نهاية الأسبوع، كنت أحاول العثور على حل مشكلة تقنية في جهازي، فوجدت نفسي - بالمصادفة- في دردشة طويلة مع جيمني (نموذج الذكاء الاصطناعي من جوجل)، فبينما كان يقدم حلًا برمجيا للمشكلة يمكن كتابته بلغة الأوامر، أعطاني أمرا خاطئا عن المشكلة التي أحاول حلها، وحين واجهته بالخطأ بدأ يبدي اعتذاراته المطولة وتملقاته السمجة وثرثرته، الأمر الذي أزعجني أكثر من الخطأ والجهاز نفسه، ومن هناك تحولت الدردشة إلى موضوع ادعاءات الذكاء الاصطناعي الزائفة، وتملق المستخدم بأي شكل، والمخاطر المترتبة على مثل هذه الأخطاء في المستقبل، ومنها إلى القواعد الأخلاقية لنماذج الذكاء الاصطناعي، المحددة في التصميم والبرمجة الأولية والتحديثات، ما جعل الدردشة تطول إلى اللحظة التي انتبهت فيها لسخافة موقفي بإجراء حوار من هذا النوع بدل إنهاء مهمتي الأولى. 

في الواقع أن تلك الدردشة الطويلة أعادتني لعدة حوادث وقعت مؤخرا، فيمكنني الجزم أن في كل وسيلة إعلامية أو منصة أو موقع اليوم هناك خبر أو مقال عن موضوع الذكاء الاصطناعي، وهذا أحدها، وكأن البشرية اليوم تمر بمرحلة تعارف مع هذه التقنية الحديثة، وحين قامت شركة جوجل بوضع خيار الذكاء الاصطناعي في محركات البحث في مايو ٢٠٢٥م، بالتزامن مع ضعف نتائج البحث على الشبكة في الأعوام الأخيرة، فإن ما حدث هو أننا تدرجنا في مراحل التعارف (نظرة فابتسامة فسلام فموعد فلقاء)، هذا عدا من استبقوا المجال منذ بداياته عبر اشتراكاتهم في نموذج (تشات جي بي تي) لشركة أوبن Open AI وغيرها، بحكم احتياجاتهم أو أعمالهم. 

في أسفل كل إجابة، أو في واجهة الموقع والتطبيق، أو في العقد الذي يوقع عليه المستخدم، تجد تلك العبارة التحذيرية عن أخطاء نماذج الذكاء الاصطناعي، وواقع الحال أن هذه المرحلة التي نعيشها ليست مفاجئة أو غريبة ولا شاذة عن سياق التطور التقني والأكاديمي منذ السبعينيات، لكنه تطور تدفعه اليوم شراهة الشركات للربح، حيث وجدنا أنفسنا اليوم في عصر استغراق تقني، حتى تكاد تخلو الطرقات من الناس، ونحن نحاول أن نخرج من كل الزمن وظواهره بما يثري وجودنا الفردي والجمعي لا بما يفقره، وهذه كما سبق وكتبت من قبل ليست محاولة سهلة، ولكنها ليست صعبة كذلك ولا مستحيلة. 

في أكثر من ندوة واجتماع سمعت سؤال المعرفة والمجهول هذا يطرح أمامي، كيف يمكننا تمييز نتاج الذكاء الاصطناعي؟ ومنذ مدة قصيرة نشرت الإيكونومست مادة عن نفس الموضوع، ومن قبل كان سليمان المعمري يكتب عن أسلوب الذكاء الاصطناعي، لو كان لديه أسلوب خاص، والأسبوع الماضي تكتب نوف السعيدي كذلك عن الموضوع نفسه، وواقع الحال يبدو أن الموضوع أكثر إلحاحًا مما نعتقد، وهو يؤرق المحررين الصحفيين وسمعت بعضهم يطرحه في ندوة، وآخر يطرحه في مجموعة عمل، وقد أخبرني أحد الكتاب الشباب الشهر الماضي بواقعة غضبه وردوده المطولة على المحررين الذين كانوا يسألونه للتأكد إن كان استعان بنماذج الذكاء الاصطناعي، ذلك أن إحدى الوصفات المطروحة تقول إن المادة المرتبة والمتقنة والمعززة بالشواهد والمراجع تكون على الأرجح من نتاج الذكاء الاصطناعي، ومن سخرية القدر أن الصفات المنبوذة من قبل، كالخراقة والفوضى في ترتيب الأفكار والعبارات والارتجال وأشباهها، أصبحت اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي دليل إنسانية أعمالنا ونتاجنا. 

