كتب ـ عبدالعزيز العبري
يكتسب الاستمطار الاصطناعي أهمية متزايدة ضمن الجهود الرامية إلى تنويع أدوات إدارة الموارد المائية في سلطنة عُمان، في ظل التباين في كميات الأمطار ومحدودية الموارد المائية المتجددة، ما يجعل قياس فاعلية هذه التقنية وآثارها المائية والبيئية محورًا مهمًّا للدراسة والمتابعة.
وأثبتت تقنية الاستمطار في سلطنة عمان نجاحها في تعزيز متوسط الهطول المطري بنسبة 13.6 % عبر 14 محطة موزعة على المناطق الجبلية، وتعتمد التجربة العُمانية في الاستمطار الاصطناعي على تقنية التأين لتحفيز الهطول من السحب المؤهلة، دون استخدام مواد كيميائية ضارة، مستندة إلى تجربة ميدانية تمتد لأكثر من عقد، إلى جانب شبكة من محطات القياس والرصد، إلى جانب التحليل الإحصائي للبيانات المناخية والمطرية.

**media[3486520]**


وفي السياق قال المهندس خالد بن سالم الهوتي مدير مركز الاستمطار الاصطناعي بوزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه في حديث لـ"عمان": إن تحليل بيانات الاستمطار خلال الفترة من عام 2013م إلى عام 2022م، الذي أُجري بالتعاون مع أحد المعاهد المتخصصة، أثبت نجاح مشروع الاستمطار الاصطناعي في سلطنة عُمان، بزيادة متوسط الهطول المطري بنسبة 13.6 % .
وأوضح أن التحليل اعتمد على بيانات جُمعت من محطات قياس كميات الأمطار التابعة للوزارة، إلى جانب بيانات محطات الطقس وبالون الطقس التابعة للمديرية العامة للأرصاد الجوية، مما أتاح تقييم أثر البرنامج استنادًا إلى بيانات رصد متعددة وممتدة لسنوات.
وبيّن أن قياس نسبة الزيادة في الهطول المطري يتم من خلال نموذج إحصائي معقد أُنشئ بالتعاون بين أحد المعاهد المتخصصة ومركز الاستمطار الاصطناعي، ويشمل تحليل مجموعة من المتغيرات، من بينها درجات الحرارة والرطوبة والضغط الجوي وسرعة الرياح واتجاهها وكميات الأمطار.
وفيما يتصل بتأثير البرنامج على المخزون الجوفي والسدود والأفلاج والعيون، أشار إلى أنه يجري حاليًّا العمل على مشروع الميزان المائي الذي يتضمن بيانات المياه الجوفية والسطحية، على أن تُحلل هذه البيانات لاحقًا لاستنتاج تأثير محطات الاستمطار عليها.
14 محطة
وأضاف الهوتي أن عدد محطات الاستمطار العاملة حاليًّا في سلطنة عُمان يبلغ 14 محطة، منها محطتان على جبال محافظة ظفار، و11 محطة على جبال الحجر الشرقي والغربي، ومحطة واحدة في جبال محافظة مسندم، مشيرا إلى أن أول محطتي استمطار أُنشئتا في عام 2013م على جبل السراة بارتفاع 2670 مترًا، والجبل الأخضر على جبل الروس بارتفاع 2337 مترًا، ليشمل تأثيرهما عددًا من المحافظات، من بينها الظاهرة والداخلية وجنوب الباطنة، وتواصل إنشاء المحطات خلال الأعوام اللاحقة؛ إذ أُنشئت محطتان عام 2014م في ولايتي صحم بمحافظة شمال الباطنة وسمائل بمحافظة الداخلية، ثم محطتان عام 2015م في ولايتي دماء والطائيين بمحافظة شمال الشرقية وصحار بمحافظة شمال الباطنة.
وفي عام 2016م أُنشئت محطة في ولاية قريات بمحافظة مسقط وأخرى في ولاية الخابورة بمحافظة شمال الباطنة، وفي عام 2017م أُنشئت محطتان في ولايتي لوى بمحافظة شمال الباطنة وبدبد بمحافظة الداخلية، فيما أُنشئت عام 2018م محطتان على جبال محافظة ظفار في ولايتي رخيوت وضلكوت.
كما أُنشئت محطة الاستمطار في ولاية المضيبي عام 2023م على ارتفاع 800 متر، ومحطة محافظة مسندم في ولاية خصب على جبل حارم عام 2026م على ارتفاع 1224 مترًا، ليشمل تأثيرها ولاية خصب والمناطق المجاورة لها.
وبيّن أن نتائج المحطات تختلف من موقع إلى آخر تبعًا للعوامل الجغرافية والظروف المناخية، واختلاف تكوّن السحب وفرص الهطول بين المناطق، مشيرًا إلى أن بيانات محطة محافظة مسندم لا تزال قيد الجمع خلال فصل الصيف، وسيتم تحليلها بعد انتهاء الموسم وتوفر البيانات اللازمة.
وأكد الهوتي على استمرار الدراسات لإنشاء محطات استمطار جديدة في المواقع المناسبة من الناحيتين الفنية والجوية، وفق الخصائص الجغرافية والمناخية لكل منطقة، وأن هناك توجهًا للتوسع مستقبلًا في عدد من الولايات.
تقنية آمنة
وأوضح مدير مركز الاستمطار الاصطناعي أن التقنية المستخدمة في سلطنة عُمان تعتمد على التأين، وهي تقنية آمنة وصديقة للبيئة لعدم استخدامها مواد كيميائية ضارة، وتعمل من خلال إنتاج أيونات سالبة الشحنة من الباعث الأيوني بواسطة مصدر جهد عالٍ، ثم تحملها التيارات الهوائية الصاعدة إلى طبقات الجو العليا عند قاعدة السحب، وعند وصول الأيونا إلى السحب تسهم في تجمّع قطرات الماء حولها وزيادة أحجامها وكتلتها إلى أن تصبح أكثر قابلية للسقوط، بما يؤدي إلى زيادة كمية الهطول، موضحًا أن التقنية يمكن تشغيلها في مختلف المواسم متى ما توفرت الظروف الجوية المناسبة، مع التركيز بصورة أكبر على السحب والتكونات المحلية خلال فصل الصيف.
ولفت إلى أن أبرز التحديات التي تواجه البرنامج بعد أكثر من عقد من تشغيله تتمثل في صعوبة الوصول إلى المحطات؛ نظرًا إلى وجود معظمها على قمم الجبال والمناطق المرتفعة، حيث قد يستدعي في بعض الحالات استخدام الطائرات العمودية لأعمال التشغيل والصيانة.

