تشنج جييونج - ترجمة - نهى مصطفى

بالنسبة للصين، تظل منطقة شمال شرق آسيا نقطة ضعف في مساعيها لتأمين حدودها المباشرة، حيث تتصاعد التوترات بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، مما يزيد احتمال نشوب صراع قد يمتد إلى ما وراء شبه الجزيرة الكورية.

كما يتزايد التنسيق الأمني بين اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة، مما يضغط على الصين.

ويثير الوضع النووي الراسخ لكوريا الشمالية مخاوف أمنية لدى اليابان وكوريا الجنوبية، وقد يدفعهما في نهاية المطاف إلى السعي لامتلاك أسلحة نووية.

تشعر الصين بقلق متزايد إزاء دور كوريا الشمالية في خلق هذه المخاطر وتفاقمها، والحاجة إلى تعديل استراتيجيتها تجاه بيونج يانج لإدارة هذه المخاطر دون تأجيج التوترات وزعزعة استقرار المنطقة.

أصبحت بيونج يانج أكثر غموضًا مع ازدياد جرأتها بفضل برنامجها النووي. لم تدفع سنوات من العقوبات الدولية والإدانات والعزلة كوريا الشمالية إلى التخلي عن برنامجها النووي، بل زادتها إصرارًا على التمسك به.

ورغم استمرار اعتماد كوريا الشمالية على الصين في الحصول على الدعم الاقتصادي، فإن تنامي علاقاتها الأمنية مع روسيا قلل اعتمادها على بكين مقارنة بالماضي. تخشى الصين، في حال اندلاع أزمة تشمل كوريا الشمالية، أن تجد نفسها مهمشة مع خروج الصراع عن السيطرة.

على مدى ثمانية عقود، قامت علاقة بكين وبيونج يانج على الروابط التاريخية والصداقة الرمزية والتنسيق غير الرسمي. لكن عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات بيونج يانج جعل هذا النهج غير كافٍ. تهدف الاستراتيجية الصينية الجديدة، التي تجسدت في زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى كوريا الشمالية في يونيو، إلى إعادة بيونج يانج إلى فلك بكين وجعل العلاقات الثنائية أكثر استقرارًا وقابلية للإدارة.

لا تريد بكين أن تنهار كوريا الشمالية، إحدى الدول الشيوعية القليلة المتبقية في العالم، والتي تمثل نموذجًا محتملًا لكيفية إدارة الصين علاقاتها مع حلفائها بفاعلية. كما لا تريد التخلي عن هدف نزع السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية على المدى الطويل.

لكنها تدرك حاجتها إلى وسائل أفضل لتجنب المفاجآت التي قد تأتي من بيونج يانج، وتزعزع استقرار الصين أو تدفع اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة إلى توسيع وجودها العسكري في المنطقة.

تعمل بكين على إنشاء قنوات اتصال رفيعة المستوى ومنظمة تتيح لها الحصول على إنذارات مبكرة بشأن الاستفزازات المحتملة من كوريا الشمالية، والتدخل قبل تفاقم الأزمات، وتحسين قدرتها على توقع سلوك بيونج يانج.

كما تغير نهجها، فلم تعد تجعل نزع السلاح النووي شرطًا أساسيًا للتواصل مع بيونج يانج، لكنها تركز على الحد من المخاطر التي قد تؤدي إلى نشوب صراعات. ومع تزايد حالة عدم اليقين عالميًا، تأمل الصين أن يساعد تعزيز التواصل مع كوريا الشمالية وتنظيمه على تحقيق هدفها الأهم: الحفاظ على الهدوء في جوارها المباشر.

على الرغم من أن الصين وكوريا الشمالية تتشاركان حدودًا مشتركة، وكلتاهما دولتان شيوعيتان، شهدت علاقتهما تقلبات على مدى نحو ثمانية عقود منذ تأسيسهما.

