صدر كتاب "بنية الحكي وتحولاته في سرديات سعيد بن محمد السيابي" للباحث العراقي الدكتور سعد التميمي عن دار "الآن ناشرون وموزعون" في الأردن، وقال الدكتور سعد التميمي لـ"عمان": أن القراءة انطلقت من البحث عن الخيط الناظم الذي يصل بين تجارب سعيد بن محمد السيابي السردية، وليس مجرد قراءة نصوص تنتمي إلى أجناس أدبية مختلفة؛ إذ تبدو القصة القصيرة جدا، والقصة، والرواية مراحل متصلة في تجربته، وأشكالا متحولة لمشروع حكائي واحد، تتغير فيه أدوات السرد وتقنياته، فيما تظل صلته بالواقع والذاكرة والتراث العُماني حاضرة في مستويات مختلفة.
وانطلق الكتاب من سؤال أساسي: كيف تتشكل الحكاية عند السيابي، وكيف تتحول آلياتها حين تنتقل من جنس سردي إلى آخر؟ فالحكي، في تصوري، ليس مجرد نقل للأحداث، وإنما طريقة في بناء العالم وتنظيم التجربة وإنتاج المعنى. ومن هنا جاء تقسيم الكتاب إلى ثلاثة فصول، ينتقل كل منها إلى مستوى مختلف من مستويات تشكل الحكاية.
في الفصل الأول، توقف الكاتب عند القصة القصيرة جدا، من خلال دراسة المفارقة بوصفها بنية مولدة للدلالة.
وقد وجد أن المفارقة عند السيابي ليست مجرد أداة بلاغية لإحداث المفاجأة، وإنما هي جزء من البناء العميق للحكاية، تمتد من العنوان والاستهلال إلى الحدث والخاتمة، وتعمل على كسر توقع القارئ ودفعه إلى إعادة النظر في المعنى.
وإن قراء نماذج الدكتور سعيد السيابي من المجموعات القصصية (غيف أسود، أحلام الإشارة الضوئية، المبراة والقلم، مشا..كيك، من الحب) كشفت عن قدرة هذا الجنس القصير على اختزال موقف إنساني أو اجتماعي كامل في ومضة سردية، وتحويل المفارقة إلى وسيلة لمساءلة الواقع بعيدا عن المباشرة.
أما الفصل الثاني، فقد خصصه الكاتب للمجموعة القصصية (اثنتا عشرة نجمة)، محاولا الوقوف عند الكيفية التي تتشكل بها الحكاية حين تتسع مساحتها، وتتعدد مستوياتها، وتتداخل فيها الحكاية بالتأمل والصورة الشعرية.
ولم يكن هدفي قراءة القصص منفردة فحسب، وإنما الكشف عن العلاقات التي تجعل المجموعة ذات وحدة داخلية تتجاوز وحدة الموضوع، ولذلك توقفت عند نماذج مثل: (قناع التحديث، حضور الظل، طفلان من صلصال، متلازمة الشبكة، إدراك مُر، مراوح العزا، استفتاء الوجع)، وهي نصوص تكشف -كل بطريقتها- عن قدرة السيابي على تحويل التفاصيل اليومية إلى أسئلة أوسع، وعلى منح الأشياء والمواقف العادية طاقة رمزية وتأويلية تتجاوز ظاهرها الحكائي، فالسيابي لا يكتفي برواية الحدث، وإنما يجعل اللغة شريكا في تشكيله، من خلال التكثيف والإيحاء والتشخيص والصورة، بحيث لا تنغلق القصة على معنى واحد، وإنما تترك للقارئ مساحة للمشاركة في إنتاج دلالتها.
وفي الفصل الثالث، انتقل الدكتور التميمي إلى الرواية؛ حيث تتسع بنية الحكي وتتعدد مستوياتها، وتقف عند روايات (جبرين وشاء الهوى) و(الصيرة.. تحكي) و(جسور متداعية) متتبعا انتقال السرد من استثمار التراث والذاكرة والمكان العُماني إلى مستويات أكثر تعقيدا من الوعي بفعل السرد ذاته.
فالتراث هنا لا يعود مادة جاهزة للاستعادة، وإنما يعاد تشكيله داخل بنية روائية حديثة، قبل أن يبدأ السرد في مساءلة آلياته والالتفات إلى فعل الكتابة نفسها.
ويرى التميمي أن تجربة السيابي تتحرك في مسار واضح، من تكثيف الحكاية إلى توسيعها، ومن رواية العالم إلى مساءلة فعل روايته، فالقصة القصيرة جدا تختزل الحكاية في ومضة، والقصة تفتحها على تعدد الدلالات، بينما تمنح الرواية الحكاية فضاء أوسع لتتأمل ذاتها وأدواتها، ولذلك لا أزعم أن الكتاب أحاط بكل جوانب تجربة سعيد بن محمد السيابي، وإنما قدم قراءة في مسار من مساراتها، انطلاقا من الإيمان بأن السرد العُماني المعاصر يحتاج إلى مزيد من القراءات التي تكشف خصوصيته، وتضعه في الوقت نفسه ضمن حركة السرد العربي وتحولاته.
مما يجعل كتاب (بنية الحكي وتحولاته) ليس كتابا عن ثلاثة أنواع سردية فحسب، بل هو محاولة لتتبع الحكاية وهي تتغير: كيف تبدأ ومضة، ثم تغدو حكاية، ثم تنفتح على وعيها بذاتها؟ وربما هنا تكمن الرحلة التي حاولت تتبعها في تجربة السيابي: من ذاكرة الحكاية إلى وعي السرد، ومن الحكي بوصفه فعلا في العالم إلى الحكي بوصفه فعلا يعيد كتابة العالم.