أصبح الشعور بالملل واحدا من أكثر المقلقات في الحياة الحديثة. وكثيرا ما أسمع من بعض الأصدقاء شكواهم المتكررة من أن حياتهم باتت مملة، وأن لديهم وقت فراغ لا يعرفون كيف يقضونه. والمفارقة أن هذه الشكوى تتكرر في عصر تتوافر فيه من وسائل الترفيه والتسلية ما لم يتوافر في أي مرحلة سابقة من العصور الإنسانية. ومع ذلك، أصبحنا أكثر خوفا من الوقوع في دائرة الملل، ربما لأن هذا الشعور ارتبط في وعينا الجمعي وفي تراثنا بالكثير من الدلالات السلبية التي قرنته بالكسل والخمول وإهدار الوقت.

وأذكر أن أحد الأصدقاء روى لي قبل فترة، أنه بات يشعر بشيء من الابتهاج كلما وصله خبر وفاة أحد؛ ليس حزنا ولا شماتة، وإنما لأن مراسم العزاء الممتدة لثلاثة أيام تمنحه فرصة لقتل ذلك الملل الذي يطارده باستمرار. وقد تبدو هذه القصة طريفة للوهلة الأولى، لكنها تكشف جانبا من علاقتنا المضطربة بالوقت. فالحياة المعاصرة غرست ورسخت في الإنسان بأن عليه أن يكون منشغلا على الدوام، وأن امتلاء ساعات اليوم دليل على الحيوية والإنتاج. ومع مرور الوقت، فقد كثيرون قدرتهم على التعايش مع العزلة أو الخلوة أو حتى الجلوس مع أنفسهم لبعض الوقت، حتى أصبح الفراغ في نظرهم مشكلة ينبغي التخلص منها، لا مساحة يمكن استثمارها أو الاستفادة منها.

الملل الحميد، أو ما كان يعرف في عصور سابقة بالخلوة والاختلاء بالنفس، لم يكن يوما مرادفا للكسل أو الانسحاب من الحياة، بل كان وسيلة لاستعادة التوازن بعيدا عن صخب العالم ومؤثراته المتلاحقة. فقد أدرك الإنسان منذ وقت مبكر أهمية الابتعاد المؤقت عن الضجيج، ومنح النفس فرصة للانفراد بذاتها، والمراجعة والمساءلة والتفكر والتدبر. وفي تلك اللحظات الهادئة، لا يكون الإنسان معزولا عن العالم بقدر ما يكون أكثر قربا من نفسه.

ولعل اللافت أن كثيرا مما توصلت إليه الدراسات الحديثة يعيد الاعتبار إلى هذه الفكرة القديمة. فقد أشارت أبحاث في علم النفس وعلوم الأعصاب إلى أن فترات الهدوء والشرود الذهني لا تمثل حالة من التعطل العقلي، كما كان يعتقد، بل تنشط خلالها مناطق في الدماغ مرتبطة باسترجاع الذكريات، وتنظيم المشاعر، وبناء التصورات المستقبلية. كما وجدت بعض الدراسات أن منح العقل مساحة بعيدا عن التدفق المستمر للمعلومات قد يسهم في تحسين المزاج، وتعزيز القدرة على الإبداع، ورفع مستوى الوعي بالذات.

وربما لهذا السبب لا تولد بعض الأفكار المهمة في أوقات الانشغال، بل في لحظات الصمت التي نعتقد خطأ أنها لحظات ضائعة. فالجلوس مع النفس ليس ترفا، بل حاجة إنسانية قديمة أعادت العلوم الحديثة اكتشافها بلغة مختلفة.

ولعل المشكلة الحقيقية أننا أصبحنا ننظر إلى الملل بوصفه عدوا ينبغي القضاء عليه، بينما قد يكون -في كثير من الأحيان- فرصة ثمينة لإعادة ترتيب أفكارنا واستعادة شيء من التوازن الذي نفقده وسط إيقاع الحياة المتسارع. فهناك كثير من الناس الذين يبحثون، وسط ازدحام يومهم، عن دقائق قليلة يجلسون فيها مع أنفسهم بعيدا عن الالتزامات والهواتف والأحاديث المتواصلة، ليس هربا من الحياة، وإنما استعداد للعودة إليها بقدر أكبر من الصفاء.

ولحظات الصفاء هذه ليست ترفا فكريا كما قد يظن البعض، بل هي حاجة إنسانية لا تقل أهمية عن حاجتنا إلى العمل أو التواصل مع الآخرين. ففي تلك اللحظات يعيد العقل ترتيب أفكاره، ويسترجع ما اختزنته الذاكرة من تجارب، ويمنح الإنسان فرصة للتأمل وإعادة النظر في كثير من التفاصيل التي قد تمر دون أن ينتبه إليها.

وربما يكون من الإنصاف أن نعيد النظر في موقفنا من الملل، وأن نتوقف عن التعامل معه باعتباره شعورا سلبيا في جميع الأحوال. فليس كل ملل مذموما، وليس كل فراغ ضائعا.