لا تتآكل قيم المجتمعات في لحظة واحدة، ولا يصاحب تراجعها صوتٌ يمكن الانتباه إليه. يبدأ الأمر حين تتسع المسافة بين ما يقوله المجتمع وما يمارسه، وحين تفقد الأسرة والمدرسة والمؤسسات قدرتها على تقديم النموذج، تتقدم وسائل بديلة لتملأ الفراغ حاملة معها تعريفات جديدة للنجاح والمكانة والحرية والعلاقة بالآخر.
وهذا أحد أهم التحديات التي تواجه المجتمعات اليوم، فقد انتقلت سلطة التأثير بدرجة كبيرة إلى منصات تديرها خوارزميات تحول حياة الإنسان إلى مادة للمشاهدة والمقارنة، وفي هذا الفضاء تتقدم النزعة الاستهلاكية وتقاس القيمة بما يملكه الفرد أو بما يحصده من انتشار، وتتراجع معاني الخصوصية والمسؤولية والصالح العام.
تملك عُمان في مواجهة هذا التحول رصيدًا حضاريًا عميقًا، فقد صاغ الإسلام جوهر منظومتها الأخلاقية ورسخت تجربتها التاريخية قيم الاعتدال والتسامح والأمانة والتكافل واحترام الكرامة الإنسانية. وعبر قرون من التواصل البحري والتجاري مع شعوب وثقافات متعددة، استطاع المجتمع العُماني أن ينفتح على العالم محتفظًا بشخصيته وتوازنه، وكان ذلك الانفتاح مصدر ثراء وقوة، لأن الهوية الواثقة تستقبل الجديد بعقل ناقد، وتأخذ منه ما يضيف إلى تجربتها.
غير أن الرصيد التاريخي يحتاج دائمًا إلى من يجدده فالقيم التي تبقى في الكتب والخطب تفقد أثرها تدريجيًا، بينما تكتسب قوتها الحقيقية عندما يراها الأبناء في سلوك الكبار الذين يشكلون النموذج ويحملون الإرث الحضاري. ومن الصعب إقناع جيل كامل بقيمة من القيم إذا لم يرها ماثلة في السلوك الذي نشأ عليه، كما يصعب دعوة جيل للتواضع فيما تمنح الثقافة العامة مكانتها للاستعراض، أو مطالبته باحترام الآخر في بيئة تسمح بالتشهير والتنمر وانتهاك الخصوصية.
ومن هنا تصبح حماية القيم العُمانية مسؤولية مجتمع كامل.. الأسرة مطالبة بالحوار والقدوة، والمدرسة بتحويل القيم إلى خبرة يومية تتجلى في التفكير والعمل الجماعي واحترام الاختلاف. وعلى الإعلام أن يدرك أن منح التفاهة حضورًا متكررًا يحولها إلى نموذج اجتماعي، كما يتحمل المؤثرون مسؤولية الكلمة والصورة، فيما يقع على المؤسسات الدينية والثقافية واجب تقديم خطاب يفهم أسئلة الأجيال الجديدة ويخاطب عقولها بلغتها.
وتقع على المؤسسات العامة مسؤولية أكبر؛ لأن القيم تنمو في بيئة العدالة وتكافؤ الفرص والشفافية. فاحترام الإنسان في المعاملة، وصون حقوقه، ومكافأة الجدارة، ومحاسبة المقصر، كلها دروس أخلاقية أشد تأثيرًا من عشرات المواعظ. وكذلك يتعين على القطاع الخاص أن يرى في أخلاق العمل وحماية المستهلك واحترام الموظف جزءًا من مسؤوليته تجاه المجتمع.
إن الانفتاح الذي تفرضه التقنية لا يستدعي الخوف، وإنما يستدعي الثقة والوعي والقدرة النقدية. والمطلوب أن يدخل الإنسان العُماني إلى العالم الواسع حاملًا معاييره الأخلاقية، قادرًا على التمييز والاختيار، ومؤمنًا بأن التقدم لا يقتضي التخلي عن الجذور.
لقد حفظت القيم تماسك عُمان في مراحل كثيرة من تاريخها، واليوم يأتي دور المجتمع كي يحفظ حضور هذه القيم في المستقبل؛ فالثقافة التي تتجسد في السلوك تستطيع التجدد، والهوية التي تسندها العدالة والمعرفة والقدوة تظل قادرة على الانفتاح من موقع الثقة، وعلى المشاركة في صناعة العصر بصوتها الخاص.