قامت العلاقة بين البلدين طويلًا على الصداقة الدبلوماسية والذكريات الثورية المشتركة وشبكات العلاقات الشخصية بين القادة. تقاربت الدولتان خلال الحرب الكورية، لكن التوترات أدت في فترات أخرى إلى تباعدهما. بعد تولي كيم جونج أون قيادة كوريا الشمالية أواخر عام 2011، تدهورت العلاقات مع الصين بشدة بسبب خلافات حول سياسات بيونج يانج، من بينها سعي كيم إلى امتلاك أسلحة نووية واعتقال عمه وإعدامه.

بلغ استياء بكين من بيونج يانج ذروته عام 2017، عندما أجرت كوريا الشمالية تجربة نووية وعدة تجارب صاروخية أظهرت تقدمها في تكنولوجيا القنبلة الهيدروجينية وتسارع تطوير قدراتها النووية.

لم تتعارض تلك التجارب مع معارضة الصين المعلنة للبرنامج النووي لكوريا الشمالية فحسب، بل سببت أيضًا إحراجًا سياسيًا لبكين، إذ تزامنت مع استضافتها قمة قادة مجموعة البريكس.

صوتت الصين في ذلك العام لصالح خمسة قرارات في مجلس الأمن الدولي لفرض عقوبات مشددة على كوريا الشمالية وتشديد إجراءات المراقبة.

دفع قلق بكين من احتمال تصعيد الصراع بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة إلى دعوة رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية جوزيف دانفورد إلى الصين لمناقشة البرنامج النووي لكوريا الشمالية والأمن الإقليمي.

لكن موقف الصين تغير سريعًا عندما بدا التقارب بين واشنطن وبيونج يانج ممكنًا. ففي أوائل عام 2018، وبعد بدء دونالد ترامب وكيم جونج أون مناقشة عقد قمة، خشيت بكين من استبعادها من المباحثات حول كيفية إدارة التوترات في شبه الجزيرة الكورية.

وقبيل لقاء كيم وترامب في سنغافورة في يونيو من ذلك العام، أراد الزعيم الكوري الشمالي استشارة شي جين بينج بشأن خبرته في التعامل مع الرئيس الأمريكي، فسارعت بكين إلى دعوته لزيارة الصين.

زار كيم الصين في مارس، ثم مايو ويونيو من العام نفسه. ورد شي الزيارة بزيارة كوريا الشمالية في صيف 2019، لتنتعش التجارة عبر الحدود وتعود العلاقات الثنائية إلى سابق عهدها.

مع تفشي جائحة كوفيد-19 مطلع عام 2020، أغلقت كوريا الشمالية حدودها، وعلقت جميع خدمات قطارات الركاب والشحن والرحلات الجوية إلى الصين. وأدى الانقطاع المفاجئ لقنوات الاتصال الرئيسة إلى تدهور العلاقات الصينية الكورية الشمالية، حيث توقفت التجارة وانقطعت معظم الروابط الاقتصادية. وفي الوقت نفسه، تقاربت كوريا الشمالية مع روسيا، مما زاد من مخاوف الصين من أن تصبح معزولة.

لا تزال الصين اليوم شريكًا اقتصاديًا لا غنى عنه لكوريا الشمالية. فهي تستحوذ على أكثر من 70% من تجارتها الخارجية، وتوفر نحو 60% من غذائها و75% من سلعها الاستهلاكية. كما تزودها سنويًا بنحو 520 ألف طن من النفط، وما بين 500 ألف و800 ألف طن من الحبوب والأسمدة، ضمن حدود الإعفاءات التي تسمح بها الأمم المتحدة.

يمثل هذا الدعم عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على سبل عيش الكوريين الشماليين واستقرار حدود الصين الشمالية الشرقية. لكن روسيا زادت دعمها لكوريا الشمالية بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية.

