هل جربت يوماً أن تمسك هاتفك لتتفقد رسالة سريعة لن تستغرق أكثر من دقيقة، ثم تستيقظ فجأة من غيبوبتك الرقمية بعد ساعة كاملة أو أكثر لتجد نفسك تشاهد مقطعاً لا تعلم ما الهدف الأساسي منه ولا تعلم ما الذي استفدتَ منه بالضبط؟ هذا الموقف لم يعد حدثاً عارضاً في حياتنا اليومية، بل أصبح النمط السائد الذي يعيشه الملايين.

إن مقاطع الفيديو القصيرة أو ما يُعرف بـ"الريلز" لم تعد وسيلة تسلية حديثة، بل تحولت إلى مغناطيس زمن يلتهم ساعاتنا ويسلبنا إدراكنا للوقت دون أن نشعر.


وهم الثواني القليلة
إن الخطورة الحقيقية في هذه المقاطع المنتشرة لا تكمن في مضمونها ومحتواها، بل في قدرتها على التسلل إلى وعينا.

المشكلة الكبرى هنا تتلخص في تعطيل حاسة الشعور بالوقت بشكل كامل؛ فبينما يمر المقطع تلو الآخر، يعجز العقل عن تقدير الساعات المتسربة.

السبب ببساطة هو أن هذه التطبيقات ألغت من شاشاتها أي علامة توقف. في السابق كان الفيلم يسدل أستاره بتتر الخاتمة لتسكن الشاشة، والكتاب يبلغ ختامه فتضع حداً لقراءته.

أما اليوم فالشاشة المفتوحة والمقاطع المتواصلة لا تعطيك حتى ثانية لتستوعب ما تفعله، فيستمر إبهامك بالتمرير كأنك تمشي في طريقٍ بلا لوحاتٍ مرورية تذكركَ بالمسافة أو الوقت.

فالدماغ يُخدع بسهولة حين يتعامل مع مقطع مدته عشرون ثانية، فيصنفه على أنه شيء عابر لا يُذكر، لكن تكرار هذا الفعل لـ150 مرة متتالية يعني بوضوح تبديد ساعة كاملة من اليوم في اللاشيء.
الراحة الزائفة
ويرجع هذا الاستنزاف المستمر للوقت إلى دخول العقل في غيبوبة مؤقتة عن الإدراك والوعي. فالتنقل السريع والمستمر بين مقطع مضحك، وآخر حزين، وثالث يعرض معلومة سريعة، يُبقي الجهاز العصبي في حالة استثارة دائمة وملاحقة للمفاجأة القادمة.

وفي هذه الأثناء ينفصل الإنسان تماماً عن واقعه وعن إدراكه لمرور الساعات، ليجد نفسه ينتهي من جلسة الهاتف ليس مستمتعاً، بل مجهداً ذهنياً ومشحوناً بشعور عميق بالذنب نتيجة تأجيل مهامه واختلاس الوقت من حياته الحقيقية.


الترفيه أم الهرب؟
والأسوأ من ذلك، أن هذا النزيف الزمني لا يسرق أوقات إنجازنا فقط بل يقتحم حتى هوامش يومنا التي كنا نسترخي فيها. اللحظات التي كنا نقضيها سابقاً في التأمل، أو انتظار طابور، أو التحدث مع شخص قريب، سُرقت منا بالكامل، حتى وإن كان لهذه المقاطع بعض الفائدة، ولكنها غيرت في طريقة الحياة.

فقد أصبحنا نخشى مواجهة الفراغ لثوانٍ معدودة، ونسارع لردم أي ثغرة صمت بالشاشة، مما حرم أدمغتنا من فرصة تفريغ الضغوط اليومية، فأصبح الاسترخاء نفسه أمراً مُجهداً. بطبيعة الحال لا يمكننا إعفاء أنفسنا من المسؤولية وإلقاء اللوم على التكنولوجيا.

فالترفيه حق إنساني طبيعي ولكن عندما يتحول الترفيه من نشاطٍ واعٍ ومحدد إلى ملجأ تلقائي نلجأ إليه للهروب من الفراغ أو الضغوط، فإننا نكون قد تنازلنا عن سيادتنا على أعمارنا. إن الوقت ليس مجرد دقائق تتساقط من الساعة، بل هو المادة الخام لكل إنجاز، وعلاقة، وفكرة نعيشها في هذه الحياة.
خطوة نحو الاتزان
إن استعادة السيطرة على أوقاتنا لا تتطلب عزلة تامة عن العالم الرقمي بل تتطلب حضوراً ذهنياً يكسر نمط التصفح الآلي ويجعلنا نضع إشارات توقف داخلنا.

فنحن نحتاج أن نتوقف عن معاملة أنفسنا كمستهلكين سلبيين يقودهم الإدمان الرقمي السلبي، وأن ندرك أن تلك الثواني الصغيرة التي نستهين بها هي في مجموعها الفرق بين حياة نعيشها بوعي، وحياة نكون فيها مجرد مشاهدين. وفي المرة القادمة التي ترفع فيها إبهامك لتمرير المقطع القادم، اسأل نفسك بصدق: هل تستحق هذه الثواني القادمة أن تتنازل لأجلها عن ساعتك القادمة؟