**media[3486521]**


قراءة علمية
من جانبه، أوضح خليفة بن سليمان الزيدي الباحث المشارك في مركز الدراسات والبحوث البيئية بجامعة السلطان قابوس أن القيمة العلمية للتجربة العُمانية في تقنية الاستمطار الصناعي تكمن في كونها من التجارب الميدانية الممتدة زمنيًّا في مجال دراسة التأين الأرضي، وما وفرته من بيانات طويلة المدى يمكن إخضاعها للتحليل والمقارنة، مشيرا إلى أن دراسة علمية منشورة عام 2022م في مجلة "International Statistical Review" قدّرت الزيادة في الهطول ضمن بيانات التجربة بما يتراوح بين 16.23 و17.64 بالمائة، وتمثل هذه النتيجة مؤشرًا علميًّا مهمًّا، إلا أنها لا تعني تحقق النسبة نفسها في كل سحابة أو موسم أو عام.
وأوضح قائلا: إن أهمية هذه النتائج تكمن في أنها تعطي أساسًا يمكن البناء عليه في الدراسات اللاحقة، في حين تظل قوة الاستنتاج العلمي مرتبطة بإمكانية تكرار النتائج في تجارب مستقلة، وربط المؤشرات الإحصائية بقياسات فيزيائية مباشرة داخل الغلاف الجوي والسحب.
وبيّن أن إثبات العلاقة السببية بين تشغيل أنظمة الاستمطار والزيادة المسجلة في الأمطار يعد من أكثر المسائل تعقيدًا في هذا المجال؛ نظرًا إلى تداخل عوامل عديدة في تكوّن السحب والهطول، من بينها الرطوبة ودرجات الحرارة والرياح والتضاريس والحمل الحراري.
ولفت إلى أن البيانات طويلة المدى المتوفرة في التجربة العُمانية، خصوصًا خلال الفترة من عام 2013م إلى عام 2018م، أسهمت في الوصول إلى نتيجة علمية جديرة بالاهتمام، وفي الوقت نفسه تفتح المجال أمام مرحلة بحثية جديدة تعتمد بصورة أكبر على الرادارات والاستشعار عن بُعد والقياسات المباشرة داخل السحب.
مرحلة بحثية جديدة
وأوضح الزيدي أن جانبًا من عدم اليقين العلمي لا يزال مرتبطًا بفهم الآلية الفيزيائية الدقيقة لانتقال آثار التأين من المصدر الأرضي إلى السحب، وكيفية تأثير ذلك في العمليات الميكروفيزيائية المرتبطة بتكوّن القطرات ونموها.
وأشار إلى أنه لا يوجد حتى الآن إجماع علمي عالمي على فاعلية تقنية التأين في زيادة الهطول بالدرجة نفسها التي تحظى بها بعض تقنيات الاستمطار الأخرى الأكثر دراسة، مؤكدًا أن ذلك لا ينتقص من أهمية التجربة العُمانية، بل يبرز الحاجة إلى مزيد من القياسات المستقلة وتكرار النتائج قبل تعميمها علميًّا، حيث إن المرحلة المقبلة يمكن أن تمنح نتائج أكثر دقة من خلال الجمع بين التحليل الإحصائي والرصد الفيزيائي المباشر، واستخدام رادارات عالية الدقة، وتنفيذ قياسات داخل السحب، ورصد تركيز الأيونات والهباء الجوي وخصائص قطرات المطر، إلى جانب توظيف بيانات الأقمار الصناعية والنماذج العددية.
وأضاف أن تكرار التجارب في مواقع ذات خصائص مناخية مختلفة، ومشاركة فرق بحثية مستقلة في تحليل النتائج، من شأنهما توفير قاعدة علمية واسعة لتقييم فاعلية التقنية وتحديد الظروف الأكثر ملاءمة لتشغيلها.
