ولم يعبأ بطروحاتهم، ورأى أن المسرح صورة، ورؤية، وتحفيز للفكر، وابتكار، وأسئلة تتمخّض عن أسئلة، ومنهج مغاير، فلم ينظر للنص بقدسية تملي عليه القيام بتنفيذه، ووفق هذا المنهج، قدّم مسرحياته التي جاءت مزيجا من صور متراكمة، ورؤى شعرية، فكسر المألوف، وقد نظّر لهذا المنهج في كتب عديدة، من بينها كتابه (مسرح الصورة.. بين النظرية والتطبيق) الصادر عن المجلس الثقافي للآداب والفنون القطري عام 2003م، وطبّق رؤاه في الأعمال التي قدّمها على مسارح بغداد وفضاء كلية الفنون الجميلة (العاصفة، الخليقة البابلية، طائر البحر، الملك لير، أحزان مهرج السيرك، الحلم الضوئي (بالاشتراك مع الدكتور شفيق المهدي)، العاصفة، عزلة في الكريستال، الشقيقات الثلاث، الخال فانيا، حفلة الماس،
و(ماكبث في بحيرة الدم) الذي جرى تقديمه بأحد أكبر فنادق العاصمة القطرية الدوحة عام 2002م خلال عمله خبيرا في المجلس الثقافي للآداب والفنون القطري، وفيه أدّت الفنانة فخرية خميس دور الليدي ماكبث، وخرج به من العلبة الإيطاليّة ليقدّمه في الهواء الطلق، وقد حضرت العرض ورأيته كيف جعل من حوض النافورة مسرحا مجلّلا بإنارة حمراء في دلالة على الدم، وعذاب الضمير، وشعور القتلة بالذنب، بعد قتل الملك (دنكان) خلال نومه، ومطاردة بقعة الدم لهم، التي اتّسعت لتملأ المكان، وبذلك قام بتجسيد الهلوسة بصريا، ليرى الجمهور حجم الجريمة، وكان الممثلون يؤدون أدوارهم بملابس السباحة، ويعومون في الحوض.
والفنون التي هي الارتكاز في تكوين هندسة جينية جديدة لفن وثقافة العصر»، مضيفا: «إن تحليل المركّبات اشتغل على تحرير الدراسات الفنية والأدبية من حركات الاستدارة إلى طروحات المطلق الرياضي وعلوم الفيزياء وأرقام الجبر والرياضيات، وهذا ما أكّده (نيتشه) في كتابه (العود الأبدي)؛ حيث حذّر الثقافة والفنون من الموج الاستداري والتكرار والعودة إلى الصفر والانطلاق»، فالزمن حركة دائرية متموّجة تعيد إنتاج الأحداث، وتضمّن الكتاب تسع محاضرات حملت العناوين: تكنولوجيا المسرح، اشتغالات نظرية الكم في فن المسرح، إنشائية المكان، الفراغ في نظرية الكم المسرحية، نقطة الداخل ونقطة الخارج، المغايرة في التغيير، التجريب، المكان نقطة الانطلاق، الخلاصة، فالإخراج المسرحي بالنسبة إليه أشبه بكتابة نص شعري وفلسفي قائم على معادلات علمية مدروسة، وقد وصفه د. خزعل الماجدي بأنّه «ظاهرة وعاصفة من القوة الإبداعية، وطاقة تظل تنفجر وتتوقد لا تحدّها حدودٌ، بل يتناسل بيدرها دون توقّف، لم يكن يألف المسرح العاديّ المكرّر ولا الإخراج التقليدي، كانت إضافاته انتباهات نادرة وجديدة سيظل صداها يتردد لعقودٍ طويلة».
الصراع بين المحدد وغير المحدد، بين الجوهر والظل، الساعات تدقُّ، وهذه هي دقّة حزن العالم. الظلال تتغيّب ورنينها يتناءى. إنه يغيب ويتلاشى، ومع هذا المزيد من القلق يجيء أيضا شوق محموم رهيب لأنه مقلق وعسير الفهم»، وإذا كان قد خاطب في ختام مرثيته لصديقه الراحل شفيق المهدي، التي جاءت على شكل (23) رسالة، «رحيلك يا شفيق صمت مليء بالأجراس»، فرحيل القصب أفول شمس حقبة مسرحية، وانكسار إطار الصورة.