"العُمانية": يعد استخدام الذكاء الاصطناعي قوة أساسية في صياغة المستقبل في كثير من القطاعات بهدف تحقيق التطور المعرفي، وفي ظل ما تشهده سلطنة عُمان من تحولات تقنية متسارعة مدعومة بتوجه وطني نحو التحول الرقمي وتحقيق اقتصاد مستدام قائم على المعرفة، برزت الكفاءات الشابة العُمانية الواعية التي تؤمن بأهمية التعليم المستمر والتطوير بما يتوافق مع التقنيات الحديثة.
في هذا السياق ظهرت مبادرات شبابية ومنصات رقمية ساهمت في معالجة احتياجات واقعية من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي بالطريقة الأمثل وتحويل ذلك إلى حلول مبتكرة تخدم المجتمعات بكفاءة ومسؤولية، وتعكس قدرة الشباب على الابتكار بما يعزز دورهم كشركاء فاعلين في التحول الرقمي لا مجرد مستفيدين منه.
نوف بنت عبد الحميد الشملي، شابة عُمانية متخصصة في الإحصاء وعلم البيانات وعلوم الحاسب الآلي، وطالبة في جامعة السلطان قابوس تبرز كأحد النماذج الشبابية الواعدة التي استطاعت توظيف معرفتها الأكاديمية وشغفها بالتقنيات الحديثة في تطوير حلول تعليمية قائمة على الذكاء الاصطناعي تمثلت في منصة "علمفاي". من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي تتشكل تجربة المبتكرة "الشملية" بصفتها شريكة مؤسسة في المنصة، وتتجسد هذه المنصة على أنها تعليمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، تستهدف طلاب الجامعات وتركز على تخصيص تجربة التعلم وتعزيز الكفاءة الأكاديمية. حيث خرجت المنصة من النطاق المحلي إلى الدولي في عدد من التجارب.
وفي حديث لها لوكالة الأنباء العُمانية أوضحت نوف الشملي أن الجمع بين الإحصاء وعلم البيانات من جهة، وعلوم الحاسب الآلي كتخصص فرعي من جهة أخرى، لم يكن مجرد اختيار أكاديمي بالنسبة لها، بل شكّل قناعة راسخة بأن التقنية الحديثة لا تُبنى على البرمجة وحدها، ولا على الأرقام وحدها، بل على التقائهما معاً.
وأوضحت: يمنحني الإحصاء القدرة على قراءة البيانات وفهم أنماطها والتنبؤ باتجاهاتها، بينما يمنحني علم الحاسب الأدوات اللازمة لتحويل هذا الفهم إلى حلول تقنية فعلية قابلة للتطبيق، إن هذا التكامل صقل رؤيتي للتقنيات الحديثة بشكل جوهري، فأنا أنظر إلى الذكاء الاصطناعي كمنظومة تقوم في جوهرها على بيانات، ونماذج إحصائية، وخوارزميات، تحتاج جميعها إلى فهم عميق قبل توظيفها.
وأشارت أن الإضافة الحقيقية لهذا التكامل تكمن في إعداد كفاءات قادرة على النظر إلى المشكلة من زوايا متعددة، زاوية البيانات وموثوقيتها، وزاوية النموذج ودقته، وزاوية التطبيق التقني وقابليته للتوسع. فحين تجتمع هذه الزوايا الثلاث لدى الشخص نفسه، تصبح الحلول التي يقدمها أكثر دقة، وأكثر قدرة على إحداث أثر حقيقي، لأنها لا تنبع من افتراضات نظرية فحسب، بل من فهم عملي متكامل لكيفية تحوّل البيانات الخام إلى قرار مؤثر.
وحول توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي فقد بيّنت أن القيمة الحقيقية لامتلاك مهارة الذكاء الاصطناعي اليوم لا تكمن في مجرد "معرفة استخدام الأدوات"، فهذا الجانب أصبح متاحاً للجميع تقريباً. وقالت: إن القيمة الحقيقية تكمن في القدرة على توظيف هذه الأدوات بوعي، أي معرفة متى تُستخدم، وكيف تُوجَّه، وما الهدف الذي تخدمه. فالفارق الجوهري اليوم ليس بين من يملك إمكانية الوصول إلى الذكاء الاصطناعي ومن لا يملكها، بل بين من يستخدمه بشكل سطحي كأداة تنفيذ سريعة، ومن يفهم آلياته ويستثمرها لبناء حلول ذات معنى.
