في مساء يوم 23 يونيو 2026 ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي في سلطنة عمان بسبب حدث فلكي نادر الحدوث بشكل واضح بهذه الدرجة كبيرة، فقد رصد العديد من المواطنين والمقيمين ظهور جسم شديد اللمعان يخترق السماء يشبهه بدرجة كبيرة كرة نارية تضيء السماء، هذا الحدث جعل العديد يتساءل عن طبيعة الجسم وما هو مصدره؟ وهل هو نيزك قادم من الفضاء اخترق الغلاف الجوي للأرض أم بقايا حطام صاروخ فضائي؟ وهل يشكل خطرا على السكان؟ والاهم من ذلك كيف تم رصده في العديد من المحافظات في ذات الوقت تقريبا؟
ورغم أن الحدث لا يعد نادر الحدوث لا في علم الفلك ولا في سلطنة عمان والتي شهدت عبر فترات متعاقبة امتدت لملايين السنين وصول نيازك مختلفة الأنواع والأحجام والمصادر(منها ما هو قادم من المريخ ومنها النيازك القمرية ومنها الصخور القادمة من حزام الكويكبات) توزع وجودها في الصحاري الممتدة عبر محافظات سلطنة عمان المختلفة، والتي أسهم المناخ الصحراوي في الحفاظ عليها وعلى بنيتها وتكوينها الكيميائي، والأهم من ذلك أنها ساهمت في تكوين فهم أعمق لتركيبة النظام الشمسي والكواكب المحيطة بالأرض، الا أن أحداث كهذه تكون مثيرة للدهشة ومصدرا لتساؤلات عديدة حول مصدر هذه الأجسام؟ وما القيمة العلمية والمعرفية التي تحملها عند وصولها إلى سطح الأرض؟ وهل يمكن أن تشكل خطرا على الإنسان والحياة على الأرض؟
وفي هذا المقال سنسلط الضوء على الظواهر الفلكية التي نراها في السماء ليس لكونها ومضات ضوئية عابرة، بل حوادث تمدنا بمعلومات عن نظامنا الشمسي والكواكب المجاورة وعن الأهمية العلمية التي تشكلها الصحاري العمانية كمستودع للنيازك النادرة ،وكيف ساهمت في خلق معرفة علمية استفادت منها البشرية في الوصول إلى المريخ وسهلت فهم أكبر للنظام الشمسي وتكوينه
الرسائل الجيولوجية من الكوكب الأحمرتعدّ النيازك المريخية أهم أنواع النيازك التي عثر عليها في سلطنة عمان من الناحية العلمية، ويعود ذلك إلى مصدر هذه الصخور ففي حين يكون مصدر النيازك المنتشرة في العديد من بقاع العالم هو حزام الكويكبات الذي يقع بين مداري كوكبي المريخ والمشتري ويبعد عنا بين 2.2 إلى 3.2 وحده فلكية ويفصل بين الكواكب الداخلية والخارجية في المجموعة الشمسية، والذي تشير النظريات إلى أنزام يعود إلى تأثير كوكب المشتري الكبير بحيث منع اندماج هذه الصخور مع بعضها لتكوين كوكب جديد عند تشكل المجموعة الشمسية ، وبالتالي فهي تحمل سمات مميزه لما كان عليه النظام الشمسي عند بدايته الأولى، غلا أن ما يميز النيازك المريخية أنها كانت تشكل جزء من قشرة المريخ الصخرية، ونتيجة لاصطدام كويكب ضخم بسطح المريخ تم قذف أجزاء من هذه الصخور خارج الكوكب نتيجة الاصطدام الشديد والتي وصلت بعد ملايين السنين إلى الأرض نتيجة تقاطع مداراتها مع مدار الأرض، لذلك لا تمثل هذه الصخور سوى نسبة قليلة من النيازك المعروفة عالميا وهذا ما يجعلها نادرة ويعطيها أهمية علمية كبيرة.
وتعد الصحاري العمانية من أكثر المواقع العالمية أهمية من حيث توافر هذا النوع من النيازك، وخاصة محافظتي الوسطى وظفار، ففي ورقة بحثية بعنوان»Mineralogical and Chemical Mapping of Martian Meteorite SaU 008 Using Deep UV Raman and Fluorescence Spectroscopy on Earth and Mars» نشرت في عام 2025 في مجلة Journal of Geophysical Research: Planets لمجموعة كبيرة من الباحثين بقيادة جوزيف رازل هوليس، أبرزت هذه الورقة القيمة العلمية للنيزك المريخي ( سيح الأحيمر 008) والذي عثر عليه في ولاية هيماء بمحافظة الوسطى عام 1999م من حيث استخدامه كأداة معايرة للجهاز SHERLOC على متن المركبة الفضائية « برسيفيرنس» التي اطلقتها وكالة الفضاء الأمريكية في مهمة لدراسة كوكب المريخ، فالنيزك كما تشير الورقة ليس مجرد قطعة صخرية قادمة من الفضاء فحسب بل إنها تحمل سمات خاصة لهذا الكوكب فالجهاز يسعى لدراسة الحقبة الزمنية القديمة لكوكب المريخ ومدى إمكانية وجود حياة في هذه البقعة من المجموعة الشمسية قبل ملايين السنين كما تشير بعض الدراسات، كما أن العلماء ومن خلال دراستهم لهذا النيزك ومعرفة التركيبة الكيميائية له جعلهم يحصلون على مرجع دقيق لمعرفة ما إذا كان يعمل جهاز SHERLOC بشكل دقيق أم أنه تأثير العوامل الطبيعة القاسية لكوكب المريخ غيرت من دقة القراءات التي يتحصل عليها وبتالي يحصل العلماء على بيانات دقيقة ومعلومات مؤكدة من المهمة العلمية للمركبة المريخية يمكن أن يبنى عليها استنتاجات دقيقة لما هو عليه تركيبة هذا الكوكب الجيولوجية والكيميائية، ولا يعتبر هذا النيزك الوحيد الذي عثر عليه في نفس المنطقة ويحظى بأهمية علمية فهناك أيضا سيح الاحيمر150(ASU 150) والذي يعتبر هو الآخر من النيازك النادرة ويستخدم لدراسة الخصائص الجيولوجية والكيميائية لكوكب المريخ ومقارنة النتائج التي ترسلها المركبة المريخية «برسيفرنس» مع النتائج التي توصل إليها العماء من هذه القطعة المريخية في المختبر والعودة لها بشكل متكرر لدراسة أي خصائص أو بيانات يحتاج لها العلماء لبناء فهم أوسع أو تحليل للقراءات القادمة من المركبة الفضائية، وقد أشارت الورقة البحثية المنشورة عام 2005 بعنوان» Petrology, shock, metamorphism and crystallization history of the Sayh al Uhaymir (SAU) 150 Martian meteorite» أهمية هذا النيزك في رسم صورة واسعة لما حدث قديما لسطح الكوكب الأحمر من اصطدام عنيف انتزع جزء من قشرته وقذف بها في مدارات بعيدا جدا وصولا الى تقاطعها مع مدارات الأرض وانجذابها الى داخل الغلاف الجوي واستقرارها في صحراء ولاية هيماء بسلطنة عمان، كتأكيد لما نشرته الأوراق البحثية الأخرى عن النيزك سيح الاحيمر 008.
ولا يقتصر وجود النيازك المريخية على محافظة الوسطى فقط فقد عثر العلماء على العديد من النيازك في محافظة ظفار منها النيزك Dhofar19 وهو الأبرز من بين النيازك التي عثر عليها في المحافظة بحكم أنه الأول الذي عثر عليه خارج محافظة الوسطى، كما أنه ساهم في معرفة التاريخ البركاني للمريخ وتأثير الاصطدامات النيزكية على سطحه والتجوية التي تعرض لها بعد سقوطه في محافظة ظفار، كما كشفت الدراسات أن هذا النيزك يتكون أساسا من عنصر البيروكسين وهو أحد المعادن شيوعا في الصخور النارية ووجوده في النيزك يشير إلى أن النيزك تكون نتيجة تبلور من صهارة (لافا) مريخيه وبتالي فهو يشكل جزء من القشرة البركانية للمريخ، وعنصر الاوليفين وهو معدن أخضر اللون غني بالمغنيسيوم والحديد ويتكون عادة عند درجات حرارة مرتفعة وهو معيار لمعرفة الظروف التي تكونت الصخور داخل كوكب المريخ.
أما العنصر الأهم فهو وجود الماسكلينات وهو في الأصل لا يعد عنصرا بحد ذاته، بل إنه قادم من ظروف قاسية تعرض لها معدن آخر يسمى الفلسبار فقد ترتيبه البلوري نتيجة اصطدام كويكب ضخم بسطح المريخ، جعل من التركيبة البلورية تتغير وتتحول إلى مادة زجاجية غير متبلورة، ورغم أن الأمر يعد غريبا في بعض جوانبه حيث إن الزجاج ينتج نتيجة انصهار، غير أن الاصطدام الهائل والقصير جدا بما لا يتعدى الأجزاء من المليون من الثانية لا تملك معه الذرات وقتا لإعادة ترتيب نفسها، فتتحول مباشرة إلى مادة زجاجية عديمة البلورات لذلك يطلق على الماسكلينايت Shock Glass.
