الشيخ الرئيس لقب ذاع صيته واشتهر به العالم الموسوعي الطبيب الفيلسوف ابن سينا (ت: 427هـ: 1037م) لتبحره في العلوم والفلسفة، واقترن هذا اللقب عند العُمانيين بعالم من علمائها الأجلاء وهو الشيخ جاعِد بن خميس الخروصي (ت: 1237ه/ 1822م)، عاكسًا المكانة العلمية البارزة والفاعلة التي تبوأها في زمانه.

هذا وتُعد الألقاب مظهرا من المظاهر الحضارية المهمة التي تكشف جوانب مختلفة للأفراد والمجتمعات، كما أنها توضح مكانة الشخص من خلال الألقاب والكنى التي أطلقت عليه، أو التي استخدمها في ممارساته المختلفة.
ولد الشيخ جاعِد بن خميس الخروصي في عام 1147هـ/ 1734م، في بلدة العليا بولاية العوابي.

وتبوأ مكانة علمية مهمة، وكان من الشخصيات المؤثرة والفاعلة في مجتمعه ووطنه، وهذا يتجلى من خلال الآثار الكثيرة التي تركها، ففي الجانب العلمي تؤكد كثرة مؤلفاته على غزارة إنتاجه العلمي في عدة مجالات، بالإضافة إلى تأسيسه وبنائه بعض المرافق كالمكتبة التي حملت اسمه، وحصن العوابي، وبيت الرأس، والتي توضح المقدرة الاقتصادية والمكانة الاجتماعية التي حازها الشيخ جاعد.

وقد أشاد الكثير من الكتّاب والمؤرخين بمناقبه وسيرته الحافلة بالعطاء والإنتاج الفكري، ومن بين هؤلاء المؤرخين العلاّمة نور الدين السالمي الذي قال عنه: "إن أبا نبهان كان المتقدم على أهل زمانه بالعلم والفضل والشرف، واتخذه الناس قدوة في مراشد دينهم، ومصالح دنياهم، وقلّده الأفاضل أمرهم لما علموا من علمه وورعه".

ويصف المؤرخ ابن رزيق العلم الذي صار للشيخ جاعِد بقوله: "وقد ذكرت بعض ما صار إليه من العلم في الكتاب الذي سميته الصحيفة اليمانية القحطانية، إذ كل ما صار إليه من العلم الفائض على العالم لو شرحه شارح لطالت عليه في شرحه الأيام، وكلّت محابره وقراطيسه والأقلام".


وانعكاسًا لهذه المكانة التي تبوأها الشيخ جاعد اقترن اسمه بالكثير من الألقاب، فهناك ألقاب قدَمه بها نُسَّاخ مخطوطاته، كألقاب: الفقيه العالم العلاَّمة الرباني، والرباني هو أحد المصطلحات الإسلامية القرآنية التي قلَّ استخدامها في العصر الحديث، يعني العالم العامل المعلم المتمسك بدين الله وطاعته، البصير في سياسة الناس. كما عُرف بــــالحِبْر الفهَّامة القُطب، المجتهد، الجهبذة البحر، تعبيرًا عن غزارة علمه وإنتاجه.

وجاء في إحدى المخطوطات لقب (سراج المذهب الحقيقي)، ومن خلاله يظهر الدور الكبير الذي قام به الشيخ جاعد في دراسة وتدريس مبادئ المذهب الإباضي.

ومن بين أهم الألقاب التي أطلقت على الشيخ جاعد لقب (الإمام) ومن خلال هذا اللقب يمكن استشفاف الدور الكبير الذي اضطلع به الشيخ جاعد في حفظ وتفعيل مبادئ المذهب الإباضي، وقد استخدم هذا اللقب كاسم للحاكم الذي يرعى شؤون المسلمين، فهو بذلك يرمز إلى سلطة الإشراف على جميع مرافق الدولة الإسلامية سواء أكانت دينية أو مدنية، فلقب إمام تغلب عليه الصبغة الدينية العلمية، حيث عرفت شخصيات دينية بهذا اللقب، فتاريخيا يذكر الإمام جابر بن زيد، والإمام أبو عبيدة بن أبي كريمة، والإمام عبد الله بن أباض والإمام أبو سعيد الكدمي، والإمام نور الدين السالمي، وهي شخصيات دينية إباضية.


