بعد رحلة عمر طويلة، يتيقن الإنسان أن لديه حصيلة معرفة ودروسا تعلمها في مدرسة الحياة، وخرج بكم هائل من التجارب التي تجعله يستطيع أن يحكم على الأشياء ليس بـ"ظاهرها" ولكن من خلال خبرته وتشخيصه كطبيب متخصص في أمراض البشر وأفعالهم الذميمة.


في لحظة صفاء مع النفس، وقبل أن أسأل الآخرين من حولي، وجهت السؤال جوهريا إلى نفسي مفاده: "هل سامحت كل من آذاني"؟.


في الحقيقية حاولت قدر المستطاع أن أكون منصفا وعادلا وصادقا فيما أقوله، فوجدت بعد تفكير عميق أن الإجابة ترشدني نحو القول بـ"لا"، هذه الكلمة وأن خرجت من نفس عميق فهي بمثابة صفعة تلقيتها على صدري، أشعرتني بالذنب لأنني لم أكن كغيري من الناس يستطيع أن يسامح من أغلظ عليه الأحوال وجلب إليه التعاسة، هذا الفشل ليس استسلاما لفكرة انتقامية، لكن جاءت من فيض يعج بالشعور بالخذلان وعمق الجراح التي أصابت القلب.


في ذات الوقت، بحثت عن سر التمسك الدائم بدم مسامحة الأشرار، فوجدت أن ضيق الصدر، وشدة ألهم، أفشلا كل محاولاتي لنسيان الأذية والإساءة التي تلقيتها من الآخرين، فالألم النفسي في وقت الأذى جعلني لوقت طويل أخوض معارك خاسرة مع نفسي، أسئلة لم أجد لها إجوبة، وصراع لم أستطع الخروج منه سالم النفس، أو مرتاح الضمير، هادئ البال، لم أستطع أن ألقي كل خطايا الآخرين في نهر يجرفه بعيدا عن معقل تفكري وذكرياتي.


الشعور بالأذى لا يجعلك تسكين، فكلما وضعت رأسي على وسادتي، اشتعل فتيل نيران الانتقام في صدري، وغاب وعي الحكمة من عقلي، وأصبحت وحيدا في "ساحة حرب نفسية" لم تفلح محاولاتي الخروج من بين أنيابها، أو المرور على رفات القتلى الذين تساقطوا مع الزمن وكانوا سببا ذات يوم في حدوث الأذية لي.


ظلم الناس للناس.. ظلمات يوم القيامة، والأذية ليست مجرد فعل أو قول يأتي في ساعة غضب أو سهو أو بدون قصد، أحيانا تأتي الأذية مع سبق الإصرار والترصد، جريمة مكتملة الأركان، وقد تأتي من شخص حاقد أو ماكر أو أقل ما يقال عنه أنه عديم الأصل ناكر للمعروف وخائن للعشرة، ومن المثير في أمر الأذية أن مفعولها يتضاعف عندما تأتي من صديق أو عزيز أو شخص غير متوقع أن يكون حشرة ضارة !.


الأمان للآخرين ليس ضعفا أو قلة دراية بالحياة، لكن أحيانا تأتي الأذية في سياق غير السياق المتعارف عليه من بعض الناس، الأذية عندما تأتي من شخص متوقع تكون أقل حدة وأثرها في النفس أهون، لكن أن تأتي من شخص ائتمنته على كل شيء فخان العهد وأفقدك معنى الأمان، فهنا تكون المشكلة الكبرى.


فطر البعض على الخيانة، لكنهم يتخفون وسط عشرات أو مئات الناس الذين نقابلهم في حياتنا، لا نعرف حقيقتهم إلا عندما تتأذى نفوسنا منهم، بعضهم لا يشارك بقول أو فعل في الأذى لكنه يسكت عن قول الحق، رغم أنه يستطيع أن يكون لسان عدل لكن نفسه الأمارة بالسوء تدفعه لتجاهل المشهد وكأن الأمر لا يعنيه ولا يدرك أن الله تعالى يقول في سورة إبراهيم " وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ"..صدق الله العظيم