لو كنت أؤلف كتابا عن الحرب الأمريكية مع إيران، فإنني أعرف بالضبط ما سيكون عنوانا له. سيكون منشور الرئيس ترامب الموجه إلى قادة إيران عبر مواقع التواصل الاجتماعي في الخامس من أبريل 2026: «افتحوا المضيق الـ... سباب، أيها الأوغاد المجانين، وإلا ستعيشون في الجحيم، وسوف ترون».
كثيرا ما تكشف لنا بوتقة الحروب تغيرات الفيزياء في العالم المحيط بنا، فتبين من يملك القوة، ومن لا يملكها، وكيف يجري استعمالها. وليس أفضل تعبيرا عن معادلة القوة الجديدة الناجمة عن هذه الحرب من صخب ترامب الفاحش الجامح الموجه إلى القيادة الإيرانية لعدم انصياعها لقنابله.
هذه الفيزياء الحربية الجديدة حاضرة بالمثل في الصراعات الجارية بين أوكرانيا وروسيا، وبين حزب الله وإسرائيل، وبين حماس وإسرائيل، وبين الحوثيين والجميع. وإنني أوجز هذه الدينامية الجديدة في أن الصغار قد يسلكون مسلك الكبار، وبدقة بالغة، وبثمن زهيد. وفي حين أن بوسع الكبار تماما أن يسلكوا مسلك الصغار، وبغاية الدقة، فإن فعلهم هذا يكبدهم الكثير، بسبب حملهم عبء إرث أنظمة الأسلحة الهائل.
ويبدو أن فارق التفوق في اللحظة الراهنة يقع في جانب الصغار. ويجدر بهذا أن يبعث القلق في أنفسكم حينما تفكرون في أن الثورة الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي سوف تؤكد هذه النزعة بلا شك، فتزيد الصغار قدرة على أعمال الكبار والضخام، بثمن يزداد تضاؤلا.
وليس بعجيب أن يكون ترامب محبطا. ففي نهاية المطاف، أعلن ترامب في الحادي عشر من مارس، بعد أقل من أسبوعين على بدئه مع إسرائيل هذه الجولة الحديثة من الحرب مع إيران بحملة قصف واسعة النطاق: «لقد انتصرنا. دعوني أقولها لكم: لقد انتصرنا. وتعلمون أنه ليس من المفضل أن يعلن النصر قبل الأوان، لكننا انتصرنا. وفي ساعتها الأولى انتهت هذه الحرب. وانتصرنا».
وكان محقا في أمر واحد، هو أنه لا يجب أن يعلن أحد انتصاره قبل الأوان.
لم يدرك ترامب أن للحكومة الإيرانية أيضا قولا في تحديد الانتصار والهزيمة في هذه الحرب. وأهم من ذلك، وخلافا لترامب، كانت لدى طهران خطة بديلة للصباح التالي: استعمال القدرة المكتسبة حديثا لسلوك مسلك الكبار، بدقة، وبتكلفة زهيدة، بالاستيلاء على السيطرة على مضيق هرمز، برغم أن جيشها لا يمثل إلا نقطة في بحر جيش أمريكا وبرغم تعرضه لأضرار جسام.
ليتني كنت أقدر على أن أفرح برؤية رئيسنا المتغطرس النرجسي الثرثار وقد أذله الواقع. لكنني بصدق لا أستطيع، لأن الأمر ينحو منحى مخيفا. ويمضي إلى أن يتدهور. فقد ألحق الإيرانيون أذى كبيرا بأمريكا، في الميدان الحربي وفي الاقتصاد، فبلغ حجما أخفاه عنا بيت هيجسث وزير دفاع ترامب.
إيران خاضعة لعقوبات اقتصادية، متقطعة، منذ عام 1970. ومع ذلك تمكنت من إنشاء ترسانة متطورة لكنها رخيصة نسبيا من الصواريخ والمسيرات التي مكنتها من محاربة كل من إسرائيل والولايات المتحدة حربا توشك أن تصل إلى التعادل، وتلحق في ثنايا ذلك بعض الضرر غير الهين بأصول للجيش الأمريكي في المنطقة. وتأملوا بضعة أخبار لعلكم لم تنتبهوا إليها.
السبب الذي يجعل حاملة الطائرات الأمريكية الأساسية في الخليج العربي، وهي (يو إس إس أبراهام لينكولن) تعاني في بعض الأحيان من نقص الإمدادات اللازمة لقوة من 5700 فرد على متنها هي أنه حدث بعد اليوم الأول للحرب أن دمرت الصواريخ والمسيرات الإيرانية أغلب قاعدة الإمدادات الأمريكية في البحرين. إذ ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أنه «مع ارتفاع الدخان، احترق أيضا مركز لوجستي اعتمدت عليه البحرية الأمريكية طوال عقود». فأرغم هذا ترامب ووزيره الأشد غرورا هيجسيث على زيادة الاعتماد على قاعدة تابعة للقيادة البريطانية في جزيرة دييجو جارسيا مركزا للإمدادات، وهي تقع على بعد نحو 2700 ميل من البحرين. فكيف تسنى أن تكون قاعدة البحرين قليلة الحماية بهذه الطريقة من الصواريخ الإيرانية في اليوم الأول من الحرب؟ إن لم يكن هذا كافيا لاستدعاء الكونجرس لهيجسيث، فما الذي يكفي؟
وربما فاتكم تعليق جريدة (Defence Security Asia) [أي: أمن الدفاع في آسيا] على تقرير لشبكة (سي إن إن) بأن صاروخا إيرانيا في الأيام الأولى من مارس قد دمر وحدة رادار تكلفتها خمسمائة مليون دولار وهي شديدة الأهمية لتسيير صواريخ ثاد الدفاعية المتقدمة في قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن. وكانت الهجمة بمنزلة «لحظة تحول محتملة» في «التنافس الاستراتيجي» بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل بحسب ما قالت الجريدة.