فبعد توقيع معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين في يونيو 2024، قدمت موسكو لبيونج يانج ضمانات أمنية وتكنولوجيا عسكرية وإمدادات طاقة وأسواقًا للعمالة، وساعدتها على التحايل على العقوبات. في المقابل، أرسلت كوريا الشمالية ذخائر وجنودًا للقتال إلى جانب روسيا في حربها في أوكرانيا.

خفف توطيد العلاقات الروسية الكورية الشمالية بعض أعباء المساعدات الاقتصادية والضمانات الأمنية التي تتحملها الصين، لكنه منح بيونج يانج في الوقت نفسه قوة تفاوضية أكبر، وغير طبيعة علاقتها ببكين. فبعد أن كانت الصين الممول الوحيد لكوريا الشمالية، أصبحت الآن أكبر داعم من بين عدة جهات.

انتقلت استراتيجية بيونج يانج من الاعتماد على الصين لموازنة الضغوط الأمريكية إلى استراتيجية ثلاثية المحاور، تستخدم فيها الصين لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وروسيا لتعزيز أمنها، والضغط الأمريكي لتبرير برنامجها النووي.

من خلال تعزيز علاقاتها مع الصين وروسيا، مع الحفاظ على قدرتها النووية الرادعة للولايات المتحدة، تبدو كوريا الشمالية عازمة على محاكاة نمط المناورة الذي ساد بين الصين والاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة، بما يتيح لها تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب.

بالنسبة لبكين، يتمثل الخطر الأكبر لتوثيق التعاون بين كوريا الشمالية وروسيا في أنه يمنح اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة ذريعة لتسريع اندماجها الأمني. فإذا واصلت كوريا الشمالية وروسيا تعاونهما في المجال النووي، فقد تستخدم اليابان وكوريا الجنوبية التهديد الكوري الشمالي لتوثيق تحالفاتهما مع واشنطن، من خلال زيادة تبادل المعلومات الاستخباراتية والمناورات العسكرية المشتركة وتكامل أنظمة الأسلحة.

وقد يؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى تشكيل تحالف عسكري رادع ومنظم يستهدف كوريا الشمالية والصين، ويفرض عليهما ضغوطًا من جبهات عدة، ويزيد التوتر حول مناطق مثل مضيق تايوان.

تزيد المنافسة بين الصين والولايات المتحدة أيضًا احتمال تحول التوترات مع بيونج يانج إلى مواجهة مباشرة بين القوتين. تمثل شبه الجزيرة الكورية عنصرًا أساسيًا في استراتيجية واشنطن لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتحالفاتها، وجهودها للردع الإقليمي.

تحرص الصين على تجنب أي صراع عسكري غير ضروري مع الولايات المتحدة، لكن استفزازات كوريا الشمالية النووية والصاروخية المستمرة، وتعميق تعاونها العسكري مع روسيا، وتزايد عدم القدرة على التنبؤ بسلوكها، كلها عوامل قد تدفع بكين إلى الانجرار إلى أزمة. يعكس حرص الصين على تجنب عدم الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية رغبتها في الحفاظ على استقرار علاقاتها مع الولايات المتحدة، وتجنب أي تصعيد قد يقود إلى صراع مباشر.

لم يعد بإمكان الصين الاعتماد على المشاعر التاريخية والصداقات الشخصية بين القادة والتنسيق الدبلوماسي المؤقت للحفاظ على نفوذها في كوريا الشمالية، التي أصبحت أكثر تقلبًا وثقة وجرأة. تحتاج بكين إلى نهج أكثر استقرارًا لإدارة علاقتها ببيونج يانج، يقوم على تواصل منتظم ومتسق، ويتيح لها وضع شروط واضحة وقابلة للتنفيذ على المساعدات التي تقدمها.

بعبارة أخرى، تحتاج الصين إلى نهج مؤسسي يولي أهمية أكبر لآليات التعاون الرسمية وقنوات الاتصال.

