تخيل أنك تجلس أمام مسألة رياضية استعصت عليك لساعات. كتبت عشرات المعادلات، وجرّبت أكثر من طريق، وعدت إلى البداية مرات عديدة. ثم تترك الورقة، تذهب لشرب القهوة، وربما تنسى المسألة لبعض الوقت. وفجأة، من دون أن تعرف تمامًا من أين جاءت الفكرة، ترى الحل. ليس مجرد تخمين عشوائي، بل لحظة غريبة تشعر فيها بأنك رأيت شيئًا لم تكن تراه من قبل، وأن الحل لا يمكن إلا أن يكون هكذا.
بالنسبة لعالم الرياضيات والفيزياء البريطاني روجر بنروز، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 2020، هذه اللحظة ليست مجرد تفصيل نفسي لطيف في حياة الرياضيين. ربما تكون نافذة على واحد من أعمق أسرار الطبيعة. فمنذ عقود يطرح بنروز سؤالًا مزعجًا: ماذا لو كان
العقل البشري يفعل شيئًا لا تستطيع أي خوارزمية أن تفعله؟ وماذا لو كان الوعي، لهذا السبب، مرتبطًا بنوع من الفيزياء لم نكتشفه بعد؟
هذا السؤال وضع بنروز في موقع غريب داخل النقاش العلمي حول الوعي. فهو لا ينطلق، مثل معظم علماء الأعصاب، من الخلايا العصبية والشبكات الدماغية، ولا يبدأ، مثل علماء الذكاء الاصطناعي، من الخوارزميات ونماذج التعلم. بل يبدأ من مكان غير متوقع تمامًا من منطق الرياضيات. منذ آلان تورينغ في ثلاثينيات القرن العشرين أصبح لدينا تصور رياضي دقيق إلى حد بعيد لما نعنيه بعبارة «خوارزمية». يمكن التفكير في الخوارزمية باعتبارها مجموعة محددة من القواعد أعطني مدخلًا، وسأتبع سلسلة من الخطوات المنطقية، وفي النهاية سأعطيك نتيجة. وكل البرامج التي نستخدمها اليوم، مهما بلغت درجة تعقيدها، تدخل من حيث المبدأ في هذا العالم مدخلات، ثم قواعد محددة، ثم مخرجات. حتى نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة، رغم مليارات المعاملات والشبكات العصبية المعقدة، ما تزال تعمل من خلال عمليات رياضية يمكن للحاسوب تنفيذها.
الآلة التي تستطيع
فعل كل شيء.. تقريبًا
وهنا يبدأ سؤال بنروز. هل التفكير البشري نفسه مجرد نسخة مذهلة التعقيد من هذه العملية؟ إذا كان الجواب نعم، فإن العقل في النهاية ليس سوى حاسوب بيولوجي بالغ التعقيد، ويمكن من حيث المبدأ محاكاته بالكامل على آلة قوية بما يكفي. لكن بنروز يعتقد أن هناك سببًا رياضيًا عميقًا للشك في ذلك، وهذا السبب يحمل اسم كورت غودل.
في عام 1931 نشر عالم المنطق النمساوي كورت غودل واحدة من أكثر النتائج إثارة في تاريخ الرياضيات: مبرهنات عدم الاكتمال. وبصورة مبسطة، تقول الفكرة إنه إذا كان لديك نظام رياضي صوري قوي بما يكفي للتعامل مع الحساب، وكان هذا النظام متسقًا، فستوجد عبارات رياضية صحيحة لا يستطيع النظام نفسه إثباتها. أي أن هناك فجوة بين ما هو صحيح وما يمكن إثباته داخل نظام معين. وهذه ليست مشكلة مؤقتة بسبب ضعف النظام أو لأننا لم نعثر على البرهان بعد، بل نتيجة بنيوية لا يمكن التخلص منها بمجرد إضافة المزيد من القواعد. كلما صنعت نظامًا أقوى، ظهرت أمامه حدود جديدة.