وقال لي مسؤول أردني رفيع المستوى إنه ذهل حينما علم أن الإيرانيين تمكنوا بطريقة ما من إرسال صاروخهم إلى نظام رادار ثاد بأن ناوروا به ـ خلال تحليقه ـ للقيام بهجمة جانبية على الرادار فيجتنب الرصد والاعتراض. وهذا كله في مواجهة أشد أنظمة مضادات الصواريخ تطورا في الترسانة الأمريكية.
أوضح لي جون أركيلا الأستاذ الفخري للتحليل الدفاعي في مدرسة الدراسات العليا البحرية الأمريكية أن حرب الصواريخ لم تعد محض إطلاق رأس حربي في مسار متوقع ثم ترك أمر وصوله إلى الهدف للقصور الذاتي والإرشاد الذكي من نظام تحديد المواقع (GPS). فقد ضخ الروس موارد هائلة في إقامة صواريخ قابلة للمناورة في أثناء التحليق، بقيادة من معلومات آنية جيدة، وبسرعة تتجاوز سرعة الصوت، وبإمكانية الوصول إلى الهدف من زاوية لم تتوقعها الأنظمة الدفاعية. ويقال إن صواريخ فتح الإيرانية لديها هذه القدرات، برغم أنه ليس من الواضح بعد إن كانت هي أم المسيرات التي قضت على منظومة ثاد الواقعة على بعد خمسمائة ميل من إيران.
قال أركيلا ـ وهو مؤلف كتاب حديث الصدور بعنوان (أسلوب أمريكا المضطرب في الحرب: من هيروشيما إلى عصر الخوارزميات) ـ إن «هذا يجعل الصواريخ سلاحا بارزا في القرن الحادي والعشرين، بقدرة على تدمير الردع والثبات» في أنواع كثيرة من مختلف المعارك.
والصين تنشر صواريخ (دي إف 17) فائقة السرعة القادرة على المناورة منذ سنين عديدة في مناوراتها بالذخيرة الحية في المياه الصينية قرب تايوان.
في الثالث من مارس، ضربت مسيرتان هجوميتان أحاديتا الاتجاه مجمع السفارة الأمريكية في العاصمة السعودية الرياض، وذلك في قرابة الواحدة والنصف صباحا. طارت المسيرة الأولى مباشرة إلى الطابق الذي تقع فيه المخابرات المركزية الأمريكية، والطائرة الثانية مضت مباشرة إلى الفتحة التي أحدثتها الطائرة الأولى فتسببت في انفجار هائل ونيران ظلت تضطرم لساعات. وأشارت تقارير تالية إلى أن هذه الهجمة ربما صادفت عونا من معلومات أقمار صناعية روسية قدمها فلاديمير بوتين. والظاهر أن ترامب لم يفعل شيئا حيال ذلك.
أشار أركيلا إلى أن النصر في الحروب ظل طوال أجيال «يحققه القوة والطاقة». وكانت الحروب تتبع مبدأ بسيطا من مبادئ الفيزياء هو أنه كلما ابتعد رميك قلت دقته. فكان لا بد من التغلب على المسافة بـ«القوة والطاقة». وليس هذا حالنا اليوم فـ«النصر في الحروب الآن» كما قال أركيلا «تحققه المعلومات».
وحتى أصغر الناس الآن لديهم المعلومات. وحسبكم النظر إلى حزب الله وكيف ألحق أضرارا كبيرة بمجتمعات إسرائيلية وبالجيش الإسرائيلي بما لديه من منصات عسكرية ضخمة أمريكية الصنع، وكيف أوجعت أوكرانيا روسيا الشنيعة الضخمة، وكيف تحارب إيران الولايات المتحدة وإسرائيل فتصل بالحرب إلى نقطة الجمود، حتى تروا كيف أن أسلحة دقيقة رخيصة قابلة للتصنيع في ورشة بمكونات متاحة على أمازون قد مزقت الرابط القديم بين النطاق والدقة.
أضاف أركيلا أن أوكرانيا «أصبحت قوة بحرية بدون أن تكون لديها قوة بحرية تقليدية. فقد استعملت زوارق مسيرة وزلاجات مائية مسلحة» في إبعاد أسطول البحر الأسود الروسي التقليدي عن الساحل الأوكراني فاستطاعت الاستمرار في تصدير الغلال والأسمدة إلى أسواق العالم.