تركز الصين على إنشاء مزيد من خطوط الطوارئ بين القادة، وتوسيع المشاورات الدبلوماسية والأمنية المنتظمة، وتحسين آليات الإبلاغ الرسمية عن الحوادث الحدودية وتجارب الصواريخ. وبدأت هذه الجهود بالفعل.

ففي الأشهر الأربعة الماضية، التقى وزير الخارجية الصيني ورئيس أعلى هيئة استشارية سياسية مع كيم جونج أون في بيونج يانج، كما زار رئيس وزراء كوريا الشمالية الصين والتقى بالرئيس شي جين بينج.

وتأمل بكين في إشراك كوريا الشمالية في منصات متعددة الأطراف، مثل مبادرة تومين الكبرى، وهي إطار للتعاون الاقتصادي بين حكومات شمال شرق آسيا، ومنظمة شنجهاي للتعاون، إلى جانب تطوير آليات حوار إقليمية بقيادة الصين تتيح لبيونج يانج المشاركة فيها.

لا تزال الصين ترفض امتلاك كوريا الشمالية أسلحة نووية، ولا ترى أن وضعها النووي يجب أن يمر من دون ثمن. لكنها تدرك بشكل متزايد أن نزع السلاح النووي فورًا، أو وضع خارطة طريق واضحة ومتدرجة لتحقيقه، أمر غير واقعي. فوجود كوريا الشمالية النووية ليس الوضع المثالي، لكن الضغط على بيونج يانج المتقلبة بطرق قد تؤدي إلى صراع مباشر سيكون أسوأ بكثير.

لذلك، أصبح منع الأزمات والحفاظ على الاستقرار من أهم أولويات الصين في شبه الجزيرة الكورية.

يمكن لبكين استغلال اعتماد كوريا الشمالية الاقتصادي عليها للضغط على بيونج يانج لضبط النفس، بما في ذلك تجنب الأعمال الاستفزازية التي قد تدفع اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة إلى توسيع انتشارها العسكري.

لا يمثل الدعم الاقتصادي مجرد ثمن تدفعه الصين للحفاظ على استقرار كوريا الشمالية، لكنه أداة عملية للتأثير على بيونج يانج ومنع تهميش بكين في المنطقة.

ويمكن للصين ربط المساعدات الإنسانية، وتوسيع التجارة الحدودية، وإمدادات الطاقة، وتطوير البنية التحتية باستعداد كوريا الشمالية للحد من تهديداتها العسكرية.

لن تستطيع الصين تحويل نفوذها الاقتصادي إلى نفوذ إقليمي فعلي إلا بربط زيادة التعاون بأدلة ملموسة على أن بيونج يانج تخفض مخاطر الصراع بشكل فعلي.

يمثل الاجتماع رفيع المستوى في بيونج يانج في يونيو الخطوة الأولى نحو تطبيق هذه الاستراتيجية. يتعين أن تقوم العلاقات الصينية الكورية الشمالية على منطق جديد: إذا أرادت كوريا الشمالية توسيع تعاونها مع بكين، فعليها تلبية مطالب الصين بشأن استقرار الحدود، والتواصل في الأزمات، وضبط النفس العسكري.

في المقابل، ستقدم الصين دعمًا اقتصاديًا أكبر، وتوسع التجارة والاستثمار، وتساعد في تطوير البنية التحتية، وتوفر دعمًا سياسيًا دوليًا؛ لأنها تريد كوريا شمالية مستقرة وقادرة على تحقيق نمو اقتصادي، لا تشكل تهديدًا أمنيًا لها، ولا تتحول إلى ورقة في صراع القوى العظمى.

مع تغير كوريا الشمالية، لم تعد الروابط التاريخية بين الحليفين كافية لضمان الاستقرار الإقليمي. تسعى بكين إلى تحويل نفوذها على بيونج يانج إلى أداة فعالة لإدارة الأزمات، من خلال توثيق العلاقات ووضع حدود واضحة.