بالنسبة إلى معظم علماء المنطق، هذه حقيقة مذهلة عن طبيعة الأنظمة الرياضية. أما بنروز فيرى فيها شيئًا أكثر إثارة. لنفترض أن لدينا آلة رياضية تعمل وفق نظام صوري معين . طبقًا لغودل، يمكن بناء جملة لا يستطيع النظام إثباتها، رغم أنها، إذا كان النظام متسقًا، صحيحة. وهنا يقول بنروز: إن الرياضي البشري يستطيع أن ينظر إلى بنية الحجة ويقول إذا كان النظام متسقًا، فإن هذه الجملة صحيحة.
هنا يظهر الفرق الذي يعتقد بنروز أنه موجود بين اتباع القواعد وفهم معنى القواعد. فالآلة تعمل داخل النظام، بينما يبدو العقل، على الأقل في بعض الحالات، قادرًا على الوقوف خارجه والنظر إليه من أعلى. وهذه النقطة هي قلب فلسفة بنروز عن الوعي.
قد يستطيع الحاسوب تنفيذ ملايين البراهين في الثانية، لكن هل يعني ذلك أنه يفهم لماذا تكون نظرية معينة صحيحة؟ يميز بنروز هنا بين التلاعب بالرموز وفق قواعد محددة، وبين فهم معنى هذه الرموز وما تشير إليه. يمكن لآلة شطرنج أن تحلل مليارات الوضعيات، ويمكن لنظام برمجي أن يثبت مبرهنة، ويمكن لنموذج لغوي أن ينتج شرحًا ممتازًا لنظرية رياضية. لكن بنروز سيسأل: هل يوجد هناك من «يرى» الحقيقة؟
بالنسبة إليه، الفهم الرياضي ليس مجرد انتقال ميكانيكي من سطر إلى السطر التالي. هناك شيء يحدث عندما يكتشف الرياضي بنية جديدة، أو عندما يدرك فجأة لماذا لا يمكن أن تكون النتيجة إلا بهذه الصورة. وربما تكون لحظات الاستبصار هذه من أكثر الأشياء التي تكشف، في رأي بنروز، عن طبيعة الوعي.
هذا لا يعني أنه يرى الدماغ كله كشيء غامض أو غير خوارزمي. على العكس، من السهل تخيل أن قدرًا ضخمًا مما يفعله الجهاز العصبي يمكن وصفه بالحساب. التعرف على الأشياء، وتقدير المسافات، وتنسيق حركة العضلات، وتكوين العادات، واسترجاع الذكريات، وحتى أجزاء كبيرة من اللغة والتفكير؛ كل هذه العمليات قد تكون، من حيث المبدأ، قابلة للتنفيذ بواسطة شبكات عصبية وحسابات معقدة.
لكن بنروز يقترح أن هناك طبقة إضافية تظهر خصوصًا في الوعي والإبداع والفهم. يمكن تصور فكرته كأن الدماغ يجري قدرًا هائلًا من المعالجة الحسابية غير الواعية، ثم تتراكم هذه العمليات، وفي لحظة معينة يظهر الاستبصار. السؤال هو: ما الذي يحدث في تلك اللحظة الأخيرة؟ وإذا لم يكن مجرد حساب، فمن أين يأتي؟
البحث عن شيء غير
خوارزمي في الطبيعة
هنا ينتقل بنروز من الرياضيات إلى الفيزياء. فإذا كان العقل يفعل شيئًا غير قابل للاختزال إلى خوارزمية، فلا بد، حسب منطقه، أن توجد في الطبيعة عملية فيزيائية غير قابلة للاختزال هي الأخرى إلى الحساب التقليدي. لكن أين يمكن أن نجد مثل هذه العملية؟
الميكانيكا الكلاسيكية تبدو حسابية للغاية. إذا عرفت حالة النظام وقوانين الحركة، يمكنك نظريًا حساب ما سيحدث بعد ذلك. وحتى الجزء المألوف من ميكانيكا الكم يسير وفق معادلات رياضية محددة. إذن أين يمكن أن تختبئ العملية التي يبحث عنها بنروز؟ بالنسبة إليه، هناك مكان واضح مثير للريبة: انهيار الدالة الموجية.
تسمح ميكانيكا الكم للجسيم بأن يوجد في تراكب من حالات متعددة.
