تكشف مؤشرات السياحة خلال الربع الأول من العام الجاري عن تقدم يستحق القراءة من زاوية أوسع من خلال حركة الزوار وأعداد المنشآت، فقد ارتفعت مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية من 2.6% إلى 2.9%، وبلغ الناتج المباشر للسياحة 293.8 مليون ريال عُماني، بنمو قدره 6.5%. وتكتسب هذه النتائج أهميتها من ناحية اتصالها بمسار تصاعدي رفع مساهمة القطاع من 1.6% عام 2020 إلى مستواها الحالي.
وتقدم الأرقام بالأسعار الثابتة قراءة أكثر تحفظا ودقة؛ إذ نما الناتج المباشر للسياحة بنسبة 2.8%، ليصل إلى 279.9 مليون ريال. والفارق بين النمو بالأسعار الجارية والثابتة يشير إلى أن جزءا من الزيادة يعود إلى تغيرات الأسعار، فيما يعبر الجزء الآخر عن توسع حقيقي في النشاط. وهذه المقارنة ضرورية حتى تقوم السياسات والتوقعات على الحجم الفعلي للنمو، بعيدا عن المبالغة أو التقليل من قيمة ما تحقق.
وتظهر تركيبة القيمة المضافة أن السياحة أصبحت شبكة اقتصادية تمتد إلى الإقامة ووكالات السفر والحجز والنقل والمطاعم. فقد استحوذت خدمات الإقامة على 24.8% من القيمة المضافة المباشرة، تلتها وكالات السفر والحجز بنسبة 19.7%، ثم النقل والمطاعم. ويعني هذا الاتساع أن أثر السائح يمكن أن ينتقل إلى عدد كبير من الأنشطة، وأن القطاع يمتلك قدرة مضاعفة على تحريك الاستثمار والتشغيل وتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
ويتمثل التحدي في تعميق هذه الروابط داخل الاقتصاد الوطني، فالقيمة الاقتصادية للسياحة ترتفع كلما طالت إقامة الزائر، وزاد إنفاقه، واتسعت مشترياته من المنتجات والخدمات المحلية. وتحتاج المرحلة المقبلة إلى قياس مقدار ما يبقى من هذا الإنفاق داخل عُمان، وحصة المؤسسات الصغيرة منه، وعدد الوظائف المستدامة التي يولدها، ومدى توزيعه بين المحافظات.
تملك كل محافظة مقومات تسمح لها ببناء منتج سياحي مميز، لكن تحويل المقومات الطبيعية والثقافية إلى اقتصاد يتطلب تجربة متكاملة قابلة للحجز والوصول والاستهلاك. ويشمل ذلك كفاءة النقل وجودة الإيواء وتأهيل المرشدين وحماية المواقع وتطوير الفعاليات، وتوفير المعلومات الرقمية، وربط السياحة بالصناعات الحرفية والمنتجات الثقافية المحلية، كما يقتضي تنويع الأسواق واستهداف الشرائح الأعلى إنفاقًا والأطول إقامة، استنادًا إلى البيانات الدقيقة.
ويضع مستهدف رفع مساهمة السياحة إلى 3.5% بحلول 2030 ثم 5.3% بحلول 2040 معيارا واضحا للسياسات، وتظل نتائج الربع الأول مؤشرا مرحليا يحتاج إلى تأكيده عبر الأداء السنوي، مع مراعاة اختلاف المواسم وتغير الطلب العالمي.
لقد قطعت السياحة العُمانية مسافة مهمة على طريق التحول إلى قطاع إنتاجي. أما الاختبار الحاسم، فيكمن في تحويل نموها إلى قيمة محلية أعمق، ووظائف أفضل، وفرص استثمار تصل إلى المحافظات وتمنح التنويع الاقتصادي قاعدة أكثر اتساعًا واستدامة.