علّق أحدهم على مكتبتي: ما الذي تريدينه أكثر من هذه المكتبة وقطة؟ إنها كل شيء في العالم.

كلما سمعتُ مثل هذا الكلام تحسستُ «مسدسي» -مع تحفظي على استخدام أي من ألفاظ أدوات العنف ورموزه- وذلك لأن الأمر يؤكد على نوع من الاستقلالية الفردية وتمثلات الفوز والتحقق والوصول.

أجبتُ بأنني ممتنة على امتلاكي للمكتبة فعلا، وهي كل شيء بالنسبة لي، لكنني بحاجة للمزيد، عالم يستطيع فيه كل إنسان أن يختار ما إن كان راغبا في امتلاك مكتبة، هذه المكتبة أو أي مكتبة أخرى.

أظن بأنني أرتابُ دوما من أي تلميحٍ، حتى وإن لم يكن واعيا/مقصودا، لعزلنا عن الحياة السياسية العامة، يُضمن ذلك ببساطة في جميع أقوالنا وأفعالنا، لقد تم تطبيعه بالفعل، فما الذي يعنيه أن يتعاظم الخير ليشملنا جميعا؟ هل هذا هاجسٌ حقيقي ينبغي ألا يتم تجاوزه، وأن يكون ثمة راديكالية/جذرية في النظر إليه، اليقظة المستمرة لإدراكه وعدم تفويته؟ حنة أرندت ترى أن الإنسان لا يستطيع العيش بمجرد تلبية احتياجاته عبر البقاء البيولوجي، إنه بحاجة لأن يُنتج المعنى ويكون فاعلا سياسيا.

لكنني حذرة بخصوص هذه الجملة السابقة، إذ إنها تؤسس بدورها لنوع من اقتصاد المنفعة المرتجعة، إذ إنني مرة أخرى أفعل الشيء لأنه يعود بالفائدة عليّ فرديا، إنه مفيد لي، وهذه سمة استحوذت على تفكير اليسار الجديد في أماكن أخرى في العالم، مردها القدرة على مقارعة اليمين والمحافظين، والفوز بانتصارات صغيرة في قضايا شائكة، ومن هذا مثلا، دفاع اليسار عن حق المساجين في التعليم داخل السجون، فبدلا من النظر إلى هذا كحق إنساني لا ينبغي أن يكون أصلًا محل تفاوض أي قوة، لجأ اليسار لحيلة تبدو بريئة، لكنها تُعامل بسذاجة حسبما أعتقد، فقالوا إن تعليمهم يؤهل المساجين لأن يكونوا أفضل، فتقل نسبة تعرضنا، نحن من هم في الخارج، لسلوكياتهم الإجرامية. فلنلاحظ أننا نستخدم اقتصادا ما تبادليا في هذه الصفقة، وهنالك أمرٌ آخر أيضا، إننا نظن أن إصلاح الأفراد هو المشكلة، بدلا من التفكير في إصلاح النظام في الخارج الذي يساهم في إنتاج الواقع الإجرامي.

وعودة لموضوعنا، إن كان الواقع الذي نعيش فيه، والذي لا يمتلك فيه كل واحد منا الفرصة نفسها للعيش في تجربة ما، فإنه من واجب كل واحد منا أن يحاكي تجربة الآخر المنبوذ المهمش، المُقصى من التجربة، في عملية عكسية مضادة للحسد، الذي هو، وفي العمق، الرغبة في المحاكاة.

أظن بأن هذا فعل ثوري وأخلاقي، ففي حالتي أنا تظل مُثل العدالة والمساواة ملحة، فأتخيل طوال الوقت أولئك الذين يشتهون هذه المكتبة ولا يعرفون، بل قد لا يتخيلون يوما، إمكانية الحصول عليها.

ولكي أشرح موقفي بدقة، أنا لا أدعو لتمثل تجربة الآخر أو الإحساس بأن هذا ممكن، فذلك بطريقة ما قد يكون عكسيا، ينزع عن المضطهدين فرادة ما يختبرونه وإمكانية تمثله، ما أدعو إليه هو إدخال غيابه باستمرار في وعينا بتجربتنا نحن.

أي ألا أرى مكتبتي بوصفها دليلًا على نجاحي، بل أن تصبح رؤيتي لها مصحوبة دائما باستحضار من حُرم من إمكان مشابه، ومن الشروط التي جعلت وصولي ممكنا ووصوله متعذرا.

أن يكون صاحب الامتياز هو الذي يوجّه خياله نحو موقع المستبعَد، لا لكي «يشعر بالذنب»، بل لكي يمتنع عن اعتبار تجربته الخاصة معيارا طبيعيا للعالم.

إن اعتراضي على السؤال قادمٌ من الخوف من نوع من الاكتفاء، الذي يحول الحياة الجيدة والإنجاز الفردي كمالا يؤدي للانسحاب عن السؤال السياسي: ماذا عن شروط إمكان وصول الجميع إليها؟ أرتاب من أن تستبدل هذه السعادةُ المخيلةَ السياسيةَ.

أن أبني عالمي الصغير المحمي، لا أن أسأل عن العالم الذي يجعل إمكان النجاة موزعا بهذا القدر من اللامساواة. ما أخشاه هو السماح للرضا الفردي بأن يغلق السؤال الجماعي.