أن وجود هذه العناصر وخاصة الماسكلينايت يعتبر بصمة لما حدث لهذه الصخور في قشرة المريخ من اصطدام عنيف وإعادة تركيب لبعض العناصر يزيد من أهمية النيزك «ظفار 019» كسجل جيولوجي طبيعي يحتفظ بتكوينه وحتى دورانه ضمن المجموعة الشمسية ووصوله إلى صحراء محافظة ظفار.
-من الفضاء إلى الغلاف الجوي
رغم أن السلطنة تزخر بوفرة هائلة من النيازك مختلفة المصدر منها النيازك القمرية والنيازك القادمة من حزام الكويكبات والنيازك المريخية والتي توفر مرجعا علميا غنيا للباحثين والفلكيين وعلماء الجيولوجيا إلا أنه لا يمكن اعتبار جميع الأجسام التي تدخل الغلاف الجوي للأرض نيازك؛ فالبعض من هذه الصخور تحترق بالكامل عند دخولها إلى الغلاف الجوي وترصد على شكل خطوط ضوئية صغيره تتلاشى في ثوان معدودة وفي هذه الحالة يطلق عليها شهب، وهناك زخات شهب معروفة طوال العام بعضها يكون كبيرا جدا بحيث يمكن رصد مئات الشهب في الساعة والبعض الآخر يكون ضعيفا لا يتعدى العشرات في الساعة الواحدة مع الأخذ بعين الاعتبار صفاء الجو وتواجد القمر في السماء في مواعيد الزخات المعروفة.
أما إن كانت هذه الشهب أكبر حجما فإنها تواجه ذات المصير لكن مدة الاحتراق وكمية الضوء المشاهدة تكون أكبر ويطلق عليها كرة نارية وتتميز بكونها أكثر وضوحا ولمعانا وتكون فترة بقائها أطول في السماء ويمكن رصدها حتى في النهار في بعض الأحيان، أما في حال اصطدام جزء من هذه الصخرة بالأرض فهنا يطلق عليها نيازك وتكون قيمتها العلمية كبيرة جدا، وتعتبر ثروة وطنية لا يمكن التعدي عليها بموجب القوانين في سلطنة عمان.
وفي حال الجسم المشاهد في مساء يوم 23 يونيو فإنه وبحسب المشاهدات الواردة من المواطنين والمقيمين والصور والفيديوهات التي تم التقاطها لهذا الجسم فإن الحدث يأخذ احتمالين، الأول أن يكون الجسم عبارة عن كرة نارية احترقت بالكامل عند وصولها إلى الغلاف الجوي للأرض وما يعزز هذا الاحتمال اللون الأخضر القادم من الجسم والذي يشير إلى وجود معدني الحديد والنيكل وبعض العناصر في الكرات النارية، أما الاحتمال الآخر فيشير إلى أنه بقايا من حطام فضائي منتشر بكثرة في المدارات المنخفضة للأرض وأيضا تعرض للاحتراق بالكامل لدى وصوله إلى الغلاف الجوي وما يعزز هذا الاحتمال السرعة البطيئة التي تحرك بها الجسم أثناء دخوله للغلاف الجوي للأرض عكس السرعات المعروفة للشهب أو الكرات النارية، وما جعل الأمر مشاهدا للعديد من الأشخاص في محافظات مختلفة هو الارتفاع الشاهق للاحتراق عند وصول الجسم للغلاف الجوي للأرض مما يسمح بتوسعة رقعة المشاهدة لتشمل نطاق جغرافي أكبر.
إن الأجسام القادمة من الفضاء تعطي إشارات علمية لما هو عليه النظام الشمسي المحيط بنا وتسهم في تعزيز الفهم بشكل أكبر للتكوين الكيميائي والجيولوجي لمصدر هذه الصخور سواء عند الاحتراق بالكامل من خلال تحليل الطيف لهذا الجسم سواء كان شهاب أو كرة نارية ومعرفة العناصر المكونة له، أو من خلال دراسة تركيب الصخرة ومكوناتها في حال كان هذا الجسم نيزك يصطدم بسطح الأرض في أي جزء من دول العالم، كما أن الأهمية الجيولوجية والعلمية للصحاري العمانية تتركز في احتوائها على العديد من هذه الصخور مختلفة المصدر مما يفتح آفاقا كبيرة للاستفادة من هذه الثروة تجارياً في عمليات التصنيع للمواد النادرة والمقتنيات الثمينة، أو من خلال السياحة الجيولوجية والفلكية لتعريف الزائر بما تحتويه الصحاري العمانية من ثروات قادمة من الفضاء الخارجي عبر ملايين السنين، كما أنها تتيح نشر أوراق بحثية أكبر من قبل المتخصصين في سلطنة عمان تعزز من مكانة البحث العلمي وتغذي اقتصاد المعرفة بما يتوافق ورؤية «عمان 2040».
د. إسحاق بن يحيى الشعيلي رئيس مجلس إدارة الجمعية العمانية للفلك والفضاء