”مشروع بنما هو مسعانا لمسح كل كتب العالم مسحاً تدميرياً“ - مذكرة داخلية لشركة أنثروبيك المطورة لأداة الذكاء الاصطناعي ”كلود“، مصدر الاقتباس هو المستند رقم 21 المقدم أمام المحكمة في قضية بارتز ضد أنثروبيك.
تُشير إحصائيات اهريفس Ahrefs إلى أن 74٪ من صفحات الإنترنت تحوي محتوى منتجا عبر الذكاء الاصطناعي. توصلت المنصة في أبريل 2025 إلى هذا بعد تحليل 900 ألف صفحة أُنشئت حديثاً؛ لتجد أنها منتجة آلياً إما بشكل كلي أو جزئي. ولم يتجاوز المحتوى المنتج كلياً عبر البشر 26٪! بالطبع تعترف المنصة أن كاشف المحتوى الآلي ليس دقيقاً؛ إذ لا يمكن القول قطعاً ما إن كان محتوى ما قد أنتجه الإنسان أو الآلة. يمكن فقط التخمين بقدر معقول من الثقة.
لا يعني هذا فحسب أننا كبشر نتعرض لمحتوى مكتوب آلياً أكثر من تعرضنا للمحتوى البشري الخالص، بل يعني أيضاً أن أدوات الذكاء الاصطناعي نفسها تستخدم الآن وتتدرب على محتوى أنتجته الآلة. إنها ببساطة تقتات على ما تُخرج!
تُسمى ظاهرة الإنتاج الرقمي الآلي الغزير والرديء AI slop أو دَلق الذكاء الاصطناعي، وتُترجم أحياناً لـ ”سلوب“ ببساطة، أو ”محتوى منخفض الجودة مولد بالذكاء الاصطناعي“، إلا أن الترجمة الأخيرة تنجح في التقاط إحدى خصائص الظاهرة، أي رداءة المحتوى، لكنها لا تعكس الزخم أو سعة الإنتاج.
كثير منا وجدوا أنفسهم مؤخراً يمرون على أول فقرتين من النص المكتوب، يشعرون أنه مكتوب بحذاقة ودون أخطاء إملائية نعم، ولكن أيضاً يحمل معنى غامضا، يفتقر للجوهر، ولا يقول شيئاً فعلاً. عنى هذا أن الشركات تخسر أهم أصولها: انتباهنا. وهدد فوق ذلك بـ“انهيار النموذج“، فتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على بيانات مُولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي يعني أن ننتهي إلى نماذج أسوأ وأكثر عرضة للأخطاء.
فوق هذا فمقاومة الناس للذكاء الاصطناعي واعتراض الكُتاب على استخدام إبداعاتهم دون إذن أو اعتراف، يجعلهم يلجأون إلى تعمد تسميم الآلة عبر المحتوى التخريبي المصمم للتلاعب بها وتلويث المحتوى الذي تتدرب عليه.
لحل هذه المشكلة توجهت الشركات المطورة لأدوات الذكاء الاصطناعي إلى المكان الذي لم تمسه يد الآلة: الكتب. الكتب المنتجة قبل 2022 تحديداً. وكلما كان الكتاب أكثر ندرة، عنى هذا الوصول إلى محتوى حصري وضمان تفوق الأداة على منافستها.
عندما بدأت شركة ISBNdb في يوليو من هذا العام الترويج لخدماتها، لم تدرك أي فضيحة ستفجر. أعلنت الشركة عن خدمة توفير كتب مطبوعة وبأعداد كبيرة لصالح شركات الذكاء الاصطناعي بغرض التدريب على بيانات جديدة، معلنة أن أفضل بيانات التدريب لا توجد في زوايا الإنترنت، بل تقعد على رفوف المكتبات. لكن الأمر أن هذه العملية ترتبط بالمسح الضوئي المدمر للكتب؛ إذ يقطع الموردون المتعاقدون كعوب وحواف الكتب لتسهيل عملية المسح. بعدها تُتلف النسخ الأصلية.
كثيرون ممن مرّ عليهم خبر إتلاف الكتب النادرة لم يصدقوا أن هذا ممكن الحدوث. لكن السنوات الأخيرة علمتنا أننا في عالم عبثي يُسيّره الجشع، ويُديره مهرجون خرقى وتجار بلا رحمة. وأن نهج الشركات هذا - الأسوأ من المحارق، من محاكم التفتيش، أو غزوة مغولية - يمر دون محاسبة، بل أنه محمي قانونياً.