وأكدت أن من يوظف أدوات الذكاء الاصطناعي بوعي وإبداع يتميز بثلاث خصائص أساسية: أولاً، القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة قبل البحث عن الإجابات، لأن جودة المخرجات ترتبط مباشرة بجودة التوجيه. ثانياً، الفهم العميق للمجال الذي يُطبَّق فيه الذكاء الاصطناعي، لأن الأداة وحدها لا تصنع القيمة إن لم تُدمج بمعرفة تخصصية حقيقية. وثالثاً، النظرة الأخلاقية والمسؤولة تجاه الاستخدام، بحيث يكون الهدف دائماً خدمة الإنسان لا استبداله. مشيرة إلى أن من يمتلك هذا الوعي في بيئة العمل والمشروعات المستقبلية يستطيع إنجاز أكثر بوقت أقل، ويرى فرصاً وحلولاً قد لا تخطر على بال من يكتفي بالاستخدام التقليدي للتقنية. حيث أن الاستثمار في هذه المهارة اليوم ليس خياراً، بل ضرورة لمن يريد أن يبقى فاعلاً ومؤثراً في سوق العمل خلال السنوات القادمة.
وتطرقت حول علم البيانات وأثره قائلة إن البيانات وحدها لا تصنع قيمة، بل التحليل الصحيح والدقيق هو الركيزة الأساسية في تحويلها من أرقام متناثرة إلى قرار مبني على أساس متين. وأوضحت أن البيانات تمثل نقطة انطلاق حقيقية نحو قرارات أفضل حين تُعامَل بثلاثة مبادئ أساسية: الدقة في جمعها، والشفافية في مصادرها، والوضوح في طريقة عرضها لصانع القرار. مؤكدة على أن القيمة الحقيقية لعلم البيانات لا تظهر في التحليل بحد ذاته، بل في اللحظة التي يتحول فيها هذا التحليل إلى أداة تسهم في اتخاذ قرارت فعلية. بجانب الدور المحوري الذي يقدمه علم البيانات للمؤسسات والمجتمع كونه يمنح صانع القرار عيناً استباقية بدلاً من ردة فعل متأخرة، ويمنح المجتمع خططاً وموارد موزّعة بعدالة وكفاءة أكبر، لأنها مبنية على فهم حقيقي للاحتياج، لا على تقدير عشوائي.
وعن دافع الابتكار فقد بينت الشملية أن فكرة "علمِفاي" انطلقت في بداياتها من صعوبة حقيقية في استيعاب بعض المواد الدراسية بالطريقة التقليدية التي تُقدَّم بها وأن هذا التحدي لم يكن فردياً بل كان أعمق وأشمل. ومن هذه الملاحظة البسيطة، وُلدت الفكرة التي تقوم على بناء تجربة تعليمية مبنية على دمج نماذج الكبيرة، بحيث تتكيف مع المتعلم بدلاً من أن يتكيّف هو معها، وأشارت منذ تلك البداية، أكملت في "المنصة" المسار الذي بدأه زميلها التقني، وهو ما ساعدها في صقل مهارات متعددة تتجاوز حدود دورها الأساسي، بالإضافة إلى تعلم الكثير في مجالات التسويق وبناء الهوية، والتخطيط المالي وإدارة الميزانية، وطرق التعامل مع فئات متنوعة من الناس، من مستخدمين ومستثمرين ومحكّمين وشركاء.
وأكدت أن هذه الفكرة ساهمت في وصولهم إلى معارض ومسابقات محلية وعالمية متعددة، وذلك من خلال تطوير الفكرة بناءً على كل تجربة وكل ملاحظة يتلقونها. وأوضحت أن من أبرز هذه المحطات، تمثيل سلطنة عُمان في مسابقة "الجدران المتساقطة" (Falling Walls) في برلين العام الماضي، مشيره إلى إن هذه المحطة تركت أثراً كبيراً في رؤيتهم، إذ منحتنهم فرصة المقارنة بأفكار أخرى من مختلف أنحاء العالم، والعودة بفهم أعمق لما يميز المنصة فعلاً عن الحلول التعليمية الأخرى.
وأضافت أيضًا: من خلال المنصة نطمح إلى ترسيخ ملامح واضحة في مستقبل التعليم الذكي في سلطنة عُمان، بتقديم تعليم يواكب المتعلم ولا يفرض عليه نمطاً موحداً، وتوفير تقنية تُستخدم لخدمة الإنسان لا لتعقيد رحلته، ونموذج تعليمي عربي أصيل قادر على منافسة الحلول العالمية."