تتيح هذه التقنيات الجديدة لـ«الكثر والصغار» من الإيرانيين والحوثيين وحزب الله وحماس أن «يتفادوا الضربات الثقيلة من خصومهم، لأنهم مختبئون جيدا وقادرون على رد الضربات بضربات دقيقة من جانبهم» على حد قول أركيلا. في حين أن الجيش الأمريكي لديه فقط إحدى عشرة فرقة عسكرية ضخمة وإحدى عشرة مجموعة حاملات طائرات.
وقد خلص أركيلا إلى أن المدافعين الآن «يحظون بتفوق واضح على المهاجمين». وظل ترامب وهيجسث يركزان على «تصعيد الحرب» بتسريع الإيقاع وزيادة الحمولة، بينما ركز الإيرانيون على «توسيع الحرب» بإخفاء وحدات صغيرة ذات صواريخ دقيقة في مزيد من الأماكن ومهاجمة قواعد الولايات المتحدة والمنشآت النفطية العربية في شتى أرجاء الخليج.
قال أركيلا إن مهمة الإيرانيين «هي البقاء لوقت كافٍ للضرب والارتداد. وعلى الأرض، تقل أهمية بضعة تشكيلات ضخمة من دبابات (أبرام) عن الكثير من الأسلحة الصغيرة الرخيصة التي يمكن تصنيعها وتعديلها في غضون أسبوع».
هذه الأسلحة الجديدة تعزز ميزة أخرى للصغار على الكبار، هي أنهم ليسوا مرغمين على الانتصار. كل ما عليهم هو أن يجتنبوا الهزيمة.
أما نحن فعلينا أن ننتصر، وأن ننهي الحرب، وأن نرجع إلى الوطن ولا ننظر وراءنا مرة أخرى. فليحالفكم الحظ في هذا.
قبل أن يغتر الإيرانيون وحزب الله أكثر مما ينبغي، يجب أن يتذكروا النصف الثاني من المعادلة: في حين أن الصغار قادرون الآن على أن يسلكوا مسلك الكبار، بوسع الكبار الآن أن يسلكوا أيضا مسلك الصغار. ففي اليوم الأول من الحرب، قتلت الضربات الإسرائيلية الجوية بالأسلحة الدقيقة ـ وبمساعدة من المخابرات الأمريكية ـ أكثر من أربعين من كبار القادة الإيرانيين المجتمعين في اجتماع للقيادة الرفيعة في مجمع واحد في طهران. أي أن إسرائيل بالمعلومات الدقيقة أتت على أغلب نخبة الأمن الوطني في إيران بضربة واحدة.
وهناك أيضا هجمة البيجر الإسرائيلية على حزب الله. ففي السابع عشر من سبتمبر، فجرت إسرائيل أجهزة البيجر وأدوات إلكترونية يدوية أخرى يستعملها أعضاء حزب الله ومقاتلوه وضباطه وأطقمه الطبية والمدنيون الداعمون، فقتلت العشرات منهم وأصابت أكثر من ثلاثة آلاف آخرين.
ويقال إن ما يقدر بألف وخمسمائة من مقاتلي حزب الله باتوا عاجزين عن العمل بسبب الإصابات التي أثرت في الغالب على أيديهم ووجوههم وأفخاذهم. فباستعمال كميات صغيرة نسبيا من المتفجرات وكميات ضخمة من المعلومات، قتلت إسرائيل وأصابت عددا كبيرا من مقاتلي حزب الله في ساعات قلائل.
وقد كانت هجمة ستوكسنت الأمريكية الإسرائيلية على منشأة ناتانز الإيرانية لتخصيب اليورانيوم التي بدأت في عام 2009 نسخة أخرى من هذه الهجمة. فبدلا من قصف المنشأة، أدخلت الولايات المتحدة وإسرائيل دودة حاسوبية صغيرة، هي بضعة أسطر من الأكواد ـ لتعطيل عدد ضخم من أجهزة الطرد المركزية الإيرانية، برغم تعويض تلك الأجهزة بسرعة وبرغم أن التعطيل كان في حده الأدنى (ولم تعترف الولايات المتحدة وإسرائيل قط بالمسؤولية عن ذلك الفيروس). كذلك كان الكبار في سلوكهم مسلك الصغار، باستعمال محض برنامج خبيث، لكن لا شك أن وضع الأكواد والعملية المشتركة كلها كلفت الكثير من المال.
الأمر المنذر بحق اليوم هو مدى سهولة أن يسلك الصغار مسلك الكبار، ولا أعني بالصغار صغار الحجم فقط، وإنما صغار العمر أيضا. فبوسع مراهق وكمبيوتر محمول، واتصال بالإنترنت، ونموذج ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر، أن يعطل شبكة المياه أو الطاقة المحلية من خلال تحديد ثغرات برمجية قديمة واستغلالها.
فلا تندهشوا إن حدث عما قريب أن سمعتم حاكم مدينتكم يصرخ على غرار ترامب: «افتحوا محابس المياه أيها المجانين الـ...».