يُمكن للشركات ببساطة استخدام الكتب الإلكترونية، لكن هذا سيعني أنها ستحتاج لحيازة الإذن وشراء الحقوق. أما الكتب المطبوعة فتوفر للشركات ثغرة قانونية تعفيهم من صداع المحاكم. إذ يتيح قانون حقوق الطبع والنشر الأمريكي ضمن مبدأ «الاستخدام العادل» إجراء استخدام «تحويلي» للأعمال المحمية بحقوق الطبع والنشر دون الحصول على إذن من المالك. والإجراء التحويلي الذي أجرته أنثروبيك؛ لتتمكن من إلقام النصوص للنماذج اللغوية التي تدربها، هو تحويل الصيغة المطبوعة إلى صيغة إلكترونية بعد مسحها ضوئياً. وبهذا - تُجادل الشركة - أنها لا ترتكب خرقاً قانونياً ما دام استخدام الصيغة الإلكترونية يبقى داخلياً، وما دامت لا تعرض ولا تُشارك ولا تبيع النسخة خارج الشركة.
في تسوية تاريخية، وافقت أنثروبيك على دفع مليار ونصف دولار لإنهاء دعوى جماعية رفعها مجموعة مؤلفين اتهموا الشركة بإساءة استخدام كتبهم لتدريب ”كلود“. والواقع أن المحكمة وجدت أن ممارسة أنثروبيك - المتمثلة في اقتناء الكتب المطبوعة، مسحها وإتلافها - تقع ضمن مبدأ الاستخدام العادل. وهو استخدام عادل تحديدا؛ لأن الكتب الأصلية أُتلفت، ما لا يترك مجالاً للشك بأن الشركة التزمت باستخدام صيغتها المحولة. ما أدانته المحكمة بالمقابل، وما دُفعت التسوية لأجله هو احتفاظ أنثروبيك بمكتبة مركزية تحوي أعمالاً مقرصنة.
يا لها من نكتة ثقيلة: لا يعد إتلاف ملايين الكتب جريمة، بل أن فعل الإتلاف هو ما يبرأهم. لا يُحاكم من يُدمر مصادر المعرفة، ويُحاكم من ينشرها. لا يُجرم القانون حرمان العالم من كتاب تُتلف آخر نسخة هكذا.
في مقاله الاستقصائي على موقع 404 MEDIA يلفت إيمانويل مايبرغ Emanuel Maiberg انتباهنا إلى وعي شركات مثل ISBNdb بمدى أهمية السرية في هذه الممارسة المرتبطة بإتلاف الكتب المطبوعة بالنسبة لشركات التكنولوجيا المستفيدة من خدماتها، فتطمئنهم بالتزامها الصارم باتفاقية عدم الإفصاح، التي تحرم عليهم قانونياً الكشف عن هوية، استراتيجية، أو غرض الاستحواذ على الكتب.
تجار بيع الكتب الذين أصبحوا يتلقون طلبات هائلة، خصوصاً على الكتب النادرة، يجدون أنفسهم محتارين أمام المعضلة. من جهة فإن مبيعاتهم في ازدياد لم يشهدوا مثله، والكتب التي تكدست في المخازن لسنوات تخرج أخيراً، من جهة أخرى هم واعون بالاستيلاء الثقافي الجاري، كما يعون أن إتلافها يحرم البشرية من معارف لا تعوض. أحد أصحاب المتاجر التي تتبعها مايبرغ يقول: إنه بينما كان يبيع حوالي 20 كتاباً في الأسبوع، صار يبيع المئات منذ أبريل. ورغم أنه لا يملك دليلاً على أنها تؤول إلى شركات الذكاء الاصطناعي، إلا أن نمط الشراء بالجملة، حيازة الكتب المتخصصة التي لا يجمعها رابط - يجعله يُرجح أنها طلبات آلية لحيازة الكتب بغرض تدريب النماذج اللغوية.
من سخرية القدر، أن الملكية الفكرية التي أثرت الشركات الكبرى لسنوات تقف اليوم عائقاً، فنرى الأثرياء اليوم يُجادلون حول أهمية إتاحة المعرفة. ولا يريدون بذلك سوى إقناع الفنانين والكتاب للتنازل عن حقوقهم، أما المعرفة نفسها فهم يُدمرون أسسها، وطرقها، ومصادرها.
يا له من مشهد ديستوبي فعلاً! كُتب نادرة يستميت القراء للحصول عليها، ومعارف يستميت الباحثون للوصول إليها، تُحول لنتف من الورق تُحشر في بطن الشركات التي لا تشبع.