كما اقترنت باسم الشيخ جاعد كنية: "المحبوبي" التي توضح تمسك الشيخ جاعد بمبادئ ونهج المؤسسين الأوائل للمذهب الإباضي، فالمحبوبي نسبة إلى العالم محمد بن محبوب بن الرحيل بن سيف بن هبيرة القرشي المخزومي. ويكنى بـ"أبي عبد الله"، وتحتل آراؤه مكانة رفيعة في التراث الإباضي مشرقًا ومغربًا.

وتوجد كُنى أخرى اشتهر بها الشيخ جاعد، فكان يُكنى بأبي نبهان، حيث إن نبهان هو أكبر أبنائه، ونلاحظ اعتزاز أبناء الشيخ جاعد بنسبهم المتصل بالإمام الصلت بن مالك الخروصي، وبمسقط رأسهم قرية العليا، حيث قدَّمه ابنه الشيخ ناصر بقوله: "أبو نبهان جاعِد بن خميس بن مبارك بن يحيي بن عبد الله بن ناصر بن محمد بن حيان بن زيد بن منصور وقيل إن منصور بن ورد بن الإمام العامل العادل الخليل بن شاذان بن الإمام الصلت بن مالك الخليلي الخروصي اليحمدي الغساني الأزدي القحطاني اليمني العربي نسبًا والعلياني العُماني مسكنًا والإباضي المحبوبي مذهبًا".


هذا وتُظهِر بعض الألقاب أبعادًا شخصية للشيخ جاعِد، فمن خلال وثيقة إقرار بيع أملاك الشيخ جاعد بن خميس الخروصي في جبل بني ريام المؤرخة في سنة 1202هـ/ 1788م، والمكتوبة بيده، توضح تلك الوثيقة عن تواضعه الجم، حيث ذيَّل تلك الوثيقة بتوقيعه: الفقير إلى الله جاعد بن خميس الخروصي، ومن الملاحظ أن كل ما كتبه الشيخ جاعد بيده كان يختمه بالعبد الفقير جاعد بن خميس الخروصي.

ومن الآثار المهمة للشيخ جاعد رسالة حمل عنوانها ثلاثة ألقاب، وهي: (رسالة السيد العلامة الرئيس جاعد بن خميس الخروصي إلى السيد الأمير محمد بن الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي).

حققها الشيخ مهنا بن خلفان الخروصي، وفي مقدمة تحقيقه قال: "... وقد وجهت هذه الرسالة الودية والنصيحة الجلية، من مخلص تقي، ومرشد نقي، محررها شيخنا العلامة الرباني المحقق أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي، إلى محبه وصديقه السيد الأمير الممجد، الفاضل العارف المسدد، محمد بن الإمام أحمد آلبوسعيدي، تغمدهم الله برحمته وأسكنهم فسيح جنته". كما أن التوقيع الذي أرفقه الشيخ جاعد في رسالته للأمير محمد بن الإمام أحمد بن سعيد، وسمه بـ"الوالد الفقير الذليل، لمالكه العزيز الغني، القدير الجليل القوي، أبي نبهان جاعد بن خميس بن مبارك الخروصي".


توفي الشيخ الرئيس جاعد بن خميس في 3 ذي الحجة 1237هـ/ 20 أغسطس 1822م عن عمر ناهز التسعين عامًا، ودفن في مسقط رأسه في بلدة العليا ومازال حاضرًا حيًّا من خلال آثاره العلمية. ويمكن القول إنه وعلى الرغم من غزارة وتنوع الألقاب التي عرف بها الشيخ جاعِد، يبقى اللقب الأشهر الذي أُطلق عليه وذاع صيته به هو لقب الشيخ الرئيس، وهذا اللقب يختزل المكانة التي تبوأها الشيخ جاعِد في مختلف المجالات.

ونختم مقالنا بتواضع الشيخ الرئيس ممثلًا في رده على أستاذه الشيخ سعيد بن أحمد الكندي عندما أثنى الأخير عليه ذات مرة، إذ قال: "أحسنت فإني دونك في العلم والفهم"، فما كان من الشيخ الرئيس إلا أن قال له: "إنك في العلم أنت المنتهي، وأنا المبتدي، وشتان بينهما".