مورد مائي
وحول دور الاستمطار في مواجهة ندرة المياه، يرى الزيدي أن التقنية يمكن أن تشكّل أحد مكونات منظومة الأمن المائي، إلا أنها لا تمثل حلًّا منفردًا، وينبغي النظر إليها ضمن منظومة متكاملة تشمل تحلية المياه وإعادة استخدام المياه وحماية المخزون الجوفي ورفع كفاءة الاستهلاك.
وأوضح أن أهمية الاستمطار تكمن في إمكانية إضافة مورد مائي طبيعي عند توفر الظروف الجوية المناسبة، بما يجعله خيارًا مساندًا إلى جانب الأدوات الأخرى المستخدمة في إدارة الموارد المائية، مع ضرورة قياس مردوده الفعلي على الأحواض المائية والمخزون الجوفي على المدى الطويل.
الأثر البيئي
وفي الجانب البيئي، أوضح الزيدي أن الزيادة المتوازنة في الهطول يمكن أن تنعكس إيجابًا على البيئات الجافة وشبه الجافة من خلال رفع رطوبة التربة، ودعم نمو النباتات الموسمية، وتهيئة ظروف أفضل لبعض الكائنات والموائل الطبيعية، فضلًا عن إمكانية إسهامها في تغذية بعض الأحواض الجوفية.
وبيّن أن تقييم هذه الآثار لا ينبغي أن يعتمد على إجمالي كمية الأمطار فقط؛ إذ تلعب عوامل توقيت الهطول وتوزيعه وشدته دورًا أساسيًّا في تحديد انعكاساته البيئية، ما يستدعي متابعة التغيرات في الغطاء النباتي باستخدام الأقمار الصناعية والقياسات الميدانية، مشيرا إلى أهمية وجود برنامج طويل المدى للمراقبة البيئية يشمل جودة مياه الأمطار والتربة والمياه الجوفية في المناطق القريبة من المحطات، ومقارنتها بمواقع مرجعية بعيدة عنها، موضحًا أن هذا النهج يمثل إجراءً علميًّا واحترازيًّا لدعم تقييم المشروع ولا يعني وجود مشكلة بيئية مثبتة، حيث إن انجراف التربة وزيادة جريان الأودية يرتبطان أساسًا بشدة الهطول وتوزيعه الزمني والمكاني، الأمر الذي يستدعي استخدام نماذج هيدرولوجية لقياس تأثير أي زيادة محتملة في الأمطار على الأحواض والأودية، خصوصًا في المواقع القريبة من التجمعات السكنية أو الأكثر عرضة للجريان السطحي.
وأوضح أن التقييم المتكامل للمشروع يتطلب متابعة حزمة من المؤشرات تشمل جودة مياه الأمطار، وكيمياء التربة، ونوعية المياه الجوفية ومستوياتها، ورطوبة التربة، والجريان السطحي، والتعرية، والغطاء النباتي، والتنوع الحيوي، بما يتيح ربط النتائج المطرية بآثارها الفعلية على الموارد المائية والأنظمة البيئية.
واختتم الزيدي حديثه بالتأكيد على أن المؤشرات الحالية تجعل التجربة العُمانية جديرة بالاستمرار والتطوير والدراسة، في ضوء امتدادها الزمني والنتائج الإحصائية المسجلة، مشيرًا إلى أن تطوير منظومة الرصد الفيزيائي والبيئي وتوسيع نطاق القياسات المباشرة سيجعلان تقييم مكاسب المشروع أكثر دقة ويدعمان الثقة العلمية بنتائجه.

**media[3486528]**