(1)
..... وما زلنا مع إرث الكاتب الكبير فتحي غانم (1924-1999) أحد أهم الروائيين المصريين والعرب في القرن العشرين؛ ودائما ما كان يقرن اسمه بالجيل التالي لنجيب محفوظ، وتردد أيضًا أنه قد يكون الروائي الأهم من بعده، خصوصًا أن فتحي غانم قدم أعمالا روائية تميزت بعمق معالجاتها الموضوعية ومسحها الاجتماعي وحسها الإنساني، وبحثها عن مسارات سردية وجمالية مغايرة للأشكال التقليدية.
وما زالت شخصيات أعماله الروائية، كما في «زينب والعرش»، و«الأفيال»، و«تلك الأيام»، و«حكاية تو»، و«قليل من الحب كثير من العنف»، و«الرجل الذي فقد ظله» التي يقال إن بطلها كان مستلهماً من شخصية الصحفي الراحل الكبير محمد حسنين هيكل.
والرواية الأخيرة بالذات من أفضل ما قدمت الرواية المصرية والعربية عن عالم الصحافة، ومن أفضل نماذج رسم الشخصيات في مجال الرواية العربية الحديثة والمعاصرة. وسيتوقف تاريخ الرواية العربية مليا عند عمله الكبير هذا «الرجل الذي فقد ظله» الذي قدم فيه الحدث الروائي من منظور أربع شخصيات، ووجهات نظر متباينة، ما جعلها محطة تأسيسية في رواية الأصوات المتعددة أو رواية تعدد الأصوات في الأدب العربي.
جاءت رباعية «الرجل الذي فقد ظله» مروية من منظور أربع شخصيات مختلفة، ترتبط كلها بتعدد الزوايا إلى الرحلة الانتهازية للبطل، وقدرته الحربائية على التلون مع كل عصر، والصعود الدائم في سلم الانتهازية التي تحاول التحالف مع قطبي الثروة والسلطة الحاكمة، وقدرة فتحي غانم على تقديم موازاة روائية بالغة الدلالة على تحولات ثنائية الثروة والسلطة كاشفة، لا تتردد في تعرية الكثير من جوانب العالم الصحفي الذي كان فتحي غانم أدرى الناس بدهاليزه.
ولهذا أتصور أن حكاية فتحي غانم بأسرها؛ هي حكاية الروائي والصحفي اللذين اجتمعا في نموذج نادر واستثنائي (أفصل هذه الاستثنائية أو الخصوصية في الفقرة التالية) ربما لم يتكرر في أدبنا العربي المعاصر بما لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة!
(2)
من المهم هنا الإشارة إلى خصوصية فتحي غانم الروائي والصحفي معا؛ وأراه (مثلما يراه الناقد الكبير محمود عبد الشكور) من كتّاب الطبقة الأولى في الرواية المصرية والعربية، وأنه مختلف اختلافا كليا وجذريا عن كتّاب صحفيين أصدروا رواياتٍ فكانت أقرب إلى معالجاتٍ قصصية عابرة، فيها الكثير من الصنعة والسطحية (وما أكثر هؤلاء وما أكثر إزعاجهم وصخبهم!) بينما ظلّ غانم روائيًّا كبيرًا، يبني شخصياته العامرة، ومعمار رواياته الشاهق المحكم، بخبرة وعمق، وبرؤية ناضجة، يمتزج فيها السياسي بالاجتماعي بالإنساني.
لا نمتلك الكثير من المعلومات عن فتحي غانم كما أنه في حدود ما أعلم لم يكتب سيرته الذاتية، وقد كان خجولا قليل الظهور، وليس بين أيدينا من حوارات ولقاءات وأحاديث صحفية سوى النذر اليسير للغاية، أما الكتب التي ألف عنه أو دارت حول أعماله فلا تتجاوز العشرة عدًّا.
من بين النذر اليسير من الحوارات أتوقف عند ما أعتبره أحد أهم الحوارات التي أجريت معه، وكشفت جانبا معتبرا من شخصيته ككاتب ومؤلف وروائي، وعن تصوراته الكتابية وثقافته الإبداعية، ولا خلاف حول قدراته الإبداعية الفذة وتمكنه السردي كما تجلى ذلك في أعماله المهمة والخطيرة معا..
الحوار الذي أجراه معه الناقد محمود عبد الشكور في مستهل حياته الصحفية، وقد كشف لنا في هذا الحوار المهم عن حيثيات رحلة الكتابة والإبداع في مشوار فتحي غانم.
سنعرف من هذا الحوار أن بداية فتحي غانم كانت مع القصة القصيرة وليس الرواية، ومنذ العام 1950 بدأ في نشر مجموعاته القصصية القصيرة التي قال عنها النقاد -آنذاك- إنها "بداية ثورة أدبية في القصة"؛ وأرجعوا ذلك إلى الطرائق الجديدة والأساليب غير المعتادة في الكتابة القصصية في ذلك الوقت؛ فقد وظف فتحي غانم في قصصه تلك تكنيك تعدد وجهات النظر، وتيار الوعي، والمونولوج الداخلي.