أي إن النظام ليس في الحالة س وحدها ولا في الحالة ص وحدها، بل في تراكب بينهما. لكن عندما نقيس النظام نجد نتيجة محددة: إما س أو ص . ما الذي حدث؟ في الصياغة التقليدية نقول إن الدالة الموجية «انهارت»، لكن كلمة «انهارت» تخفي وراءها مشكلة ضخمة. ما الذي يجعل القياس مميزًا؟ متى يحدث الانهيار؟ هل يحتاج إلى مراقب؟ وهل يجب أن يكون جهاز القياس نفسه كلاسيكيًا؟ ومتى يتحول النظام الكمومي إلى عالم الأشياء اليومية الذي نعرفه؟
هذه هي مشكلة القياس في ميكانيكا الكم، وبنروز يعتقد أنها ليست مجرد مشكلة فلسفية، بل ربما تكون علامة على أن النظرية نفسها غير مكتملة.
المثير هنا أن بنروز لا يقول إن الوعي هو الذي يسبب انهيار الدالة الموجية، كما اقترحت بعض التفسيرات القديمة لميكانيكا الكم. بل يكاد يقلب الفكرة رأسًا على عقب: ربما تكون أحداث الانهيار الفيزيائي نفسها جزءًا مما ينتج الوعي.
لكن حتى هذه النقطة ما تزال هناك فجوة هائلة. الجاذبية الكمومية شيء، والدماغ شيء آخر تمامًا. كيف تنتقل من مبرهنات غودل ومشكلة القياس إلى خلية عصبية حقيقية؟
هنا يدخل عالم التخدير الأمريكي ستيوارت هاميروف إلى القصة. اقترح هاميروف أن الهياكل المجهرية الموجودة داخل الخلايا، والمسمّاة الأنابيب الدقيقة، قد تستطيع دعم عمليات كمومية ذات أهمية بيولوجية. الأنابيب الدقيقة جزء معروف من الهيكل الداخلي للخلية، ولها أدوار أساسية في دعم بنيتها ونقل المواد وتنظيم عدد من العمليات الخلوية. لكن هاميروف اقترح دورًا أكثر غرابة بكثير ربما تستطيع هذه البنى تنظيم حالات كمومية معقدة داخل الخلايا العصبية.
تعاون بنروز وهاميروف في تطوير نظرية تعرف باسم الاختزال الموضوعي المنسق. ووفق هذه النظرية، يمكن تصور عملية الوعي كسلسلة تبدأ بالنشاط العصبي، ثم تنشأ أو تنظم حالات كمومية معينة داخل الأنابيب الدقيقة، ثم تصل هذه الحالات إلى عتبة يحدث عندها الاختزال الموضوعي، وينتج عن ذلك ما يشبه «لحظة واعية».
فكرة المنسق أو المنظم في اسم النظرية، مهمة للغاية. فالانهيار العشوائي وحده لا يصنع عقلًا. وهذه نقطة يصر عليها بنروز كثيرًا. فإذا كان الحاسوب حتميًا أكثر مما ينبغي، قد يقول أحدهم حسنًا، نضيف بعض العشوائية الكمومية ونكون قد حصلنا على شيء غير خوارزمي. لكن بالنسبة إلى بنروز، هذا لا يحل المشكلة.
إذا كان لديك نظام حتمي ثم أضفت إليه متغيرًا عشوائيًا فأنت لم تنتج فهمًا، بل صنعت فقط خوارزمية ترمي النرد. الاختيار العشوائي لا يعني الاستبصار، والضوضاء ليست وعيًا. ولذلك يبحث بنروز عن شيء أكثر غرابة عملية ليست حتمية حسابية عادية، لكنها أيضًا ليست مجرد صدفة عشوائية. وهنا تصبح المسألة، في رأيه، متصلة بفيزياء عميقة لم نعرفها بعد، ربما في المنطقة التي ستجمع يومًا ما بين ميكانيكا الكم والجاذبية والذي يعتبر حلم الفيزيائيين في توحيد الفيزياء.