وفيما يتعلق بالفوز بجائزة "الاكتشاف المبكر للمشكلات"، أكدت الشملية أنها المحطة المهمة التي أعادت صياغة مفهوم الابتكار لديها بالكامل. موضحة أن الانطباع الشائع عن الابتكار غالباً ما يرتبط بـ ”الحل الذكي”، بينما الحقيقة أن أخطر مرحلة في أي مشروع ناجح هي المرحلة التي تسبق الحل وهي مرحلة اكتشاف المشكلة الحقيقية وفهمها بعمق، بعيداً عن الأعراض الظاهرة أو الافتراضات السريعة.
وبينت: هذه التجربة علّمتنا أن فشل أغلب المشاريع لا يرجع إلى حلولها الضعيفة، بل لأنها حلّت مشكلة غير دقيقة أو غير موجودة أصلاً بالشكل الذي افتُرض. حين إن أخذ الوقت الكافي لدراسة السياق، والاستماع الحقيقي لمن يعيشون المشكلة، وتحليل البيانات المتوفرة حولها، تسهم في التعريف الدقيق للتحدي، وهذا التعريف الدقيق هو ما يقود لاحقاً إلى حلول ذات أثر فعلي، لا حلول جميلة على الورق فقط.
وذكرت الشملية إن التعلّم المستمر ليس جزءاً إضافياً في رحلتها المهنية، بل هو المحرك الأساسي لها. وإن التوقف عن التعلّم لفترة قصيرة خصوصاً في مجال الذكاء الاصطناعي يعني فعلياً التراجع إلى الوراء، لأن ما كان حديثاً بالأمس قد يصبح تقليدياً اليوم. وبينت أن التعلّم المستمر بالنسبة لها يأخذ أشكالاً متعددة يشمل القراءة والمتابعة المستمرة لتطورات الذكاء الاصطناعي، خوض تجارب عملية جديدة كالمشاركة في المسابقات وبرامج التدريب المتخصصة، والتعلّم من الفريق ومن كل مشروع تعمل عليه، سواء نجح بالكامل أو واجه تحديات، وفي سياق متصل أشارت إلى أن التعلّم الذاتي يصنع أثرًا عميقًا في شخصيتها التقنية فهو يمنحنها مرونة في التعامل مع المجهول، وثقة في مواجهة مشكلات لم تتدرب عليها مسبقاً، وقدرة على الانتقال بسرعة من مجال إلى آخر دون خوف. كما تؤمن أن الشخص التقني قادر على مواكبة المستقبل، بل وصناعته، بحيث إنه يتعامل مع التعلّم كعادة يومية، لا كمرحلة تنتهي بانتهاء الدراسة الجامعية.
وحول الفرص والمقومات أكدت أن الشباب العُماني اليوم يقف أمام فرصة تاريخية نادرة في مجالات الذكاء الاصطناعي وعلم البيانات، مدعومة بتوجه وطني واضح نحو التحول الرقمي، وباهتمام متزايد من الجهات الداعمة للابتكار وريادة الأعمال، التي ظهر جلياً في البرامج التي تطرحها المؤسسات التعليمية وبعض الشركات. موضحه أن أبرز الفرص التي تنتظر الشباب تكمن في القطاعات التي ما زالت تحتاج إلى حلول محلية مبنية على فهم عميق للسياق العُماني كالتعليم، والصحة، والبنية الأساسية، والسياحة. فالحلول العالمية الجاهزة لا تراعي دائماً خصوصية السوق المحلي، وهنا تكمن الفرصة الحقيقية لمن يمتلك المهارة التقنية مع الفهم المحلي.
وفيما يخص المقومات التي تُمكّن الشباب من الانتقال من “مستخدم للتقنية” إلى “صانع لمنتجات تنافس عالمياً”، تكمن في ثلاثة عناصر أولًا: الجرأة على البدء بمشروع فعلي بدلاً من انتظار الظرف المثالي، وثانياً: بناء فريق متكامل يجمع مهارات مختلفة، وثالثاً: عدم الاكتفاء بالسوق المحلي كسقف نهائي، بل النظر إليه كنقطة انطلاق نحو منافسة إقليمية وعالمية حقيقية. حين تتوفر هذه العناصر مجتمعة، يصبح الشباب العُماني ليس فقط مستهلكاً للمستقبل الرقمي، بل شريكاً فاعلاً في صناعته.