والحقيقة أن هناك صلة ماهوية بين عملية الكتابة وعملية القراءة؛ إذ إن كلًا منهما تفترض وجود الأخرى بالضرورة، وتتفاعل معها؛ ذلك أن الكتابة هي عملية يكون فيها الكاتب ملتزمًا بأن يقول شيئًا أو معنى ما، لأجل قارئ ما يعيش في عصر ما، وهنا يأتي دور القارئ أو المتلقي لكي يقوم بعملية فهم وتأويل ما يقوله أو يرويه النص المكتوب.
لكن عملية القراءة هذه ليست عملية هينة، خاصةً في عصرنا الراهن؛ لأن هذا العصر يتسم بحالة من التعددية والتضارب في مصادر المعرفة؛ ففي حين أن هناك وفرة متزايدة على الدوام في النصوص المكتوبة، فإن هناك في مقابل ذلك فيضًا هائلًا من مصادر المعرفة الأخرى بخلاف النصوص المكتوبة لأجل القراءة، ومن ذلك مصادر المعلومات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وعبر عالم الصور والإعلانات، وما إلى ذلك.
ولا شك في أن ذلك كان له تأثير كبير على تراجع أهمية الكتب والنصوص المنشورة عمومًا بالنسبة إلى الأجيال الجديدة من الشباب التي يمكن أن تكتفي بمتابعة أخبار أو ملخصات عبر شبكة المعلومات عما تفضله من كتابات أو تسمع عنه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا يمكن صياغته على النحو التالي: في ظل ذلك الفيض من مصادر المعرفة، بما في ذلك تلك الوفرة المتزايدة من الكتابات نفسها، ما الذي ينبغي أن يقرأه القارئ في ظل هذا الفيض؟ أعني ما الشروط التي ينبغي على أساسها انتقاء ما يمكن قراءته؟ وليسمح لي القارئ بأن أذكر هنا اعترافًا يعبر عن خبرة شخصية في هذا الصدد: فمنذ سنوات طوال لم أعد أقرأ من الكتب والدراسات الجديدة إلا أقل القليل، ومن ثَم لم أعد أحرص على شراء الكتب من المعارض السنوية إلا ما كان فريدًا في عصرنا الراهن أو في عصور سابقة.
ذلك أن مكتبتي الخاصة عامرة بالكثير من الكتب القيِّمة التي لم أقرأها بعد، فضلًا عن قناعتي بأن السرديات الكبرى قد قيلت من قبل، وأصبحت مهمتنا هي قراءتها وتأويلها، وقراءة ما يمكن أن يكون هنالك من سرديات جديدة، والنظر فيما إذا كانت هناك قراءات مهمة جديدة للسرديات السابقة في ضوء آليات ومناهج القراءة، والنظر فيما بقي منها أو يمكن أن يبقى منها لأجل تفسير واقعنا الراهن الذي نعيشه. لذا لزم الانتقاء فيما نقرأ:
وهذا يعني أننا ينبغي أن ننصرف عن قراءة أي نص يستهلك فيه الكاتب الكلمات مثلما يستهلك البنَّاء الحجارة في بناء جدار! عدم استهلاك الكلمات هو شرط ضروري لانتقاء ما نقرؤه، وهذا يسري على النص الأدبي مثلما يسري على أية كتابة أخرى ذات قيمة: فالكلمات هنا تكون محسوبة ومنتقاة لكي تقول لنا شيئًا ما، ونحن بوصفنا قرّاء ننتقيها أيضًا لهذا السبب.
لكن عملية الانتقاء التي تلتزم بهذا الشرط العام تصبح أكثر صعوبة في عصرنا الراهن؛ بسبب كثرة الكتابات والكتاب الذين امتهنوا مهنة الكتابة التي كانت مبجلة بحيث لا يُقدم عليها سوى الأدباء والفلاسفة والمفكرين عمومًا؛ وبذلك تصبح مهمة القارئ في عصرنا أكثر صعوبة في عملية انتقاء ما يمكن قراءته.
وبالإضافة إلى الشرط العام سالف الذكر، فإن القارئ ينبغي أن ينتقي ما يقرؤه بناءً على موثوقية مصادره، وبناءً على موثوقية الكاتب نفسه، بصرف النظر عن شهرته.
وعلى سبيل المثال: إذا أراد القارئ العام أن يتعرف على فكر ابن رشد أو ابن العربي؛ فإنه سيجد نفسه إزاء كثرة هائلة من الكتابات المطبوعة والإلكترونية، فضلًا عن المعلومات المنشورة عبر مواقع شبكة المعلومات؛ وبذلك فإنه سيكون مشتتًا إزاء هذا الفيض الهائل من المعرفة.
ولكن الانغماس في هذا الفيض سيكون بمثابة إضاعة للوقت والجهد، وسيؤدي إلى حالة من الفوضى والتشويش في الرؤية؛ لأن المعرفة في هذه الحالة سوف تتحول إلى ما يمكن تسميته «كراكيب» العقل، وسيكون معظمها أشبه «بكتابة في المكتوب» بحيث لا يضيف إلى معرفتنا شيئًا جديدًا أو مهمًّا.
لذا لزم الانتقاء، والانتقاء هنا يعني أن نسأل العارفين أولًا عن الكتابات الموثوقة التي يمكن أن نبدأ بها للتعرف على فكر مفكر ما في كتابات الآخرين، قبل أن نسعى إلى التعرف على هذا الفكر في مصادره الأصلية.