ومن النتائج المثيرة في تصور هذه النظرية أن الوعي قد لا يكون تيارًا مستمرًا تمامًا كما نتصوره، بل ربما يكون أقرب إلى سلسلة من اللحظات الواعية المنفصلة، تتخللها فترات من المعالجة غير الواعية. معالجة، ثم لحظة وعي، ثم معالجة أخرى، ثم لحظة وعي أخرى، وهكذا. تشبه الفكرة، بصورة تقريبية جدًا، فيلمًا يبدو متصلًا رغم أنه يتكون من إطارات منفصلة. ليس معنى ذلك أننا نشعر بانقطاعات بين لحظات وعينا، كما لا نرى الانقطاعات بين إطارات الفيلم. وقد اقترح هاميروف وبنروز وجود روابط بين هذه الأحداث وبعض الإيقاعات الكهربائية في الدماغ، لكن هذه التفاصيل تحديدًا شديدة الجدل ولم تتحول إلى نموذج متفق عليه في علم الأعصاب.
عالم المادة وعالم العقل
وعالم الرياضيات
مع ذلك، فإن فلسفة (بنروز) لا تتوقف عند الدماغ أو ميكانيكا الكم. هناك فكرة أعمق تفسر أصلًا لماذا يرى المشكلة بهذه الطريقة بنروز يميل بقوة إلى الأفلاطونية الرياضية، أي الاعتقاد بأن الحقائق الرياضية ليست مجرد اختراعات بشرية. نحن، في هذا التصور، لا نخترع الأعداد الأولية بالطريقة التي اخترعنا بها لعبة الشطرنج، بل نكتشف خصائصها. ولم يصمم أحد التعقيد المذهل لمجموعة ماندلبروت قبل أن يكتشفه الرياضيون؛ فكل تلك البنى كانت كامنة، بصورة ما، في قاعدة رياضية بسيطة.
لهذا يتحدث بنروز أحيانًا عن ثلاثة عوالم مترابطة العالم الرياضي الأفلاطوني، والعالم الفيزيائي، والعالم العقلي الواعي. والعلاقة بينها محيرة. فالرياضيات تصف العالم الفيزيائي بدقة مذهلة، والعالم الفيزيائي ينتج أدمغة، والأدمغة تنتج عقولًا تستطيع بدورها فهم الرياضيات. وهكذا نحصل على دائرة عجيبة فالرياضيات تؤدي بنا إلى الطبيعة، والطبيعة إلى العقل، والعقل يعود مرة أخرى إلى الرياضيات.
بالنسبة إلى بنروز، ربما يكون وجود هذه الدائرة إشارة إلى أن الصورة المادية البسيطة للعقل غير مكتملة.
ومن المستحيل اليوم قراءة أفكار بنروز من دون التفكير في الذكاء الاصطناعي الحديث. فالأنظمة الحالية تستطيع كتابة الشعر، وحل مسائل رياضية، وشرح الفيزياء، وإنتاج البرمجيات، وإجراء محادثات تبدو أحيانًا بشرية بدرجة مذهلة. فهل يغير ذلك اعتراض بنروز؟
ليس بالضرورة. فالسؤال بالنسبة إليه ليس: هل تستطيع الآلة أن تتصرف بذكاء؟ بل: هل يوجد فهم حقيقي وراء هذا السلوك؟
قد يكون لدينا نظام ينفذ تحويلًا رياضيًا معقدًا للغاية من السياق إلى احتمالات للكلمات التالية، وينتج عن ذلك سلوك يدهشنا. لكن بنروز سيظل يسأل: هل النظام يدرك معنى ما يقوله؟ هل «يرى» أن برهانًا ما صحيح؟ هل توجد تجربة ذاتية وراء الحساب؟ بالطبع هذه الأسئلة ليست سهلة حتى من حيث تعريفها، لكنها توضح أن اعتراض بنروز لا يتعلق فقط بالقدرة العملية للآلة، إنما بطبيعة الفهم نفسه.