(3)
يشدِّد فتحي غانم في هذا الحوار على أن بزوغ أسلوبه الأدبي وطريقة كتابته الإبداعية كانت سابقة على اشتغاله بالصحافة واحترافه لها، لدرجة أنه حين عمل بالصحافة اعتبر البعض أسلوبه في الكتابة الصحفية أكثر رصانة مما تتطلبه الكتابة الصحفية المباشرة التي تتغيا الإفهام والتوصيل والإيضاح، وإن كان ذلك لم يتعارض مع التفاعل الخصب المثمر بين المسارين (الأدبي الخالص، والصحفي) في تكوينه العام.
ويشير غانم مرارا إلى أن الصحافة أفادته وأن ثمة تفاعلا مهما جرى داخله دون وعي بين قدراته ومهاراته الأدبية وبين الخبرات التي أفادها من الصحافة ونبهته إلى ضرورة التخلص من الاستطرادات الزائدة والتشبيهات والأساليب البلاغية التقليدية التي تؤدي إلى الترهل في المعاني.
للتدليل على فكرته تلك يشير إلى النموذج المهم والملهم دائما لكتاب تلك الفترة النموذج البارز للتوفيق بين الأسلوب الصحفي، والأسلوب الأدبي، في الأدب العالمي، وهو الأديب الأمريكي الشهير إرنست هيمنجواي، فقد كان مراسلًا حربيا يغطي الحرب اليونانية التركية، فنصحه الناقد الأمريكي إزرا باوند بكتابة الرواية؛ لأن أسلوبه مليء بالصراع، وهو عماد "الرواية"، ولذلك استطاع هيمنجواي أن يكتب بلغة صحفية بسيطة، حتى يصل إلى قرائه، وهي في نفس الوقت لغة أدبية راقية ومعبرة، وأفضل مثال على نجاحه في هذه التجربة هو روايته المدهشة «العجوز والبحر».
من ناحية أخرى، تأثر فتحي غانم تأثرا كبيرا بالروائي الروسي الأشهر دويستويفسكي وبأعماله الروائية الكبرى؛ يقول لمحمود عبد الشكور في حواره معه:
"أعتبر دويستويفسكي أستاذي بالفعل في كتابة الرواية، وبعد فترة التوقف عن الكتابة خلال الفترة من 1967 إلى 1973، أخبرتُ توفيق الحكيم أنني سأكتب رواية بعنوان «زينب والعرش» على سجيتي، حتي وصلت إلى ألف صفحة مثلما كان يفعل دويستويفسكي، فقد كنت أريد كتابة رواية على نمط روايات القرن التاسع عشر، وأعترف أنني كتبت «زينب والعرش» وفي ذهني دويستويفسكي، وما كان يفعله، ويمكنك أن تلاحظ تأثيره مثلًا في التشابه الواضح بين طريقة العرض في «زينب والعرش» و«الإخوة كرامازوف»".
(4)
ولعل هذه الإشارة إلى تأثره بالروائي الروسي الكبير، تؤكد الوعي النافذ والدقيق في تكوينه بتأمل أشكال الكتابة الروائية وتنوع أساليب السرد ليس فقط في النماذج العربية بل في الأدب العالمي وفضائه الرحب المتسع. هذا الاهتمام بقراءة إبداعات الآخر ومعرفته هو الذي جعله مغرما بل مهووسا بتأمل كتابة الروايات العالمية، وكان غانم يقرأ بالإنجليزية والفرنسية..
ويحكي عنه الناقد الراحل الكبير جابر عصفور وقد جمعتهما صداقة قوية أن "غرامه برواية مارسيل بروست «البحث عن الزمن المفقود»، غرام دال في هذا الاتجاه.. وأذكر أنه أخبرني ذات يوم أنه تعود عندما تستعصي عليه الكتابة الروائية أن يفتح إحدى صفحات مارسيل بروست، ويأخذ في نسخ ما يستطيع من صفحات الرواية، إلى أن يفتح عليه مرأى الجمل التي ينقلها على ورقه الخاص شهيته للكتابة، فيتوقف عن النسخ، ويواصل مجرى ما انقطع من إبداعه الروائي الذي سيظل علامة فريدة في تاريخ الرواية العربية".
كما يشير جابر عصفور إلى ملمح مهم جدا في مسيرة وتكوين فتحي غانم، وهو تهوسه بلعبة الشطرنج التي كان يمضي الساعات منغمسا فيها وقد كان من البارعين القلائل في الدائرة التي استوعبت المهتمين بها (أي لعبة الشطرنج).
ويبدو أن هذا الغرام بتحريك قطع الشطرنج قد انعكس على الولع بتحريك الشخوص الروائية على مربعات سرد كل رواية على حدة، وهو الذي أغرى فتحي غانم لا بالحركة الخارجية للشخصيات، وإنما بالعالم الداخلي لعقل كل شخصية منها، ومراقبة كيفية عمل هذا العقل، غوصاً في الخاص إلى العام، وفي الفردي إلى الجمعي..
(وللحديث بقية)

**media[3481855]**