين تحويل نفوذها الاقتصادي إلى نفوذ إقليمي فعلي إلا بربط زيادة التعاون بأدلة ملموسة على أن بيونج يانج تخفض مخاطر الصراع بشكل فعلي.
في المقابل، ستقدم الصين دعمًا اقتصاديًا أكبر، وتوسع التجارة والاستثمار، وتساعد في تطوير البنية التحتية، وتوفر دعمًا سياسيًا دوليًا؛ لأنها تريد كوريا شمالية مستقرة وقادرة على تحقيق نمو اقتصادي، لا تشكل تهديدًا أمنيًا لها، ولا تتحول إلى ورقة في صراع القوى العظمى.
مع تغير كوريا الشمالية، لم تعد الروابط التاريخية بين الحليفين كافية لضمان الاستقرار الإقليمي. تسعى بكين إلى تحويل نفوذها على بيونج يانج إلى أداة فعالة لإدارة الأزمات، من خلال توثيق العلاقات ووضع حدود واضحة.