ومع كل ذلك، من المهم عدم الخلط بين إثارة أفكار بنروز وبين قبول المجتمع العلمي لها. الاعتراضات على مشروعه عديدة وقوية. أولها أن حجة غودل ليست دليلًا متفقًا عليه على أن العقل غير قابل للحوسبة. فعندما يقول الإنسان إن جملة غودل صحيحة، فإنه يفترض عادة اتساق النظام الرياضي الذي يتحدث عنه. لكن كيف يعرف الإنسان أن النظام متسق؟ البشر يرتكبون أخطاء، ولا يوجد ما يضمن أن قدرتنا الرياضية نفسها لا يمكن وصفها بخوارزمية شديدة التعقيد لا نعرفها. لذلك يرى كثير من علماء المنطق أن الانتقال من عبارة «هناك حقائق لا يستطيع نظام صوري معين إثباتها» إلى عبارة «إذن العقل البشري غير خوارزمي» ليس انتقالًا منطقيًا إلزاميًا.
أما الاعتراض الثاني فهو فيزيائي. الدماغ، في الظاهر على الأقل، مكان سيئ للغاية للحفاظ على حالات كمومية حساسة. فهو دافئ، ومليء بالماء، والتفاعلات الكيميائية والحرارية داخله هائلة. والحالات الكمومية الكبيرة تميل إلى فقدان ترابطها بسرعة بسبب التفاعل مع البيئة. يجادل أنصار بأن الأنابيب الدقيقة قد تمتلك خصائص تسمح بحماية بعض الحالات أو تنظيمها، لكن هذه المسألة لم تُحسم تجريبيًا.
يمكن تلخيص الرهان الفكري لبنروز بهذه السلسلة: الحقيقة الرياضية أوسع من البرهان الصوري، وربما يكون الفهم بدوره أوسع من الحساب. وإذا كان العقل يستطيع الفهم بطريقة تتجاوز الحساب، فلا بد أن توجد في الدماغ عملية فيزيائية تتجاوز الصورة الحسابية التقليدية. وهنا يبدأ بنروز البحث عن تلك العملية في أغرب منطقة في الفيزياء الحديثة، عند الحد الفاصل بين ميكانيكا الكم والجاذبية. من هنا يصل إلى الاختزال الموضوعي، ثم إلى الفكرة المثيرة بأن لحظة الوعي ربما تكون، بصورة ما، حدثًا يحدث في البنية الأساسية للزمكان نفسه. هل هذا صحيح؟ لا نعرف. الأدلة الحالية بالتأكيد لا تجعل هذه النظرية التفسير السائد للوعي. معظم علماء الأعصاب يفضلون البحث في النشاط العصبي، والاتصالات بين مناطق الدماغ، وديناميكيات المعلومات، والانتباه والذاكرة والتنبؤ. لكن ربما لا تكمن قيمة أفكار بنروز في أنها قدمت الحل، بل في أنها وضعت السؤال في مكان غير مريح.
فنحن نسابق اليوم لبناء آلات أذكى فأذكى، بينما لم نحسم بعد تمامًا ما الذي نعنيه بكلمة الذكاء. ونستطيع وصف نشاط مليارات الخلايا العصبية وربط أجزاء الدماغ بوظائف مختلفة، لكن يبقى هناك سؤال بسيط بصورة مخيفة: لماذا لا تحدث كل هذه العمليات في الظلام؟ لماذا يوجد أصلًا شخص في الداخل؟
ولعل هذا هو أكثر ما يجعل رهان بنروز مثيرًا. فقد يكون مخطئًا تمامًا في استخدامه لغودل، وقد تكون الأنابيب الدقيقة طريقًا مسدودًا بالكامل. لكن السؤال الذي وضعه أمامنا يظل قائمًا إذا كان الحاسوب يستطيع تنفيذ كل خطوة من خطوات التفكير، فهل تنفيذ الخطوات هو نفسه أن تفهم؟
وربما يكون الجواب عن هذا السؤال هو الذي سيحدد يومًا ما ما إذا كان الوعي مجرد برنامج بالغ التعقيد يعمل داخل الدماغ، أم أن الطبيعة تخفي، تحت طبقات الرياضيات والفيزياء، شيئًا أغرب بكثير.
بيشوي قليني كاتب ومهندس بيانات