يطرح الكاتب النيجيري أشيل مبيمبي في كتابه الوحشية «ت. نادرة السنوسي» فكرة أراها مهمة عما يجري لنا اليوم، يقول: «قد نتظاهر بالاعتقاد بأن التسرع التقني والمرور إلى الحضارة الحاسوبية يمثلان مسلكا جديدا نحو الخلاص» فالواقع أن الحس الإنساني والشعور البشري العام يكاد يجد نفسه في ضيق وحصار تقني من كل جانب، في ذات الوقت الذي يأمل فيه من التقنية أن تنقذه من المصير المروع، مصير الانهيار، وإذا كانت أمريكا تقود دفة المستقبل كما يطرحها السياسيون والاقتصاديون اليوم فيبدو أنها بدأت تنشر في العالم، بالتزامن مع نشر التقنية، مخاوفها ووسواسها القهري من فكرة الخراب والانهيار المسيطرة على نفسيات النخبة الأمريكية، تلك الفكرة التي تجعل أثرياء العالم يشترون جزرًا نائية لتكون ملجأً لهم حين يحل الخراب المنتظر، بانتظار غودو كما في مسرحية صمويل بيكت، أو لا شيء يوقف الكارثة كما في مسرحية سماء عيسى، أو (ما الذي سيحدث لنا بدون البرابرة) كما كتب قسطنطين كفافيس في قصيدته الشهيرة بانتظار البرابرة. 

البرابرة هذه المرة على هيئة تقنية، في كل يد، لكن لحسن الحظ أن هذه التقنية «البربرية» لديها قواعدها وتحكمها أصول تحاول السيطرة عليها من الانفلات، رغم أنها تنفلت أحيانًا كما حدث لنماذج شركتي اوبن وأنثروبيك التي شنت هجمات على أنظمة خارجية بعد أن تمكنت من الخروج من بيئة الاختبار والوصول إلى الإنترنت، هذا غير الحوادث الأخرى التي وقعت في شركات أخرى ووصلت أخبارها للإعلام، لذلك فإن توصيف البربرية ليس خاطئًا تمامًا، لكنه قد يحمل بعض المبالغة، لكنها مبالغة مرادها الاحتياط قبل وقوع أي كارثة، أو خسارة من أي نوع. 

الناس بطبيعتهم اعتمدوا الآلات وآمنوا بها طوال التاريخ، ولم تتوقف الحوادث عن الوقوع، من حوادث الآلات الحادة كسكاكين المطبخ وأنابيب الغاز إلى انفجار الطائرات والقنابل الذرية، ومع ذلك واصلت البشرية اعتمادها على نفس تلك الأدوات بل وطورتها، ولا شك أن تقنية هائلة بهذا الحجم تحمل في طياتها مخاطر من نوع ما، وقد تجر لكوارث وحوادث، كحوادث السيارات ذاتية القيادة التي ظلت شركة تسلا وغيرها تتكتم عليها، لكن الواقع أن هذا هو طريق العلم البشري منذ بداياته الأولى، طريق التجربة والخطأ وتصحيح الخطأ كما كان يؤكد لنا فيلسوف العلم كارل بوبر، وما ينطبق على بقية الأدوات ينطبق كذلك على الذكاء الاصطناعي بدوره. 

ليست قصتنا مع التقنية قصة مختلفة عن قصتنا مع العلم ككل، ما زلنا في طريقنا نتقدم نحو المستقبل المجهول، نكتشفه ونكتشف ذواتنا معه كما كان هايدجر يقول، وهو نفسه المستقبل الذي يمكننا أن نجعله أكثر أمنًا وسهولة ورحابة ونفعًا للأجيال القادمة إذا آمنا بالخير الذي داخلنا، وإذا جعلنا ذلك الخير الذي كان يتحدث عنه سقراط في شوارع أثينا هو الذي يقودنا، بدل خطاب التهديدات والابتزاز والكراهية الذي يتحدث به بعض نجوم الإقطاعيات التقنية الحديثة، فهؤلاء الإقطاعيون الجدد أصبحت عادتهم التفكير العدائي المتوجس من كل آخر بوصفه تهديدًا لا بوصفه تكاملًا، وهم بذلك أسرى نظرة قاصرة للإنسانية وتاريخها على قصره الشديد مقارنة بعمر الكون وعمر الأرض، وما دمنا متجهين حقًا إلى المستقبل فنحن أحوج إلى رحابة الآفاق. 

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني